الدلالة اللغوية لكلمة quot;التعدديةquot; في اللغة العربية تشير إلى مصدر صناعي مأخوذ عن المصدر الأصلي تعدُُّد وفعله تعدَّد. ويقال تعدَّد يتعدَّدُ تعدُّدا، أي صار ذا عدد. وفي اللغة الانجليزية يشير اللفظ pluralism إلى أن هناك أكثر من مبدأ واحد، أي أن هناك ما هو أكثر من شيء واحد. وللإسم صفتان هما plural وpluralistic. ويطلق لفظ plurality أيضا على حالة كون الشيء متعددا. وعليه فإن المعنى اللغوي للمفهوم في اللغتين العربية والانجليزية يشير إلى وجود أكثر من شيء واحد عدديا.
ويشرح الدكتور جابر سيد عوض (الاستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة) مفهوم التعددية بشكل معمق، ويشير إلى خمسة أنماط في شرح المفهوم. فهو يعتقد، أولا، بأنه يعد مفهوما عاما قابلا للتطبيق على كافة المجتمعات والنظم المعاصرة باعتباره تعبيرا عن ظاهرة عامة وشائعة الانتشار. فكل الأنظمة التي يعرفها عالمنا المعاصر هي إلى حد كبير تعددية رغم تباين صورها واختلافها في بعض الأحيان اختلافا كليا عن بعضها البعض.
ثم يعتقد، ثانيا، أن التعددية مفهوم مطاط، ليس فقط لكونه تعبيرا عن ظاهرة عامة، بل أيضا لتباين تطبيقاته واستخدامه في كثير من الأحيان للإشارة إلى حالات وأوضاع متناقضة، الأمر الذي يصعب معه عزل المفهوم عن السياق التاريخي وطبيعة التطور المجتمعي في كل حالة على حدة.
وثالثا، هو مفهوم مركب بوصفه تعبيرا عن ظاهرة متعددة الأبعاد. فهناك التعددية الثقافية والتعددية الاجتماعية والتعددية السياسية.
ورابعا، هو مفهوم معقد بحكم كونه مركبا، وإن كان ليس كل تركيب يقود بالضرورة إلى التعقيد، إلا أن عملية التركيب في الظاهرة التعددية جعلت من المفهوم المعبّر عنها مفهوما معقدا، وذلك لارتباطه من ناحية بالعديد من المفاهيم الأخرى مثل الطائفية والعرقية والدولة القومية والديموقراطية..الخ، ولكون الأبعاد الثقافية والاجتماعية والسياسية التي يقوم عليها من ناحية أخرى تتضمن عناصر متشابكة ومتداخلة تتوقف بدورها على مجموعة كبيرة من العوامل والمتغيرات المتفاعلة سواء في ذلك الداخلية أو الخارجية.
وأخيرا فإن التعددية، حسب الدكتور عوض، مفهوم مراوغ بما يعنيه ذلك من إمكانية استخدامه، على سبيل المثال، للإشارة إلى التعددية السياسية كصيغة تهدف بالأساس إلى امتصاص السخط الشعبي، تماما مثلما يستخدم للتعبير عن التعددية السياسية بمعناها الشامل بكل ما ترمي إليه من الإقرار بحق كافة القوى في التعبير عن نفسها.
ويعتقد البعض أن التعددية تختلف فيما لو كانت مفهوما، عنها لو كانت مصطلحا. ويرى نفر في التعددية كمفهوم أنها ترادف التنوع والاختلاف. أما كمصطلح فيعتقد نفر آخر بأنها تمثل النظام السياسي الذي له خلفية فلسفية ترتبط بإدراك دور الدولة وطبيعة المواطنة بل وطبيعة الإنسان، ولها ملامح مؤسسية ثابتة مستقر عليها، وتقترن بتطور اقتصادي واجتماعي محدد ومناخ ثقافي يقوم على الفصل بين الدين والدولة، وتهدف إلى إدارة الصراع الاجتماعي. بمعنى أن التعددية كمصطلح تعبر عن أحد أشكال الممارسة الديموقراطية. وهذا التمييز بين المفهوم وبين المصطلح ndash; باعتقادي ndash; تمييز شجاع من شأنه أن يعطي ديناميكية للحياة العامة بحيث يفصل ما بين التنوع كأصل طبيعي وفطري في الحياة ولابد منه، وبين النظام أو الآلية التي يجب أن تدير هذا التنوع.
