من الصعب أن نتحدث عما يدور الآن في إيران بعد انتخابات، أظهرت بما لايقبل الشك أن الديمقراطية، حاجة ماسة ولابد منها من أجل تطور أي مجتمع، ومهما كانت تفاصيله، ومهما كانت إشكالياته. من الصعب التحدث عن هذه الانتخابات دون التأكيد أن النظام الإيراني، منذ البداية فيه من المرونة، والمؤسساتية ما يجعل الحديث عن ديكتاتورية الفقيه أمرا ليس حقيقيا في لحظات كثيرة. ولاية الفقيه التي أسسها وثبتها الخميني بعد ثورة الشعب الإيراني على نظام الشاه، هذه الولاية والتي ماكان لها أن تتحول إلى ديكتاتورية بالمعنى الفعلي للعبارة، دون أن يستمر مؤسسها بتأسيسها كما خطط لها، ولكن وفاة الخميني، السريعة بعد الثورة، وانشغاله بالحرب العراقية الإيرانية، جعلت ديكتاتورية هذه الولاية الفقهية لم تكتمل لاماديا ولا رمزيا، وتوزع هذا الرأسمال المادي والرمزي- السلطة- على مراكز القوى التي نتحدث عنها هنا، وأدت وفاته هذه إلى توزع في السلطة في إيران لم يكن موجودا أصلا في هيكيلة الخميني الذي أراد تأسيسها وتطبيقها لتصبح نموذجا إسلاميا. هذا التوزع في القوى والسلطة، هو الذي أعطى النظام الإيراني مرونة، ليست قليلة بالتعاطي مع مستجداته الداخلية والخارجية، وتحول الفقيه بحد ذاته إلى مركز من مراكز هذه القوى، حتى لو كان له الحجم الأكبر من الحضور والقوة لكنه لم يستطع أن يزيح من دربه باقي القوى، بغض النظر عن إرادته سواء كانت إرادة تريد قبضة فردية ومن حديد على السلطة أم كان ينظر إلى أن هنالك مصلحة للنظام ولدولته الإيرانية في بقاء هذا التوزع في القوى، بغض النظر عن هذه الإرادة بقي النظام في إيران، قريبا من الاستبداد بعيدا قليلا عن الديكتاتورية، لهذا من الصعب الحكم على تفاعلات ما يجري في إيران دون النظر إلى هذه المرونة العالية لنظام استبدادي، والذي لم نشهد نموذجا آخر شبيها له في العالم المعاصر.


استثنائية النموذج الإيراني، أن الهوامش الواسعة نسبيا فيه هي نتاج توزع قوى هي أصلا تنزع نحو الديكتاتورية وهذه أيضا مفارقة غير مسجلة من قبل، وما يعرف الآن بالتيار الإصلاحي ليس سوى خلطة من تيارات ومصالح، بينها ماهو متناقض جدا، فليس هنالك وارد تلاقي أنصار خاتمي مع أنصار رفسنجاني الذي بات يعتبر إصلاحي في السنوات الأخيرة، وحتى بين مير حسين موسوي وبين كروبي.


وخوف هؤلاء من رفع الغطاء عنهم كما حدث مع كثر من رموز هذا النظام في السابق، جعلهم ينقلون المعركة إلى الشارع. لأنهم تلمسوا في السنوات الأخيرة محاولة جادة من قبل مؤسسة الفقيه الأوحد، لضرب كافة مراكز القوى وبطريقة هادئة. وهذا ليس له علاقة بنجاح سياسة إيران برأسيها القوي خامنئي والضعيف نجاد، لأن هذه السياسة أقله على الصعيد الإقليمي قد حققت نجاحات تذكر، في لبنان والعراق وسورية وبعضا من دول الخليج العربي، وفرضت حتى على الولايات المتحدة موازين قوى جديدة، وإلا من أتى باتفاق الدوحة، ومن جعل ساركوزي يركض نحو دمشق، وأوباما يريد الحوار مع إيران؟


ولاية الفقيه في إيران باتت الآن أرحم بكثير من ولاية الرئيس وأولي الأمر في بلداننا، وخاصة سورية. وأكثر نجاعة ودينامية في استيعاب المستجدات المجتمعية. ولاية الرئيس باتت من التكلس حدا فاق كل تصور، وهم البقاء في قوقعة السلطة هذه بات أجندة واحدة وحيدة، هي التي يتم العمل عليها ووفقا لها، بغض النظر عن احتياجات المجتمع السوري. وانطلاقا من تحليلنا هذا لماذا لم يستطع النظام في سورية فرز مراكز قوى علنية؟ لأن ولاية الرئيس محكمة الإغلاق ولا يمكن فتحها. ولهذا أيضا عندما يتم الحديث عن تيار إصلاحي في سورية مثلا يوضع الرئيس الأسد على رأسه، لماذا؟


إن توزع مراكز القوى في إيران قد قوى من مؤسسات الدولة الإيرانية، بينما تضاؤلها حتى العدم في سورية، أصبحت الدولة ملكية شخصية، بغض النظر عن إدارة هذه الملكية. وبغض النظر سواء كانت صالحة أم طالحة.


ولاية الرئيس نظاما لا يحتمل أي نص مكتوب، نص يشكل ناظم عمل، لا يطيق الكتابة أصلا. نواظم العمل تكون قرارات شفهية لحظية، بينما ولاية الفقيه تحتاج دوما إلى نصها إلى كتبتها وكتابها.


وبقي القولquot; أن ولاية الرئيس من المستحيل أن تتحول على ولاية فقيه، لأنها لا تمتلك نصا يكون قادرا على استيعاب أية أكثرية، كما تفعل ولاية الفقيه في إيران.


وهذا سر من أسرار مأزق سورية ومرونة النظام الإيراني.

غسان المفلح