يبدو أن الحديث الممل حول سذاجة إدارة الوضع الداخلي في العراق قد تجاوز كل الأطر و التوقعات و القياسات،فعودة الإرهاب للساحة العراقية و التركيز على إثارة الفتنة الطائفية و تأجيج نيرانها عبر إستغلال المناسبات الدينية كما حدث مؤخرا هو في حقيقة ألأمر عودة مريعة للمربع ألأول و بما ينبيء بأن الهدوء الأمني الأخير لم يكن سوى وقفة تعبوية للعديد من القوى المتورطة بالإرهاب أو المستفيدة من إستمراريته و تأجيج نيرانه،و يبدو أن فشل الحكومة العراقية المفجع في التعامل مع إدارة ملفات الصراع الداخلي و الإكتفاء بسياسة الخطابات و محاولة القفز على الأسباب الحقيقية المغذية للتوتر في الساحة السياسية العراقية قد أدى في المحصلة العامة لإسترخاء عضلي لا يعبر عن سيطرة أمنية بقدر ما يعبر عن حالة من حالات العجز في ظل نمو الإستقطاب السياسي العنيف داخل التيارات السياسية العراقية نفسها،فالجماعات السنية متناحرة حتى العظم وهي تهدد بإشعال حرب بينية شرسة بين أهل العشائر الذين هم أساسا من بقايا الجيش العراقي السابق و أهل المؤسسة الأمنية و الإستخبارية السابقة و بين تيار الإخوان المسلمين في العراق الذي يمثله خط الحزب الإسلامي العراقي الذي نزع قادته عند أول منعطف معطف الولاء البعثي السابق ليرتدون الحلة الدينية الإخوانجية في عملية إحلال سهلة للغاية لا تتطلب شيئا سوى إبراز المسبحة و ترديد البسملة و الحوقلة عوضا عن الشعار البعثي القديم أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة!


، أما الأحزاب الشيعية فالعداء بينها تاريخي و متأصل فحزب الدعوة الإسلامية قد تحول و إنشطر لدعوات و دعوات،فهنالك دعوة المالكي و هنالك دعوة العنزي و هنالك إنشقاق دعوة الجعفري الذي تحول لما يسمى بالإصلاح الوطني!! و هنالك دعوة الداخل و دعوة الخارج!! و هنالك المنشقون الذين تركوا العدة و العديد و أعلنوا سابقا إنحيازهم التام و بيعتهم المطلقة للولي الخراساني الفقيه في إيران معتبرين قيام تلك الدولة بمثابة نهاية الأمل و المراد لكونها الدولة الممهدة لعودة الإمام الغائب كما فعل مؤسس الدعوة الشيخ الإيراني محمد مهدي الآصفي!!

و حتى المالكي الذي كان مسؤولا عن فرع حزب الدعوة الدمشقي أيام المعارضة ثم ورث رئاسة الحكومة عن سلفه الجعفري الذي أدخل العراق في عهده في خضم أشنع فتنة و حرب طائفية هو اليوم يتمنطق بشعارات و سياسات لا علاقة لها أصلا بفكر حزب الدعوة المعروف و الذي هو في محصلته النسخة الشيعية لحزب الإخوان المسلمين السني!!، و لاشك أن المالكي في تحولاته و قراءته للواقع العراقي بشكل مختلف عن النظرة الحزبية الضيقة يعتبره أهل أقوى تيار إيراني يحكم العراق وهم جماعة المجلس الأعلى للثورة الإيرانية في العراق أو حصان طروادة الإيراني في الجسم الشيعي العراقي بمثابة الخصم و الخصم الخطير أيضا لأنه قد خرج عن سيناريو أهل الآئتلاف أولا،و لكونه يحاول ثانيا الإنفكاك من الأسر الإيراني،كما أنه يحاول تشذيب بعض الممارسات و الطقوس الطائفية و الدينية التي تستغل من قبل جماعة من رجال الدين الطفيليين ذوي النوايا و الأهداف السياسية لتمرير رؤى معينة!! لذلك كانت الحرب المجلسية المقدسة ضد رموز من جماعة المالكي الذين إعتبروا المبالغة في طقوس عاشوراء بمثابة أمر خارج عن مفاهيم التشيع الحقيقية!!

و هو ما أشعل نيران التنين المجلسي الإيراني و الذي دخل الإنتخابات المحلية الأخيرة ببرنامج محوره الدفاع عن تلك الممارسات التي إعتبرها مقدسة و من الثوابت و الركائز الأساسية في التشيع وفقا لرؤية عمار الحكيم و لبيانات ما يسمى بجماعة ( لفيف من علماء الحوزة )!!،وفعلا فقد نجح المجلسيون في فرض رؤاهم و أستطاعوا تعبئة ملايين البسطاء و الفقراء في مناسبة أربعينية الإمام الحسين ( ع ) كا أنهم تمكنوا من خلال الدعوة للمشاة من الزوار الذين يزورون ضريح الإمام الحسين مشيا على الأقدام لمئات الكيلومترات أن يجندوا الدولة العراقية بأسرها لحماية تلك الجموع و لتعطيل الحياة العامة و فرض أجواء من الحزن الشامل إضافة لتنظيم كرنفالات اللطم الشاملة في مدن وقصبات العراق الفقيرة!

ثم حدوث تلك الهجمات الإرهابية التي إستهدفت البسطاء في واحدة من أغرب سيناريوهات الإرهاب المرتب في العراق و الذي يتصاعد تدريجيا كلما تصاعدت الخلافات بين القوى السياسية في العراق،لقد نجح المجلسيون و أتباع إيران في ركوب الموجة و تمكنوا لا عن طريق صناديق الإقتراع فقط و التي يتحكمون بمفاتيحها بل من خلال تعبئة البسطاء و أهل الجهل و المحرومين من تغيير قواعد اللعبة و فرض سياسات مبرمجة خطط لها بذكاء و دقة في معامل طهران للحرس الثوري،و في ظل اللطم الشامل و العويل العام يتم تسويق العديد من الأمور،و لعل زيارة وزير الخارجية الإيراني ( متقي ) هي بمثابة جزء من ترتيبات سيناريو هجومي إيراني واسع المدى يستهدف فرض و رسم رؤى مستقبلية جديدة في العراق النازف دائما و أبدا... فليس من بديل لأهل الحكم في العراق سوى اللطم و اللطم حتى يقرر الله أمرا كان مفعولا.

داود البصري

[email protected]