قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد الحمامصي من القاهرة: تتميز قصيدة الشاعر السعودي محمد خضر بشفافيتها المتوهجة بآلام الروح وقدرتها على إثارة التساؤلات الأعمق في رؤية الذات لما يحيطها من حيوات إنسانية، وذلك من خلال لغة بعيدة عن التهويم والتشنج والغلو، وصورة ترقى لأن تكون مشهدا حيا يضج بالنبض.
قدم محمد خضر العديد من الدواوين منها quot;مؤقتا تحت غيمةquot;، وquot;صندوق أقل من الضياعquot;، وquot;المشي بنصف سعادةquot;، وأخيرا quot;تماما كما كنت أظنquot;، وله تحت الطبع quot;حطب شخصيquot; وquot;كتاب ضد النسيانquot;.
في هذا الحوار مع الشاعر نتعرف على رؤى وأفكار تجربته وتجربة جيله من الشعراء في السعودية وغير ذلك.

** أصدرت مجموعتك الشعرية الجديدة تماما كما كنت أظن التي تنتمي إلى الشعر الجديد، ترى ماذا تغير وما هو موضوع الشعر في هذه المرحلة برأيك هل هناك شرط فني مثلا؟
** لنتفق أن الشعر لا قاعدة له حتى في أزمنة مضت في عمر الشعر، لم يكن هناك قاعدة للمضمون كان هنالك تقعيد للشكل الفني لأن القاعدة عموما لا تنشئ شعرا بل تنشئ مدرسة ودرسا لا يمكن أن يكون شعرا، ما حدث فعلا أن الشعر كان عليه أن يخلق ليس فقط طريقته الجديدة بل قارئه أيضا، كان عليه أن يملأ الفراغات أن يكون ثابتا في تجدده بينما العالم يتغير ويتبدل ويتطور، ما هو موضوع الشعر؟ هو موضوع الإنسان اليوم، مآسي الإنسان الجديد، اللازمان بل الشعور الزمني، الفكرة الكونية التي تطرح الأسئلة، وما يشبه المقاربات والتوازي مع صوت العالم الجديد.. وصداه ضد العنصريات والتعصبات والصوت الواحد المسيطر أو الصنم.

** أصدرت عدة مجموعات شعرية في أعوام متتالية؟ ألن تؤثر هذه الإصدارات على بعضها من حيث إعطاء كل تجربة حقها؟
** لا أدري ما المانع في أن يصدر الشاعر تجاربه الشعرية باستمرار، أصدرتها منفصلة عن بعضها لأنني أعتقد أن لكل منها حساسية وتجربة مختلفة، ثم من يقرر الزمن الذي يمكن فيه إعطاء التجربة حقها من القراءة؟ هناك دواوين تقرأ بشكل جيد في فترة وجيزة.

** وما هو الجديد في تماما كما كنت أظن؟
** هناك مساحة للتجريب وهناك اقتراب وافتضاض أكثر لعوالم معاشة، والمزيد من الأسئلة القلقة في داخلي، إنها تشبه بحث طويل عن كائني الشعري مثلا بكل تناقضه ومزيجه وحيواته.

** هناك منتقدون لقصيدتك وقصيدة النثر عموما ويصفونها بأنها لا تكترث للمعنى أحيانا أو أنها تفقد الوحدة الموضوعية أحيانا أخرى ويشبهك في هذا تجارب أخرى تكتب نفس النص بدون مبالاة لهذه المرتكزات، ما رأيك؟
** لا أعتقد أن قصيدة النثر اليوم تفتقد للوحدة العضوية لا شكلا ولا مضمونا على الأقل فيما قرأت من تجارب، وأتمنى فعلا أن نصل إلى رؤى تتعامل مع هذه الأصناف الشعرية كفنون مستقلة عن بعضها يمثل كل منها الشعر في جانب.
ربما نتجت هذه الآراء حول قصيدة النثر لأنها آراء قادمة من افتراض الخطابية والنبرة التعليمية والأخلاقية والمنفعية مثلا، كل ما كان يصدر بصدد قصيدة النثر فيما قرأت كان ضد الشعر وكان يصدر من تحيز عموما وتعصب لأشكال شعرية أخرى وإلا فهناك شعراء أيضا.

** ماذا تعني بالأشكال الفنية الأخرى؟ هل تعتقد أن القصيدة العمودية ولى زمنها؟
** القصيدة العمودية أو قصيدة القافية بقيت تمثل شكلا اقترحه الشعر، واحدة من أشكال الشعر، هي قصيدة موجودة لكن المشكلة في القصيدة العمودية برأيي ليست في أنها موجودة أو لا موجودة، المشكلة في أهلية ما يقدم وقوة تجاربه هنالك الكثير من التشابه ومن العادي وقلة من الشعراء في تلك القصيدة من استطاع أن يقنع الذائقة الجديدة ويسير معها أو يدهشها جنبا إلى جنب، وقصيدة النثر لم تأت كما يظن البعض من جراء ردة فعل على وجود التفعيلة أو القصيدة العمودية بل هي كانت رغبة الكثير من الشعراء في كتابة الشعر بطريقة مختلفة فقط.. لم تولد قصيدة النثر من ركامات أو أنقاض قصيدة أو شكل شعري آخر كما حدث للتفعيلة مع العمودي الموزون برأيي.

