قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

عادةً لا يبدو كارثياً أي قولٍ أو تصريحٍ شخصي لمواطنٍ عابر حين يقوم باتهام جهةٍ ما بأنها اعتدت او انتهكت أو قامت بأعمال إجرامية، وفيما بعد فحتى لو بيّن بأن كل ما قاله لا أساس له من الصحة، فالفرد العادي لا يؤاخذ على آرائه ومجازفاته البوحية، باعتبار أن لا قيمة مجتمعية لما يبوح به، أما أن يلجأ الكبير والشخص الاعتباري للاتهام والتحريض والفتنة بناءً على تصوراته الأيديولوجية عن هذه الجهة أو تلك الجهة، فهذا هو العار بعينه، خصوصاً إذا ما كان الرجل مسؤولاً في الدولة ولكلامه تأثير كبير على الشارع، بل ومن المفروض أن يتم محاسبته من قبل الجهة التي يمثلها، إذا ما ثبت مع الأيام بأن ما صرح به عارٍ عن الصحة وأن ما قاله كان هدفه الاول والأخير هو إحداث الفتنة والتحريض لغاياتٍ شخصية أو سياسية بحتة.

ويبدو هذا ما حصل مع بولنت أرينج نائب الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، الذي صرح بأن ما يجري في شمال سوريا هو تطهير عرقي يهدف للتوحيد بين كانتونات متفرقة، خاصة بـحزب الاتحاد الديمقراطي السوري، وذلك في المؤتمر الصحفي الذي عقده المسؤول التركي، يوم الاثنين بالعاصمة أنقرة، عقب انتهاء أول اجتماعٍ لمجلس الوزراء بعد الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد في السابع من الشهر الجاري.

والغريب في اتهامات أرينج قوله بأن هناك علاقات غريبة بين تنظيم داعش ووحدات حماية الشعب التابعة لـ:(PYD) وحزب الاتحاد الديمقراطي، وكما يقول المثل الشائع "ضربني وبكى سبقني واشتكى" فمعلومٌ للقاصب والداني بأن الأجهزة الأمنية في تركيا هي التي تسمح للدواعش بالذهاب والاياب بأريحية من والى سوريا، وقد أظهرت الكاميرات على الحدود كيفية التنسيق بين الجندرمة وبين تنظيم داعش، هذا عدا عن الأدلة التي قدمها منذ شهورٍ رئيس بلدية ماردين النائب أحمد تورك إلى سفير الاتحاد الأوروبي في تركيا ومجموعة من الصحافيين، في جلسة عقدت في ماردين، تقريراً مفصلاً وموثقاً ومدعوماً بالأدلة الدامغة من صور واشرطة تؤكد العلاقة بين الاجهزة الامنية التركية وداعش.

بل واللافت للنظر أن تنظيم داعش لم يترك في طريقه مرقداً ولا مكاناً أثرياً في كل مناطق نفوذه في سوريا والعراق إلا وقضى عليه، وطلعاً باستثناء مرقد سليمان جد الدولة التركية، فبقي سالماً رغم وقوعه في منطقة نفوذ التنظيم المذكور، بل وحرصوا على حمايته الى أن تم نقله الى موقعٍ قرب كوباني على الحدود التركية، عموماً كانت تصريحات أرينج متناغمة تماماً مع ما جاء في بيان الكتائب الاسلامية في محافظة حلب الذين عزفوا ذات النغمة مع أرينج، تلك الكتائب التي تستمد وجودها العسكري والمادي من الدعم والتمويل التركي لها.

والمثير في قول المسؤول التركي أنه لم ينفي وجود فصائل من الجيش الحر مع وحدات حماية الشعب، وبناءً على ما جاء في الويكيبيديا عن مصطلح التطهير العرقي: فتقول الموسوعة بأنه اسمٌ يطلق على عملية الطرد بالقوة لسكان غير مرغوب فيهم من إقليم معين على "خلفية تمييز ديني أو عرقي أو سياسي" فهل يا ترى هذا التعريف يطابق مع ما قاله بولنت أرينج بشيء هذا في حال إذا ثبت بالأدلة القاطعة بأن هناك تطهير عرقي؟ فكيف يكون التطهير عرقياً ونصف عناصر العرق الذي يتم تطهيره موجودين بين من يقوم بفعل التطهير المفترض؟

مع أن مدير المرصد السوري لحقوق الانسان “رامي عبد الرحمن” نفى الفعل جملةً وتفصيلا، مؤكداً بأنه لا يوجد أي تهجير ممنهج للعرب والتركمان من قبل الوحدات الكردية، وذلك رداً على البيان الذي أصدرته عدة فصائل مقاتلة وكذلك المسؤول التركي، عن اتهامهم للوحدات الكردية بعمليات التهجير العرقي الطائفي بحق العرب السنة.

