يومان من حق المحتفلين بالبطولات والتضحيات العربية أن يضيفوهما للأعياد العربية، ويتم تعطيل المدارس والجامعات وكافة دوائر العمل احتفالا بهما، وهما يوم الرابع عشر من ديسمبر حيث قذف المواطن العراقي منتظر الزيدي الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بالحذاء، في هذا اليوم من عام 2008، أثناء مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. أما اليوم الثاني الواجب الاحتفال به وتعطيل العمل فيه، فهو الخامس عشر من سبتمبر حيث تم في هذا اليوم من عام 2009 الإفراج عن (البطل المناضل المقدام المغوار الشهم العنيد العتيد منتظر الزيدي صاحب أول براءة اختراع في التاريخ العربي الحديث للنضال والتحرير والمقاومة عبر أخطر سلاح عربي وهو الحذاء، السلاح الوحيد المتوفر بكثافة). ذلك الحدث النضالي غير المسبوق والإفراج عن مخترعه يستوجب بعض الملاحظات ويطرح بعض الأسئلة، وذلك من باب الحرص على اعطاء هذا الحدث حقه التاريخي الموثق المكتوب كي لا يضيع وسط ألاف حقوق المواطن العربي الضائعة على يد أنظمته المستبدة اللاديمقراطية.


أولا: هل كان يجرؤ هذا البطل على فعلته في زمن صدام؟
إذا كانت لغة الحذاء هي وسيلة من وسائل التعبير لدى هذا البطل المغوار وكل من صفقوا له، فهل يستطيعوا الإجابة على سؤال: هل كان يجرؤ أي واحد منهم على استعمال لغة الحذاء هذه أو لغة الكلمة الناقدة المعترضة في وجه أي شرطي او مخبر من أزلام صدام حسين الذي ارتكب بحق الشعب العراقي، سنّة وشيعة عربا وأكرادا، من الجرائم الوحشية التي يصعب توثيقها و وصفها، وقد تحدث عنها بعثيون عملوا مع صدام وفي خدمته؟. والسؤال نفسه موجه لكل الذين صفقوا لهذا البطل المغوار في كافة العواصم العربية: هل يجرؤ واحد منكم على استعمال الحذاء في وجه أي شرطي أو مخبر أو حاكم من العرب العاربة أو المستعربة، التي يضيع في أغلب عواصمها ألاف المواطنين لأنهم كتبوا أو قالوا نقدا للرئيس أو واحد من مفسديه في البلاد والعباد؟. فما هو مصير المواطن الذي يتجرأ على رفع حذائه في وجه ذلك الرئيس أو واحد من حراسه؟. أعتقد أنه لا يخالفني قارىء واحد أنه سوف تطلق عليه في نفس اللحظه زخات من الرصاص التي ستقطع أشلاءه من الرأس إلى القدم، هذا بالإضافة إلى جلب أهله وعائلته وأقاربه واصدقائه ليلاقوا نفس المصير الدموي، وقصص ألاف من الأبرياء في السجون العربية شاهد على ما نقول، ولا ينكرها إلا واحد من مرتكبي هذه الجرائم أو المخططين لها والآمرين بتنفيذها.


