قبل ثلاثة أسابيع، في 07/8/2008 وصلتني بالبريد الإليكتروني رسالة من كامل شياع هذا نصها:
عزيزي أبا نورس
تحية طيبة
أكتب لك متطلعا إلى مساهمتك في ملف العدد القادم من مجلة الثقافة الجديدة (الدعوة وورقة الملف مرفقتان). اعتقد أن في الموضوع ما يثير اهتمامك ويستدعي رأيك.
ودمت بأوقات هانئة بعيدا عن صيف بغداد اللاهب وغبارها الهائج وفوضى زمنها المضطرب.
انتظر جوابك، وحتى نلتقي
مع المودة
كامل
وفي اللحظة ذاتها كتبت له هذا الرد:
العزيز الكامل (هكذا كنت أحب أن أناديه)
أوقاتي ليست هنية أبدا، لكن عدم امتلاكي لشجاعتك هو الذي يحيل بيني وبين صيف بغداد اللاهب، وغبارها السياسي الهائج، وفوضى زمنها الإسلاموي المضطرب، وزمننا الذي يفترض انه أكثر ثباتا. قلت، أيها الكامل quot;شجاعتكquot;، لأني أحسدك حقا وأنت تنقل، هادئا ومطمئنا (هكذا يبدو الأمر لي) خطواتك بين حرير الديمقراطية التي، لا شك عندي، أنك تؤمن بها، وبين شوك الإسلاموية....
....
أقدر فيك صبرك أيها الحلاجي، وها أنا أنثر وردة حمراء على جسدك الذي أخشى أن تتخاطفه، ليس صيف بغداد اللاهب ولا غبارها الهائج ولا فوضى زمانها المضطرب، فهذه أمور خلقت مع بغداد ولا تزول إلا إذا زالت بغداد، وإنما السيوف المشرعة....
مرة أخرى، أحسدك على شجاعتك وأتمنى لو امتلكتها.
حسين
بعد يومين استلمت رده التالي:
عزيزي أبا نورس
أصر على الأمنية بأن تتمتع حقا بأوقاتك بعيدا عن quot;خبصةquot; الزمن العراقي. لا أعلم إن كنت شجاعا حين اخترت العودة إلى بغداد قبل خمس سنوات.... لا أصدق أنا نفسي مرور كل هذه السنوات وأنا في هذا المختبر القاسي الذي فرض علي مرة أن أكون متفائلا، ومرة أن أكون يائسا، وثالثة قدريا، ورابعة مازوخيا، وخامسا لا أدريا. لا أعرف أين أنا ولماذا.
منذ عدة شهور اهتديت إلى العبارة القرآنية (نسيت السورة الآن) التي تقول ألم أقل لك أنك لن تستطيع معي صبرا. وبالفعل فالعيش هنا مطلوب مع قدر من الوعي الخافت والروح المختزلة. أتكلم عن نفسي بالطبع، لأنني صرت أدرك أن التاريخ، وتاريخ العراق تحديدا، يستغرق وقتا طويلا، وأن معنى المفاهيم لا يتحقق إلا بعد نهاية جولات التناقض والصراع، وأن المسألة في شكلها الملموس ذات قيمة وجودية (أي تخص الفرد) رغم أن لها أبعادا اجتماعية وسياسية وثقافية ومصلحية تتيح للساعي نحوها تحقيق مراده.. وهكذا، (فهناك من يعيشون) على المستوى السطحي لهذه الأبعاد... ويجسدون ما نعرفه عن مبدأ الواقع المأزوم وهيمنة الوعي اليومي ويمارسون السلطة كربح مادي وشرعي ووجاهة ولا شيء بعد هذا ولا قلق ولا هم.
شكرا لأنك حفزت في هذه الاستجابة السريعة التي آمل أن أواصلها معك في رسالة قادمة.
أعانقك... مع المودة
كامل
ما كنت أعلم، وأنا أبعث له رسالتي المشؤومة، أن السيوف المشرعة ستتخاطفه بهذه السرعة. فالرجل، بجسده النحيل، وثغره الباسم، وسماحته التي يعرفها الجميع، ويديه اللتين لا تقويان على حمل رصاصة وليس كلاشكنكوف، لا يخيف أحدا. وأنا على يقين أن كامل شياع، بنزاهته التي لا تضاهى، وزهده بالمناصب حد التصوف، وترفعه عن الخوض في صغائر الأمور، وقناعته بكفاف العيش، لا يجد من يحسده أو يكن له ضغينة شخصية أو يتربص به الدوائر.
