قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

مضى ربع قرن من الزمن على تطبيع العلاقات السعودية- الروسية. تخللته قائمة طويلة نسبياً من الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين السعوديين والروس. وكان من أبرزها: زيارة رسمية إلى موسكو في نوفمبر/تشرين ثاني عام 2003 قام بها الملك الراحل عبد الله -عندما كان ولياً للعهد - اجرى خلالها مباحثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، والتوقيع على مجموعة من اتفاقيات التعاون في مجالات النفط والغاز والعلم والتكنولوجيا.
وقام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في فبراير/شباط عام 2007 بزيارة إلى المملكة العربية السعودية. وتم خلال هذه الزيارة التوقيع على اتفاقية ثنائية في مجال الاتصالات الجوية ومعاهدة تفادي دفع الضريبة المزدوجة على المداخيل ورؤوس الأموال، واتفاقيات في مجالات الثقافة وتبادل المعلومات والتعاون المصرفي. وتحديد اتجاهات التعاون في مجال التكنولوجيا النووية وغزو الفضاء.
وأفضت الزيارات المتبادلة إلى تنمية العلاقات بين البلدين فحملت الصواريخ الروسية في سبتمبر/ايلول عام 2000 إلى مدارات الفضاء الخارجي 13 قمرا صناعيا سعوديا يستخدم في مجال الاتصالات وسبر سطح الأرض عن بعد. وانطلق منذ عام 2002 مجلس الاعمال الروسي السعودي، وتطورت بشكل ملحوظ العلاقات الإنسانية ومن ضمنها بين المنظمات الإسلامية. وتعمل منذ سنة 2002 اللجنة الروسية للحج، التي من واجبها ابداء المساعدة للحجاج الروس.
وكان مأمولاً، منذ العام 2009 أن تصبح السعودية أحد كبار مشتري الأسلحة الروسية، وجرى تداول أنباء عن صفقة لتزويد الرياض بـ150 مروحية مختلفة الأنواع، وأكثر من 150 دبابة من نوع “تي- 90 إس”، بالإضافة إلى 250 آلية مشاة قتالية “بي إم بي-3” ، وقدرت قيمتها بنحو 4 مليارات دولار، مقابل إيقاف توريد أسلحة روسية إلى إيران.
وكان يروج لوجود تطابق أو تقارب في مواقف البلدين تجاه أغلب القضايا العالمية والإقليمية". ومنها: "النزاع العربي – الإسرائيلي"، و"حظر انتشار اسلحة الدمار الشامل"، و"مكافحة التطرف والإرهاب". وهو تقارب تفرضه المصالح السياسية والاقتصادية المشتركة، بخلاف التناقضات الأيديولوجية، وعلى نحو خاص الدينية منها التي أذكت خصومة ومواجهة عسكرية شبه مباشرة في عقد الثمانينيات من القرن الماضي في أفغانستان. وجرت المواجهة الثانية غير المباشرة بين البلدين خلال الحرب الروسية الشيشانية الأولى (1994-1996)، عندما بدأ تدفّق "العرب الأفغان" على الشيشان بقيادة السعوديين خطـّاب وأبي الوليد، حيث كانت الأجهزة الأمنية الروسية تطلق وصف "الوهابي" على كل متطرّف إسلامي.
وبعد عمليات 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة، وجدت القيادة الروسية الظرف مناسباً لانتهاز الفرصة وللنيل من الحليف السعودي لواشنطن، وعوّلت على تغيير الإدارة الأميركية لموقفها من النزاع الشيشاني. لكنها تراجعت لاحقاً بعد انتهاء الحرب في الشيشان. وقيام الرئيس الشيشاني الموالي لموسكو أحمد قديروف بزيارة الرياض في منتصف كانون الثاني 2004. حققت أهدافاً عديدة، منها: الاعتراف الرسمي السعودي بالرئيس الشيشاني، ورفع الغطاء الإسلامي عن المقاتلين الشيشانيين.
وأحدث "الربيع العربي" الذي سرعان ما وُصف في روسيا ب "زمن الفتنة" تغييراً جذريًّا في لهجة الخطاب الروسي وكذلك في سياستها تجاه المملكة العربية السعودية. وعُدّت أحداث 2011 – 120 2 بمنزلة صيغة جديدة ل "الثورات الملوّنة" التي تخطط لها الولايات المتحدة وتنفذها "الأنظمة الأوتوقراطية الشرق أوسطية"، وتُذكر في صدارتها المملكة العربية السعودية التي ي ا رد لها أن تصبح "الراعي الإقليمي باسم الغرب".
وعُدّت هذه الأحداث بمنزلة ضربة للمصالح الاقتصادية الروسية، ويمس ذلك بالدرجة الأولى ليبيا. وفي نهاية نيسان/ أبريل 2012 ، قال مدفيديف بتشاؤم في سياق الحديث عن تطور الأحداث في العالم العربي: "سينتهي ’الربيع العربي‘ بقدوم ’الخريف العربي، البارد". وقال أيضًا "إنّ الراديكاليين سيندفعون إلى السُلطة، وسيكون العمل معهم أصعب كثيراً".
وعندما أصبح بوتين، في 7 أيار/ مايو 2012 ، مرَّ ةً أخرى رئيسًا لروسيا، اكتسب نهج السياسة الخارجية سمة جديدةً، و قد وُصف في الخطاب الروسي بأنه السعي ل "التزعم بحماية القانون الدولي" واكتساب الشرعية، اعتمادًا على "تاريخ روسيا العظيم وثقافتها".
