لا يكاد يمر يوم في بغداد إلى وتشهد به عملية سطو هنا أو تفجير هناك، وقد يحصل أن تجتمع النكبات في يوم واحد كما حصل في الأربعاء الدامي، ذلك اليوم المأساوي الذي شهدت فيه بغداد واحدا من أسوا أيامها قتلا وترويعا، ليتأكد لدينا أن القتلة واللصوص يعيشون عصرهم الذهبي، ينشرون ضلال وجودهم الدامي في كل أرجاء بغداد دون خوف أو وجل، فقد تأكد لهؤلاء أن الخطط الأمنية الموضوعة من جانب الحكومة ليست إلا خططا ورقية، لان منفذيها غارقين في سبات حالم بانتظار قطفة الأمن المجانية أو وصفة الساحر التي تأتيهم بالأمن وهم نائمون مطمئنون، فشوارع بغداد الممتلئة عن أخرها بالدوريات العسكرية ونقاط التفتيش، ما كان لها أن تغدوا صيدا سهلا للإرهابيين واللصوص، لولا حالتا التسيب والإهمال المعششان في الأذهان والنفوس، ولولا البرود وإلا مبالاة اللذان ينخران في شرايين الدولة العراقية، بحيث تتحول السيادة في بغداد بين آونة وأخرى إلى القتلة واللصوص، ليمارسوا فنونهم الأثيرة في القتل والسطو، وكان بغداد مباحة بالكامل لهم.


وبالتأكيد فان ما يحصل في بغداد أو العراق بشكل عام، لا تتحمل جريرته الديمقراطية كما يحاول البعض أن يلمح، لان الديمقراطية أثبتت أهليتها في معظم أرجاء هذا العالم الواسع بما في ذلك دول من طينة العراق، كما لا يعني أن التربة العراقية غير صالحة لنمو نبتة الديمقراطية، لان الديمقراطية قادرة على النمو في أي مكان أو زمان شريطة أن تتوفر لها شروط معينة، وبالتالي فان السبب الأساس لما جرى ويجري في العراق، نابع من عدم كفاءة الأجهزة السياسية والقائمين عليها، ووصول قوى لا يؤمن كثير منها بالديمقراطية إلا كوسيلة للحصول إلى السلطة، هذا بالإضافة إلى عدم فاعلية الوسائل المتبعة في تأهيل البلد وتصادمها مع ميراث البلد الهمجي والدكتاتوري.


أن علينا رغم ما يجري الآن في العراق، أن نتمسك بالديمقراطية بل أن نصر عليها، لان هدف القتلة واللصوص هو ضرب الديمقراطية وتيئيس الناس منها، حتى يصبح البلد مؤهلا لعودة الفوضى التي يستطيع المجرمون فيها التحرك بحرية، قبل أن يعود البلد من جديد إلى الدكتاتورية التي رزح تحت سطوتها قرونا كثيرة، والتي مازال البعض يحن إليها كعصر من عصوره الذهبية، لكي تعود البلاد من جديد ملكا لفئات أو عوائل كما كان الحال في عصور كثيرة، فيما يتحول باقي الشعب إلى مجرد عبيد وإجراء بيد الأقوياء والمتنفذين.


فالعقلية الدكتاتورية لم تمت بعد، إنها مازالت حية وناشطة، ونكاد نلمس وجودها بين جانبي المشهد السياسي، سواء في الجانب القابض على السلطة أو المعارض لها، بغض النظر عن وجود أطراف تحمل بين ظهرانيها الكثير من الأجندة الوطنية، وبالتأكيد فان للكثير من هؤلاء طموح خاص، يتلخص بإعادة البلاد إلى حالة الدكتاتورية لتكون تحت وصايته، فما يرمي إليه هؤلاء واحد تقريبا، لكن آلياتهما في الوصول إليه مختلفة بحكم الموقع الذي هم فيه، وهم بالتالي يمثلون خطرا متماثلا على الديمقراطية الوليدة، التي تواجه مشاكل جمة ليس من قبل مناوئيها ومعانديها وحسب، إنما من قبل من دخل في ركبها وتسلل إلى مخاضها ليمارس تخريبه من الداخل وفي قلب الممارسة الديمقراطية، فبغداد التي شهدت انعتاقها الكبير بسطوة الاحتلال ولا شيء سواه، ربما تعود من جديد أسيرة الإذلال والإرهاب من خلال مشاريع تعمل في الظلام وخلف ظهر العملية السياسية، لتحيك عبودية جديدة للعراق والعراقيين، وإلا ما معنى أن تشهد بغداد هذا الرعب المتواصل، في وقت تنهال فيه الثروات على قادة البلاد من أقطاب العملية السياسية، فالإرهاب لا يعمل لوحده في بغداد، بل تعمل معه قوى وأجندات مختلفة كل منها يعمل لنسقه وأهدافه الخاصة، دون الاهتمام بما يواجهه البلد من مخاطر ربما تحطم الكثير من أسسه، فهناك طابور كبير من المفسدين والمتواطئين، يجدون في الإرهاب خير سبيل لنشر قيمهم وأفكارهم الخاصة.


وبالتالي ما على الشعب إلا أن يتمسك بالديمقراطية، فهي وحدها التي تستطيع أن تؤمن له مستقبلا مشرقا، وتملك القدرة على تخليصه من كيد المجرمين واللصوص أيا كانت مشاربهم واتجاهاتهم.