** هل هذا خروج مجرد عن المألوف في التراث الشعري العربي وترى ما علاقة النص الجديد بالتراث وكيف نعثر على تراثنا مخبوءا في النصوص الحديثة؟
** الشاعر ينبغي أن يكون مليئا بتراثه على نحو ما، تراثه الشعري الكبير لا يعني تقليده أو الوقوف إزاءه موقفا سلبيا وإنما الوعي بلحظته وما يمكن أن يستفاد منه، يمكن للشاعر أن يرفض شكلا ما أو قيمة معينه في ذلك التراث عموما لكن أن يبتره جملة وتفصيلا أعتقد أنه لا يبقى هنالك ما تقوم عليه تجربته وقتذاك، ولا تصوراته الفنية الجديدة، ينبغي على الشاعر أن يضيف إلى التراث وان يتجاوزه في آن واحد كما يعبر أدونيس، نقرأ معا أن أكثر الشعراء تمردا وجنونا وحداثة هم أكثرهم وعيا واستيعابا للتراث وارتباطا به.

** برأيك ما هي المناطق التي لم يصل إليها الشعر بعد؟ هل يمكن للشاعر أن يجترح أمكنة جديدة أم أن الشعر يعيش أزمة ما؟
** ينبغي كما أحب أن أقول دوما ألا يقف الشاعر عند أفق محدد ولا فضاءات تحاصره، الشعر ربما يعيش في أزمة لكن خلاصها في أيدي الشعراء أنفسهم في استيعاب التحولات الجذرية لكل ما هو حولنا، على الشاعر أن يسأل عن هذا البعد..عليه أن يؤمن بوجوده فقط وعلي أن أبقي هذا السؤال سؤالا فقط لأن أهميته تجعلني أتأمله وألمسه عن بعد.

** هل برأيك أن الزمن يعمل لصالح الشعر؟ أم أن هناك تراجعا لصالح صنوف أخرى من الأدب؟
** الشعر يعيش أزمة في عالمنا ربما سببها الشعراء أنفسهم الذين لم يستطيعوا أن يجعلوا الشعر مناخ قادر على التعبير عن زمننا وأسئلته وبقي منهم من يطرح الشعر كقوالب فنية أو بلاغية صرفة دون الدخول به في لغة حديثة بل بقي الشعر في كثير من تجاربه جامدا ومتمسكا بمقاييس فنية صارمة يحكمها وجود قانون للشعر لدى البعض، بينما فتحت الرواية والسينما والقصة في ابتكاراتها الجديدة آفاقا أوسع كان الشاعر جديرا بها أيضا. الأزمة أزمة شاعر لأن الكثير يستخف بمسألة التجريب المستمر بفتح أفق جديد دوما في قصائده.. ليست مشكلة الشعر مع قوانينه الموسيقيه فقط والتقليدية- فهناك من يكتبها بجدارة وحداثة- بل أيضا تكمن المشكلة في فهم الشاعر في أغلب التجارب إلى واقعه فهو يقترب إلى الدرس الشعري أكثر من الشعر، إلى القانون التقليدي أكثر من الأفق، ويميل إلى جعل القصيدة غلافا ووعاء بينما هي فضاء فقط.

** وكيف ترى تجربة المرأة السعودية في قصيدة النثر؟
** لا أحب أن أقول كلاما مكرورا عن تلك التجربة التي صارت الآن ثرية برغم تباينها وتفاوتها، لكن دوما أحبُ أن نبدأ في استيعاب الإبداع بعيدا عن جنسه ( ذكر - أنثى ) (رجل - امرأة )، وعلى المرأة المبدعة أن تنطلق الآن من ركامات الذات المنغلقة إلى داخلها إلى الذات التي تصبح مضيئة لما حولها، وأيضا إلى الأفاق الأوسع حيث لا يوجد مواضيع خاصة بالشاعر وأخرى خاصة بالشاعرة، هذا سيؤطر تجربة الشاعرة بعدد من الثيمات ومن المضامين التي ربما تصبح تكرارا وبعيدة عن الأفق الأكثر براحا. هذا التحليل لن يمنع من أن أقول أن تلك الخصوصية الآن في تجربة المرأة السعودية جلية وجميلة في بعض تجاربها حتى لو نقصتها جرأة الشعور الإنساني، في قصيدة النثر لدى المرأة السعودية ثمة خطوات تشير إلى تجربة حقيقية متطورة دائما ولكن المرحلة دوما التي يحتاجها الشعر مرحلة طويلة حتى يستوضح آفاقه ومداه البعيد.

** في الفترة الأخيرة لوحظ كتابتك عن الإبداع وعن الدواوين الشعرية أو حتى الرواية هل هو توجه للنقد؟ وهل تشترط شكلا معينا أو معيارا لهذه الكتابات؟
** لا، لا تخضع قراءاتي التي أكتبها بين فترة وأخرى لمعايير الشكل ولكني حينما أكتب عن تجربة أكتب لأنها تجربة إبداعية برأيي أنها تستحق القراءة، اهتمامي بالكتابة بالإبداع هو ضمن مشروعي الإبداعي، أحاول فقط أن أضيء النص أكثر أصادقه، وأسجل رؤيتي عنه وخصوصا تلك التجارب التي تتماس مع كتابتي الشعرية أو الإبداعية.