قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

أقدم داعش على إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، وكان قبله قد أحرق آلاف الكتب الثمينة من مكتبات العراقيين. سبب إحراق الكتب، كما جاء في التقارير الصحافية، هو كونها تتضمن أفكارا وآراء تتنافى مع القيم الدينية الإسلامية كما يفهمها الدواعش، أما إحراق الطيار فلم يصدر بعد في شأنه أي بيان من داعش يفسر أسباب ودواعي الإحراق.

بعض الكتاب الذين يواجهون حركة داعش وينتقدونها انبروا لتفسير إقدامها على إحراق كتب العراقيين والطيار الكساسبة بالعامل التاريخي، فلأن عمرو بن العاص أحرق مكتبة الإسكندرية، ولأن خالد بن الوليد أحرق رأس مالك بن نويرة، فإن أيضا داعش يقتدي بما فعله هذا القائدان العربيان المسلمان، ويسيران على نهجهما في حرق المكتبات والناس. 

فنحن إذن، طبقا لهؤلاء الكتاب، أمام ممارسة إسلامية راسخة في التاريخ، ومتوارثة عن الأجداد، ومبررة بحكم الدين الإسلامي. وتصرف داعش، تبعا لذلك، لا يعدو كونه تصرفا عاديا ومتماشيا مع حركة التاريخ في منطقتنا. 

يعني لو أن عمرو بن العاص وخالد بن الوليد لم يقوما في الماضي السحيق بحرق مكتبة الإسكندرية ومالك بن نويرة، هذا إن كانا قد أحرقهما فعلا، لما وجد داعش سابقة تاريخية دينية يهتدي بها، ويقوم هو كذلك، في ضوئها، بحرق الكتب الثمينة في مكتبات العراقيين وبإحراق الكساسبة حيا.. الفظاعات والجرائم والمجازر التي يقترفها داعش، ما كان ليجرؤ على اقترافها، لولا وجود النصوص الدينية والسوابق التاريخية التي يؤسس عليها فعله الإجرامي. 

من حيث يدري هؤلاء الكتاب أو لا يدرون، فإنهم يؤازرون داعش ويسايرونه في تبريره لما يقوم به. هم كذلك يقرؤون الروايات التاريخية بذات القراءة، إنهم يقرونها دون جدل أو نقاش، إلا أنهم يختلفون عن الدواعش في الأحكام والمواقف التي يتعين أن تترتب عن تلك الروايات.

يستشف من كلام هؤلاء الكتاب أن الاعتبارات الدينية أو الأخلاقية هي التي يمكن بواسطتها تفسير التصرفات الهمجية لداعش وشبيهاتها من الحركات الدينية المتطرفة، فما دام المسلمون القدامى قد سلكوا مسلكا معينا فإن الدواعش يسيرون على نفس الطريق كما فعل أجدادهم دون أي دوافع أخرى، إنهم نسخ طبق الأصل لأسلافهم.

يتجاهل هؤلاء الكتاب أن داعش ليست في العمق إلا حركة سياسية متطرفة تضافرت عدة عوامل لإبرازها إلى الوجود، وأن هذه الحركة السياسية تصارع وتقاتل من أجل الوصول إلى هدف سياسي محدد، ألا وهو الاستيلاء على السلطة، ومعها الثروة والجاه والنفوذ. 

فهذا هو هدف داعش المركزي والرئيسي الذي تقاتل العالم أجمع من أجل الوصول إليه، والباقي ليس إلا تكتيكات ووسائل للعمل لإدراك هذا المبتغى.

 أما الشعار الذي يرفعه الدواعش ويدعون من خلاله إلى إحياء الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة، فهذا الشعار لا يعدو كونه إيديولوجية، إنه إطار نظري يقع الاشتغال في سياقه من أجل حشد من يغريهم الشعار ويجلبهم للصراع والاقتتال ليتم بواسطتهم انتزاع السلطة ومعها المغريات والامتيازات التي تصاحبها.

 لو لم تكن لدى داعش هذه الإيديولوجية الدينية التي يزعم أنها مستمدة من التاريخ ومن الدين، لأوجد لنفسه إيديولوجية أخرى تحت مسميات مختلفة، ولسعى لإقناع الناس بها، وشحْنهم بأساطيرها، ودفْعهم لاعتناقها والقتال بشراسة تحت رايتها.