بل وقال مدير المرصد بأن هناك مئات القرى العربية بجوار القامشلي لم يتم تهجير أي منها، وأكد بأن هذه الاتهامات جاءت بعد الانتصارات الكبيرة التي أحرزتها الوحدات الكردية مدعمة بكتائب من القومية العربية، كما أن عضو الائتلاف الوطني قاسم الخطيب قال بأن لا صحة للأنباء الواردة حول التهجير والتطهير العرقي في تلك المناطق، وأضاف الخطيب في تصريحات لـ “وطن اف أم” إنه أرسل ايميلاً مطولاً للائتلاف جاء فيه، إن ما جرى أشبه بحالة استلام وتسليم ولم تحصل معارك بالمعنى المتداول، وأن قوات التحالف لم تضرب في مدينة تل أبيض إنما على أطرافها (سلوك وغيرها) وأن القوى المسيطرة على المدينة حسب الخطيب هم قوات “ال بي ي دي” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، ومعه لواء ثوار الرقة بقيادة أبو عيسى، ولواء التحرير بقيادة أبو محمد كفر زيتا، أما عن الذين فروا من تل ابيض قال الخطيب لقد عبروا الحدود من مناطق مختلفة والنازحون ليسوا من أهالي تل أبيض فقط، إنما هم نسبة ضئيلة، فمعظمهم من تدمر وإدلب ودير الزور ونتيجة الخوف والذعر من القادم وبسبب إغلاق كافة المعابر هربوا من المدينة.

ومن جهةٍ أخرى أعلن القيادي البارز في الجيش السوري الحر “عبد الجبار العكيدي” الذي بقي ولفترة طويلة في كوباني، بأنه سيكون في مقدمة المحاربين للميليشيات التابعة لحزب “الاتحاد الديمقراطي pyd” إذا ثبت ما لديه بالدليل القاطع أن الحزب مارس عمليات تهجير عرقي ضد العرب السنة.

وفيما بعد راح عضو الائتلاف الوطني السوري قاسم الخطيب عاين المدينة، ونفى كل ما قيل عن التهجير القسري للسكان، وهذا بدوره يعيدنا الى مدير المرصد السوري لحقوق الانسان ومطالبته بأن من لديه أدلة تثبت بأن الوحدات الكردية تنفذ عمليات تطهير عرقي، فليقدمه للمحاكم الدولية، وإلا فيجب أن يحاكم، لأنه يريد خلق فتنة كردية عربية، في الوقت الذي تعتبر سوريا بأمس الحاجة الى الوحدة الوطنية، بل ونوه مدير المرصد بأن تركيا هي المصدر الرئيسي لهذه الحملات الترويجية ضد الوحدات الكردية التي هي أصلاً مدعمة بقوات من المعارضة العربية.

فبناءً على كل ما ورد أعلاه وبعد التأكد من أن كل ما قاله المسؤول التركي محض افتراء جاء من باب التحريض على الكرد بسبب معاداة حكومته لحزب الاتحاد الديمقراطي، خصوصاً بعد أن انتزع رديفه حزب الشعوب الديمقراطي في تركيا بعض مقاعد البرلمان التركي من حصة حزب العدالة والتنمية لذا بدا وكأن الخسارة النسبية للحكومة التركية دفعت بالمسؤول التركي الى هذا المنزلق الذي لا يليق بمسؤول دولة فاعلة ومؤثرة على كل منطقة الشرق مثل تركيا، وذلك بهدف خلق الفتنة بين العرب والأكراد، علّه يشفي غله وحقده على الاتحاد الديمقراطي السوري ورديفه حزب الشعوب الديمقراطي في تركيا، وذلك من خلال التحريض وزرع بذور الفتنة بين مكومات الشعب السوري.

وأمام انكشاف بطلان كل ما جاء في قول أرينج وبيان تلك الفصائل المسلحة ومن تبعوهم على المنوال ذاته من الساسة والكتاب، فهل ستقوم حكومته بمحاسبته باعتباره مسؤول دولة وليس مواطن عابر حتى يُصرح ما يحلو لهُ؟ أم ستحاسبه أجهزة دولته الأمنية على فشله في زرع بذور الفتنة هناك؟ وتعطيه فرصة اخرى ليثبت جدارة نواياه المبطنة في محطاتٍ لاحقة، حتى يحقق مبتغاه ومبتغى من يُرخص له أعمال الكذب والتحريض والفتنة.