من جانب آخر يهدف البحث في الجانب النظري للتعددية، لدى آخرين، إلى الوقوف على الرؤى والتصورات المختلفة، تمهيدا للتعرف على الدروس المستفادة من الخبرات المتعددة، كمقدمة لصياغة منهجية للتغيير، والتعامل الفعال مع الظاهرة في واقعنا. لذا فإن متابعة الأدبيات المعاصرة التي تناولت مفهوم التعددية تكشف عن تباين واضح في الاتجاهات النظرية للمفهوم، ومن ثم تعدّد في التعريف، غير أن هذا التعدّد من شأنه أن يمثل ركيزة متنوعة للتعامل في الحياة العامة باعتبار أن حل مشاكل الحياة يجب أن يكون نتاج جهد بشري.
فهناك من يري، كـquot; روجيه لابوانتquot;، أن التعددية توجد حيثما يوجد تنوع أياً كان الشكل الذي يتخذه ndash; ديني أو عقائدي أو فلسفي أو طبقي أو حزبي... الخ ndash; يتمسك به الفرد أو الجماعة. وبهذه الصورة يتغير معنى التعددية بتغيّر الموضوع ذاته، ومن ثم تكون إيجابية مقبولة أو سلبية مرفوضة، وذلك بسبب اختلاف القيم أو الظروف الاجتماعية موضوع التنوّع أو التعدّد في كل حالة. فهي حين تتعلق باحترام المعتقدات الدينية أو الأخلاقية لا تضحى فقط مقبولة بل ويجب التأكيد عليها. غير أن النظرة تختلف حينما يتعلق الأمر بالنواحي الاجتماعية والاقتصادية.
وقد تتعلق التعددية، كما يرى quot;جان إيفز كاليفزquot;، بمجال القانون والدولة. فالدولة هي التي تسبغ الشرعية وتبررها أو ترفضها وتنحّيها جانبا بالنسبة لوضع تعدّدي معيّن من خلال التقنين باستخدام الأداة القانونية.
وهناك من يرى التعددية، كـquot;كرافورد يونغquot;، في علاقاتها بالدولة القومية ذات السيادة والنظام السياسي القائم فيها، والذي يحدد بصورة قاطعة حدود التفاعل، بغض النظر عن طبيعة هذا التفاعل، بين الجماعات المختلفة التي يتشكل منها المجتمع، والتي تتباين من حيث أصولها العرقية أو اللغوية أو الطائفية، ومن حيث أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية، ومفاهيمها السياسية.
وهناك التعريف الفلسفي للتعددية، كما يرى quot;دنليفي وأوليريquot;، الذي يستند أساسا إلى استحالة فهم الحقيقة عن طريق جوهر واحد أو مبدأ واحد. ومن ثم فإن التعددية هنا هي الاعتقاد السائد بأن هناك أو ينبغي أن يكون هناك تعدد في المعتقدات والمؤسسات والمجتمعات. أي انها على النقيض من الواحدية monism.
كما أن هناك من يرى أن التعددية، كـquot;فيرنيفالquot;، تعني تواجد عدد من الجماعات المتمايزة ثقافيا والتي تعيش في إطار مجتمع واحد ولكن لا يجمع بينها سوى عمليات التبادل الاقتصادي في السوق.
والتعددية عند quot;سميثquot; تعني غياب الترابط النظامي والمؤسسي بين الجماعات المكونة لمجتمع واحد. أي انها تتضمن إطارا اجتماعيا يتسم بتمايزات وانقسامات جوهرية وتركيبة ثقافية تقوم على التعدد والتنوع المؤسسي. لكن التباينات الثقافية لا تكفي وحدها للقول بوجود التعددية، بل لابد من وجود اختلافات بين الجماعات الثقافية فيما يتعلق بالتعليم والدين ونظم الملكية والنواحي الاقتصادية ووسائل الترويح والترفيه وما شابه. بل لابد وأن يكون هناك أيضا تعارض يحول دون وحدة المجتمع وتماسكه إلا من خلال الإكراه والقسر الذي تمارسه الجماعة الثقافية الأقوى في المجتمع.

كاتب كويتي
[email protected]