وحين يقوم داعش بحرق الكتب في العراق مثلا فإنه يقوم بذلك، ليس لأن هذا ما فعله السلف الصالح، ودرءا لما تحتويه تلك الكتب من المنكر أو البهتان والكفر، وطمعا في نشر كتب تنص على التمسك بالقيم الفاضلة وبث المبادئ التي يحثها عليها الإسلام الصحيح. داعش يحرق الكتب ليجعل الساحة الثقافية حكرا عليه لوحده بما يضمن استمرار فرض هيمنته الإيديولوجية على الخاضعين بالقوة والإكراه لحكمه.

وحين يقوم داعش بإحراق الطيار الأردني الكساسبة حيا، ويذبح ويرمي من السطوح ويأكل القلوب ويشوي الرؤوس الآدمية.. ويصور تلك الفظاعات وينشرها في العموم، فإنه يفعل ذلك لترويع الخصم وبث الرعب في نفسه، وشل تفكيره وحركته، ودفعه للانزياح من الطريق الداعشية الموصلة إلى الحكم والاستفراد به.

 الأساسي بالنسبة للدواعش ليس نشر الدين والعودة إلى عهد الخلافة الراشدة، كما أنهم لا يتصرفون على هذا النحو البشع والموغل في الهمجية تمشيا مع ما فعل ابن العاص وابن الوليد، الأساسي والأهم بالنسبة لهم هو السيطرة على السلطة والحكم والتمكن من الثروة والجاه. الباقي تفاصيل لا تهم حركة داعش إلا بمقدار ما تساعدها على البقاء في الحكم والاستحواذ على السلطة..

إذا كان هذا هو المسعى الحقيقي لداعش، فإن بعض الكتاب والكاتبات لا يختلفون في الواقع عن الدواعش من حيث الاختزال والتسطيح في قراءة الأحداث.. الدواعش يستغلون الدين لتبرير أي فعل مهما كان إجراميا وغير مقبول، وهؤلاء الكتاب يستغلون أي فعل لاتهام الدين والإسلام تحديدا بكونه المسئول عما يقوم به داعش. إنهم دواعش ولكن بشكل مقلوب.

الطرفان معا وجهان لعملة واحدة. فبالنسبة للدواعش، تخلفنا وسبقنا غيرنا، لأننا تخلينا عن الدين، وبالنسبة لبعض الكتاب/ الدواعش تخلفنا لأننا متدينون.

 والحال أن الدين لا يمنع الناس من التقدم، ولا يجبرهم على التخلف، لأن كل المجتمعات البشرية في القارات الخمس، متدينة بطريقة من الطرق. فمن يريد أن يتطرف ويتشدد قد يجد في النص الديني ضالته، ومن يريد أن ينفتح ويتسامح ويؤمن بالتعددية والحق في الاختلاف والتعايش مع الآخر سيجد حتما في النص الديني ما يبرر له سلوكه.

ليس لتصرفات الدواعش ومن هم على شاكلتهم من المتطرفين الدينيين أي علاقة لا بالإسلام، ولا بالمسيحية، ولا باليهودية، ولا بأي سلوك بشري سوي. تصرفاتهم متطرفة وشاذة وموغلة في العنف والتوحش. إنها تذكرنا بما فعله نيرون حين أضرم النيران في ورما وجلس على التل يتلذذ بألسنة النيران تلتهمها حجرا وبشرا وحيوانا، رغم أنه عاش قرونا قبل ظهور الإسلام..

 من يريد من الكتاب ربط ما يصدر عن الدواعش بواقع إسلامي سابق أو حاضر، يقدم لهم خدمة مجانية، متوهما أنه ينتقدهم ويفضحهم. إنه بهجومه على الإسلام والمسلمين بشكل تعميمي، يثير الشبهات حول نفسه، وقد يُؤمن بفعله هذا للدواعش، شرعية دينية لا يملكونها أصلا، إنه يرفع عنهم العزلة ويصورهم في هيئة المدافعين عن الإسلام والمسلمين مما قد يدفع لخلق حالة من التعاطف معهم، علما بأن العدد الأكبر من ضحاياهم هم من المسلمين.

هؤلاء الكتاب يصبون الماء في طاحونة داعش وغيره من الحركات الدينية المتطرفة، متصورين أنهم يتصدون لها ويحاربونها. لا ندري إن كانوا يقومون بذلك بحسن نية أم بخلفية مدروسة وتدرك ما ترمي إليه. في الحالتين معا النتيجة واحدة. إنهم حلفاء لداعش ومثيلاتها.

 

* كاتب من المغرب