لماذا قتلوه، إذن؟
الذين أجهزوا عليه لم يروموا كامل quot;الفردquot;، لأنهم لو أرادوا ذلك كان يكفيهم أن يخلعوا عنه نظاراته الطبية، فلم يعد يرى شيئا، ولسددوا له بعد ذلك لكمة واحدة تكفي أن ترديه قتيلا، وما احتاجوا إلى مسدسات كاتمة للصوت، قد يرتبكون ويطلقونها في لحظة تتواجد فيها قوات للشرطة، فيتم اعتقالهم، ويفتضح أمرهم.
الذين أردوا كامل قتيلا إنما أرادوا الإجهاز على أفكاره ورؤاه ومشاريعه وطموحاته. وفعلتهم هذه لا تنم عن صبيانية أو quot;زعرنةquot;، إنما تنم عن ذكاء حاد ومعرفة عميقة ودقيقة بظروف وبأحوال العراق. كانوا يدركون جيدا، ويعرفون حق المعرفة، أنهم سيدمرون (داينمو) ثقافي ضخم، ساهم مع عراقيين كثيرين في إضاءة سماء الثقافة الديمقراطية في العراق، ونجح في إيقاد مصابيح ثقافية واعدة.
كامل شياع كان يعمل بصمت وبتواضع وبدون جلبة، لكنه كان يؤسس لما هو استراتيجي وبعيد المدى، وليس لمكاسب اللحظة العابرة. كان يضع اللبنة الواحدة بروية وبصبر، وبوعي ثاقب، ثم لا يضع فوقها لبنة جديدة إلا بعد أن يضع بين الاثنتين مادة quot;إسمنتيةquot; تزيد من تماسكهما. كان يعمل للمستقبل.
ورغم انه عاد إلى بغداد quot;غريباquot; عن الوسط الثقافي، بسبب غربته في أوربا، لكنه أستطاع، خلال السنوات الخمس الماضيات، أن ينسج حوله علاقات وصداقات ثقافية متعددة ومتشابكة. وساعدته في نجاح مهمته، خصاله وسجاياه الشخصية، وثقافته الموسوعية، التي وفرت له منزلة، خلال فترة زمنية قصيرة، نسبيا، مكانة رفيعة في الوسط الثقافي والإعلامي. وحتى نتأكد مما نقول علينا أن نطيل النظر في حجم ونوعية ردود الأفعال التي أثارها مصرعه. الضجة الواسعة التي خلقها موت كامل شياع لم تحدث لأنه كان موظفا quot; بارزاquot; في الدولة، فهو ليس سوى موظف بسيط، ربما أقل من مدير عام، وإنما حدثت لأن كامل (مثقف) بارز.
الذين قتلوا كامل شياع كانوا يدركون جيدا أن هذا المثقف ليس (كمبيوتر) متجول، ممتلئ بالمعلومات والمعارف، وجاهز للاستخدام من قبل أي جهة تدفع مالا، ليحصل على عيش رغيد. والحق، كان بمقدور كامل شياع أن يفتتح له (دكان استراتيجي) في أي عاصمة عربية أو غربية، يبيع فيه بضاعته، أو يؤسس جمعية تعني بتوثيق العلاقات بين العراق والمريخ، فيحصل على quot;هباتquot; من جهات عراقية وأجنبية، ويكون واحدا من (النجوم). لكنه لم يفعل لأنه ليس سوى (درويش)، في لغة أصحاب الدكاكين الثقافية العارفين بأحوال السوق وتقلباته. لكن (دروشة) كامل شياع ما كانت غبية ولا خنوعة، وإنما واعية، مقدامة واقتحامية، وغير قابلة للاحتواء. لقد عمل كامل مع أربعة وزراء للثقافة، كل واحد منهم له موقفه السياسي وله أيديولوجيته، ولم يتصادم مع أحد منهم، ليس لخنوع عنده، ولا لانتهازية في طبعه، ولا تثبيتا لمركز وظيفي، وإنما لأنه كان يريد أن يجعل من موقعه الوظيفي في وزارة الثقافة، وسيلة لخدمة الثقافة العراقية الديمقراطية، أما الوزراء فهو يعرف أنهم يأتون ويرحلون.
