في هذا المساء الجميل كان حذائي الكسول يتثاءب فوق سرير الرصيف، حين توقفت خطواتي قرب نصبٍ للشاعر الاسترالي (أدريان راولينز)، شاعر العبث والتسكع والفضاءات، درويش الارصفة في شارع (برانزويك) في مدينة ملبورن الاسترالية.
كان إدريان يرسمخرائط الضياع على الارصفة ويغني أمام بوابات الحانات ويهذي بالشعر مدمدماً مع ظلهالراقص ، بموسيقى quot;الجاز والبلوزquot; وهو يبحث عن أسرار الغابات وأحلام الابورجنيز وسواحل الجزر الوحشية النائية.
كانت ليلة أدريان الآخيرة والتي أمضاها بين حواريه الصعاليك في حاناتquot;فتزرويquot; بعدما ودع ظله الذي عشق الليل والمدينة ووصايا البوهيميين كقمرٍ أدمن على quot;هروين الليلquot;،ليلتحق بحانة أخرى في الآقاصي البعيدة حيث كان أصدقاؤه الصعاليك بانتظاره وليلتحق معهم أيضاَ عراب الارصفة المتوّج بأخر أسمال الملك الآشوري جان دمو
غادر جان دمو ضفاف بغداد النازفة وبرح آخر حانةٍ في شارع أبو نؤاس مع قوافل الخيبات الاخيرة التي واكبت الحصار الاقتصادي والثقافي والانساني في العراق... متجهاً الى أرصفة عمان، وبعد أن ترك وجدانه في غرين ضفاف دجلة, ونقش بذاكرته على جمار نخلة غادرتها أعثاقها.
لطالما سخر جان دمو من السلطة والمرابد وبصق على موائد الفتات والتهافت الشعري في بغداد.
وبعد أن غادر ثكنات الرعب والمقاهي التي يترصدها المخبرون السريوّن في الشرق الاوسط... حطّ هذا المطارد الابديّ رحاله في جزيرة مسترخية عمدتها الغابات والسواحل تدعى باستراليا.
حينها بدأت رحلات دمو مع فراديس الخمر وأرصفة أكثر أماناً من أمكنة الشرق، وتسكع الشاعر بسلام في حدائق وفضاءات ملبورن وسدني دون رعب المفارز البوليسية والسيطرات العسكرية التي كانت تعترض خطواته.
تعاطىquot;دموquot; الارصفة التي تنام في أحضان القصائد وأدمن التسكع والترنح حتى أخر تراتيله التي أباحها فوق آخر أرصفة quot;مدينة سدنيquot;.
وذات ليلة حين شعر دمو بقساوة الاغتراب دثرّ عراب الارصفة والتسكع وجهه المتعب، بين أثداء الاسترالية الشقراء quot;لينداquot;،وحين خذله الشبق، نام كطفلٍ يحلم بانهارٍ الحليب وأراجيح الصباح، وحلم بأن ظل الله كان يستلقي بين المطر والحقيقة.
جان دمو وأدريان إبتعدا عن إثم الانجاب، حيث أوقفا جريمة التناسل، وكانت فكرة حضور الاطفال على هذهالارض تمثل لهم خطيئة قبيحة..حين يكون الاطفال هم ضحايا لرغبات جنسية مابين الرجلوالمرأة فأرادا أن يوقفوا هذا النزيف وهذا العذاب الوجودي بعدمإنجابهما لعذابات أخرى فوق هذه الارض، فأكتفا بمشاهدة ظلال أجسادهما وعذاباتهم الآبدية على أرصفة عارية وأحلام مؤجلة، عادة ما تكون أسمال دمو معبأة بزجاجات النبيذ والتبغ كدرويشٍ مدمن على تعاويذه وتهويماته، وكان يفترش العشب والمحطات ويدلق نبيذه الاحمر القاني كدم المسيح فوق طاولة عشائه الاخير، كان دمو يحمل روحه وجراحات الوطن المنفيّ بين اسماله وارتحالاته وترنحاته التي تحط كعصفورٍ متعب تمنح الرصيف والخطوات توازنها.
مات جان دمو وحيد اًو بعيداً ومنسياً مثل (أبي ذر الغفاري)، وقد تخلى الجميع عن إبداء معرفتهم بملامح الجثة وطمروا رؤوسهم في الرمل كالنعام تجنباً من أن يضطروا للمشاركة فيدفع مراسيم العزاء أو جباية دفن الموتى في إحدى مقابر سدني.
دفن الشاعر بشكل أفقي كموت الاشجار، وكأن هنالك لم يكن متسعاً في هذه الارض لامتداد جسد جان دمو النحيل... فكم انت جشعة وقبيحة ياأرض المقابر حين رفضت إستقبال جسد متعب أراد أن ياخذ قيلولة قبل ذهابه الى أرصفة الله الاخرى.
حتى في دفن الموتى كان هنالك تفاضل حين رفضت أرض المقبرة ان يستلقي بجسده أفقياً، مثلما تستلقي الجثث الاخرى فوق أسرتها الترابية فمات الشاعر صامتاً كالزجاج وبارداً كالظل وحزيناً كسرير يتيم.
ملبورن
يناير 2012









التعليقات