ولذلك شهدت العلاقات السعودية الروسية توترات عمقها: البرنامج النووي الإيراني، والنزاعات في الشرق الأوسط، فقد تقاربت موسكو مع طهران في موقفها الداعم لجماعة الحوثي في اليمن. وأرسلت روسيا للحوثيين شحنة كبيرة من الأسلحة والذخائر والقنابل والصواريخ المضادة للطائرات.
وجاء الفيتو الروسي على اقتراح دول مجلس التعاون الخليجي لقرار في مجلس الأمن يدين الانقلاب الحوثي في اليمن، رداً على قيام دول الخليج وعلى رأسها السعودية برفض خفض إنتاج النفط مما أدى إلى هبوط حاد في أسعار النفط عالميا.
ومنذ بدء "عاصفة الحزم" في 26 آذار/مارس 2015، أبدت روسيا قلقاً واضحاً إزاء ما يجري وتداعياته المستقبلية على استقرار المنطقة. وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أهمية الوقف الفوري للقتال في اليمن، وضرورة تفعيل الجهود، بما في ذلك جهود الأمم المتحدة، لبلورة حلول سلمية للنزاع اليمني، وإطلاق حوار واسع بمشاركة جميع القوى السياسية والدينية في اليمن.
ورأت روسيا أن المستفيد الأول من عدم الاستقرار فى المنطقة هو الولايات المتحدة، التي تحاول تصفية القدرات العربية بضرب ببعضها ببعض والتلاعب باستقرار هذه الدول والتوازنات العرقية والدينية والمذهبية داخلها لخدمة مصالحها على حساب أمن دولها والأمن والاستقرار الإقليمي. ورأت موسكو أن واشنطن تسعى إلى إحكام قبضتها على المنطقة ووضع حد للشراكة العربية المتنامية مع القوى الآسيوية وفى مقدمتها روسيا، وذلك من خلال إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط جغرافياً وسياسياً، وإضعاف القوى الإقليمية الهامة العربية وغير العربية الكبرى، وخلق كيانات ضعيفة يسهل توجيهها ولا تمثل خطر على مصالحها. يعزز من المخاوف الروسية خبرة التدخل الأميركي في ليبيا ومن قبلها العراق، ودعمها للثورات العربية، والسياسة الأميركية غير الفعالة تجاه "داعش" وغيرها من المنظمات الارهابية.
وفي سوريا, كان هدف السعودية "إسقاط نظام بشار الأسد"، وعملت على ذلك بشتى الوسائل، كان من آخرها استخدام البترول كسلاح لإبعاد روسيا عن دعم الأسد. وسعت الرياض إلى مساومة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالتخلي عن دعمه للأسد مقابل استخدام خفض إنتاجها لرفع أسعار النفط.
وفي هذا السبيل تم عقد محادثات كثيرة بين كبار المسؤولين السعوديين والروس لم تؤد إلى انفراج كبير في مواقف البلدين. بل تصاعد التوتر بينهما، وكان من أبرز المؤشرات على هذا الأمر، تراجع السعودية عن وعودها بتمويل صفقة أسلحة كبيرة قيمتها 3.2 مليار دولار بين مصر وروسيا. وكانت الصفقة ستقدم للقاهرة عددا كبيرا من طائرات ميغ-29 المقاتلة الروسية لتحل محل الطائرات الأميركية الصنع في سلاح الجو المصري. إضافة إلى عرقلة محاولة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فتح الأسواق العربية الخليجية على صناعة الأسلحة الروسية.
واللافت، أن زيادة التدخل الروسي في سوريا جاء بعد أسابيع من الزيارة المهمة التي قام بها ولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان إلى روسيا، وتلتها زيارة سعودية أخرى لموسكو لوزير الخارجية عادل الجبير في شهر تموز 2015، وفي أعقاب الاجتماع الثلاثي لوزراء خارجية روسيا والولايات المتحدة والسعودية في الدوحة في شهر آب 2015 الذي خُصِّص لبحث الأزمة السورية.
ومقابل عدم صدور أي تعليق رسمي أو شبه رسمي سعودي بشأن زيادة التواجد العسكري الروسي في سوريا، رغم أن الأمر يبدو دعما للرئيس السوري بشار الأسد. واكتفاء وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بالقول: "التواجد والدعم الروسيان موجودان من قبل، ونحن والكل يعلم عنه". فقد حذر رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف، في مقابلة مع صحيفة "هاندلسبلات" الألمانية، السعودية وتركيا، دون ان يذكرهما بالاسم، من أن أي تدخل أجنبي بري في سورية سيشعل "حربا عالمية جديدة لأن الهجمات البرية عادة ما تؤدي إلى تحول الوضع إلى حرب دائمة".
ويقود العرض السابق لمسارات العلاقات السعودية-الروسية، واستمرارية الخلافات حول رزمة قضايا إقليمية ودولية. وذلك نتيجة لقلق متبادل مقيم بين موسكو والرياض. فموسكو لا تزال أسيرة فوبيا الأمركة والإسلاموفوبيا. وافتقادها إلى قوة ناعمة تدعم طموحاتها الشرق أوسطية. وتعويلها على تجارة السلاح ونشر الخبراء، وبناء المفاعلات النووية. وثبت أن هذا التعويل يشكل سياسة خاطئة وفاشلة بدليل: طرد الخبراء الروس من مصر في عهد الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، وسقوط أنظمة عربية كانت تعتقد موسكو أنها تمثل ركائز مهمة لسيطرتها على الشرق الأوسط.
أما الرياض، فمصدر قلقها يتمثل في التقارب أو التحالف المؤقت القائم بين موسكو وطهران، ودعم موسكو اللامحدود لأنظمة معادية لها، فضلاً عن سياسات الكرملين تجاه دول آسيا الوسطى الإسلامية