قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

مؤخرا قرأت "إشفيت وأبناؤه"، وهي الرواية الأولى لاورهان باموك. وقد كتبها بنَفَس واقعي على طريقة بالزاك، وستاندال، ونجيب محفوظ في ثلاثيّته، وفيها يصّور مصير عائلة بورجوازية من اسطمبول على مدى ثلاثة أجيال.وتبدأ أحداث هذه الرواية عام 1905 أي عندما تمرّدت النخب التركيّة المستنيرة على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني وتنتهي عام 1970، أي عندما يقوم الجيش بانقلاب عسكري للسيطرة على السلطة. و ويقول اورهان باموك بإن هدفه من روايته المذكورة هو رسم خصائص البورجوازية التركية التي كانت حليفة لمصطفى كمال اتاتوك، والتي كانت مثله لائكيّة، ومعجبة بالثقافة الغربية. لذلك كانت تساند كلّ الاجراءات الحداثية والإصلاحية في أول جمهورية تركية. ورغم القوّة والصلابة التي أظهرتها في تلك الفترة، فإن هذا البورجوازية كانت لها جوانب ضعف برزت بالخصوص في تعاملها مع الطبقات الفقيرة والمهمشة. من ذلك مثلا أنها كانت تتصرف بصلافة مع هذه الطبقات، مُظهرة لها الإحتقار تماما مثلما كانت تفعل الطبقة الإرستقراطية في العهد العثماني. كما أنها كانت تفضّل الإعتماد على الجيش، منتقدة الشعب بسبب تردّده في تقبل الإصلاحات الحداثية. ويشير أورهان باموك أنه تربى في هذا الوسط البورجوازي,. لذا تمكن من أن يسبر أغواره وخفاياه في روايته المذكورة. ويتحدث اورهان باموك عن الصراع بين الثقافة الشرقية ،والثقافة الغربيّة في تركيا، قائلا بإن تاريخ تركيا المعاصر يستند الى رغبة قويّة في الحداثة، وفي فصل الدين عن الدولة، وفي الإقتراب من أوروبا ومن ثقافتها. إلاّ أن هذه الرغبة غالبا ما تكون مرفوقة بشعور بالعجز عن بلوغها، وتحقيقها.لذلك ظلت الهوة العميقة قائمة بين الأغنياء والفقراء، وبين بورجوازية المدينة، وسكّان الأرياف. وقدتكون القوى المحافظة المشدودة إلى الماضي، والتي يمثلها اردوغان راهنا استغلت ضعف البورجوازية التركية وترددها وعجزها عن ردم الهوة بين سكان المدن، وسكان الأرياف الذين يشكلون الأغلبية، لتكتسب من جديد السلطة والنفوذ.

و في كثير من تصريحاته، انتقد اورهان باموك سياسة أردوغان قائلا بإن عددا من الأحداث التي عاشتها تركيا مؤخرا دلّت بما لا يدعو للشك أنه عاجز عن إدارة شؤون البلاد، وأنه يلجأ الى العنف والصلابة كلّ ما وجد نفسه وحكومته أمام مازق صعب. كما أنه -أي أردوغان- يسعى دائماإلى إحداث الإنقسامات بين الأتراك لكي يتمكن من فرض سلطته، ومواجهة خصومه السياسيين. وناعتا ايّاه ب"الشعبوي"، يعتقد أورهان باموك بإن أردوغان يكنّ حقدا كبيرا للنخب الحداثية، ويرفض رفضا قاطعا التحالف معها. أما نجاح حزبه في البقاء في السلطة فيعود بحسب رأيه الى الطفرة الاقتصادية الهامة التي عرفتها بلاده في السنوات الأخيرة. ويرى أورهان باموك أن اليمين الرجعي المتطرف يساند بقوة سياسة أردوغان الذي استغل ضعف القوى اليسارية ليربط علاقات وثيقة مع الطبقات الفقيرة المتعلقة بالدين وبالتقاليد القديمة. ويعتقد أورهان باموك بلاده تعيش راهنا توتّرات ونزاعات قصوى. وثمة غضب خفيّ وانقسامات داخليّة.وقد يؤدي كل هذا إلى إنفجار رهيب يعصف بأحلام أردوغان، ويضع حدا لسياسته التسلطيّة ، و"الشعبوية".