يبدو لي أن كامل شياع قرأ واستوعب جيدا كتاب الفرنسي جوليان بندا (خيانة المثقفين LA TRAHISON DES CLERCS ) فقرر أن لا يرتكب هذه الخيانة، مهما كلفه الأمر.
الجهة الوحيدة التي quot;أجرquot; لها كامل شياع قلمه هو، ضميره. كان يكتب بوحي هذا الضمير، وينشط ثقافيا مهتديا ببوصلته. كان يتهلل فرحا وهو يتحدث عن هولاء الفتيات والفتيان العراقيين الذين كان يشهد تفتح براعمهم في الأدب والإعلام والفنون، وكأنه يتحدث عن أبنائه، أو أولاءك الذين لم تكسر شوكتهم مسدسات صدام حسين، الصامتة والناطقة.
كان، كلما التقينا، يتحدث بغبطة تصل حد الهوس، عن الشابة الفلانية التي تضع خطواتها الأولى في عالم الصحافة، وكيف أنها تحرر صفحة المرأة في الصحيفة العلانية داخل منزلها وتأتي بها إلى الصحيفة وسط ظلام بغداد، وعلى وقع التفجيرات ومشهد الجثث المرماة في الشوارع، أو عن ذاك الإعلامي الذي ترك أوربا وبعثر ما جناه هناك من عرق جبينه، لكي يؤسس إذاعة محلية في بغداد مع أفراد عائلته، أو عن هذا الأكاديمي الذي ابتلع جل ما كتب في علم الاجتماع وهو لما يزل دون الثلاثين، أو عن ذاك الشاعر الذي لم يتردد لحظة واحدة من إيصال مبلغ من المال، كلف بإيصاله، لزميل له يسكن quot;المناطق الملتهبةquot;، ليعينه على السفر خارج العراق للعلاج بعد أن أصيبت عينه بهجوم إرهابي مدبر.
كان كامل شياع كثير الثقة بالمثقفين العراقيين، ودائما ما كان يؤكد أن صدام حسين لم ينجح في إركاع الثقافة العراقية الديمقراطية رغم كل quot;هداياه ومنحهquot; ورغم quot;جزرته وعصاهquot;. اللازمة التي كان كامل يرددها، هي quot;الثقافة العراقية بخيرquot;، قبل أن يستدرك وابتسامته العذبة تسبقه: quot;لكن، يا أخي الأمور يحتاج إلها شغل.quot;
ولأن كامل شياع كان quot;يشتغلquot;، وكان يشجع الآخرين أن quot;يشتغلواquot; مثله، لبناء عراق ديمقراطي، تعددي، منفتح، متسامح، خال من كل أنواع التطرف والتعصب والتخندق، فأنهم قتلوه.
الآن، لم يعد كامل معنا، بعد أن حمل روحه على راحته وألقى بها في مهاوي الردى العراقية. لقد ذاق الموت كما سنذوقه نحن الأحياء، غدا أو بعد غد، أو بعد ساعة. فكل نفس ذائقة الموت. ولم نعرف الجهة التي تقف وراء مصرعه، وقد لا نعرفها أبدا. لكن السؤال التقليدي الخالد سيظل يكرر نفسه: هل تموت أفكار الإنسان، أي أفكار، وأي إنسان، وفي أي مكان وزمان، والمثقف على وجه التخصيص، بموته؟
هل ماتت أفكار فلان وفلان وفلان بموتهم؟
ليس غير الزمن من يتكفل بالإجابة على هذا السؤال. والزمن قال بما فيه الكفاية، قال حتى تعب: الأفكار التي لا نفع لها تذهب جفاء، إما تلك التي تنفع الناس فهي وحدها التي تمكث في الأرض. وإذا وجدت تلك الأفكار (الماكثة) في الأرض، من يسقيها فأنها لا بد أن تزهر.