إذن لماذا تجرأ الزيدي على فعلته الحذائية هذه؟
أعتقد جازما أنه كان متأكدا هو ومن خططوا له العملية الحذائية هذه وحرّضوه عليها، أنّ هذا الحذاء في مواجهة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش رغم وجود رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، لن يسبب له قتلا أو موتا أو سحلا على الطريقة العربية المتعارف عليها، بسبب وجود الرئيس الأمريكي فقط لأنه يؤمن أن هذا الفعل رغم حقارته لا يستوجب الموت والسحل في الديمقراطية الأمريكية، وهذا السبب هو الذي شجع المالكي وحكومته على إطلاق سراح البطل المغوار بعد مرور شهور على سجنه، وقبل انتهاء ثلث محكوميته التي قررها القضاء العراقي. و سؤال منطقي آخر: هل يستطيع البطل المقدام أو أي واحد من المصفقين له أن يقوم بفعلته الحذائية هذه في وجه المالكي أو اي مسؤول من حكومته، وهم قد ارتكبوا من الجرائم والفساد بحق الشعب العراقي مئات أضعاف ما ارتكبت قوات التحالف الدولي؟. أو في وجه أي مسؤول عربي في أية عاصمة عربية دون أن يكون مصيره القتل الفوري برصاص الحراس والمرافقين وربما جمهور الحضور الذين تلقوا ألاف الضربات والخسائر من ذلك المسؤول؟.
وإن لم يقتل هل كان سيكون عقابه أقل من السجن عشرين عاما، سيتلقى خلالها عشرات أنواع التعذيب المعروفة في السجون العربية من المحيط (الهادر) إلى الخليج (الثائر)؟. بينما هذا الزيدي البطل العروبي، مستعيد أمجاد الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة، تم الإفراج عنه بعد تسعة شهور فقط من سجنه، وتم نقله بطائرة خاصة إلى عاصمة الممانعة العربية (دمشق) ومن بعدها إلى اليونان للعلاج والراحة والاستجمام، على نفقة رجل الأعمال العراقي مالك قناة البغدادية التي تبث من القاهرة، مما يثبت أن الزيدي كان مجرد المنفذ لخطة وضعت مسبقا. و يقول بعض أفراد عائلته أن سفره خارج العراق خوف من القتل والاغتيال من قوى سياسية أو أفراد رافضين لفعلته الحقيرة، أو من عشيرة (المالكي) لأنه ألقى الحذاء على الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش وعلى وجه ابن العشيرة (نوري المالكي) رئيس الوزراء العراقي، وهذا عمل حقير مدان في العرف العشائري العراقي، يستحق فاعله الملاحقة والثأر والانتقام من تلك العشيرة، كما يقول الكاتب العراقي (تقي جاسم الدين): quot; يعتبر ذلك انتهاك للقبيلة التي تستضيف ذلك الضيف quot;. ورغم ذلك قفز نوري المالكي على ذلك العرف العشائري العراقي، ووافق على إطلاق سراح البطل المغوار منتظر الزيدي، والكل يعلم أنه كان بإمكانه إبقاءه في السجن لعشرات السنوات حيث أن القضاء في غالبية الأقطار العربية رهن إشارة الحاكم ورغباته، وهذا أيضا مما يسجل للديمقراطية الأمريكية التي يعمل المالكي في ظل قواتها، لأن حادثة الحذاء الزيدي لو كانت في مواجهة رئيس عربي لتم الحكم عليه بالمؤبد على الأقل لإرضاء ذلك الحاكم، إن لم يكن قد تم قتله بالرصاص الفوري على يد حراس ذلك الرئيس.


ثانيا: طرق الاحتفال العربي بهذا الحذاء
الطرق التي احتفل بها بعض العرب بصاحب الحذاء بعد خروجه من السجن، تدلل أيضا على تغلغل وعراقة ثقافة الحذاء وعلى حساب إنسانية بعض مواطنيهم. فأكثر من مواطن من أكثر من قطر عربي، عرض على صاحب الحذاء أن يرسل أو (يشحن) له ابنته كي يتزوجها، وواحد من هؤلاء المواطنين العرب فلسطيني من مدينة نابلس. والسؤال الإنساني في هذا السياق هو: هل سأل هولاء المتبرعون بناتهم إن كنّ يقبلن الشحن لإمتاع صاحب الحذاء؟ وهل فكّروا بماذا سيتعامل صاحب الحذاء مع بناتهم إن حصل خلاف بينهم؟ هل سيستعمل اليد أم اللسان أم الحذاء الذي أصبح براءة اختراع عربية مسجلة بإسمه، ومن الطبيعي أن يحرص على استخدامه وتطوير طرق وميادين ذلك الاستخدام. وتحديدا بالنسبة للفلسطيني من نابلس: لماذا لم يفكر في عرض ابنته على أسير فلسطيني بعد خروجه من سجون الاحتلال؟ وغير عروض البنات هناك من عرض على صاحب الحذاء أن يشتري له منزلا، وبالفعل منحه صاحب قناة البغدادية العراقي عون الخشلوك شقة فاخرة في العاصمة بغداد، وهناك من عرض عليه هدايا ذهبية وفضية. وفي ميدان الهدايا والعطايا سوف يتاجر منتظر الزيدي بحادثة حذائه تماما كما تاجر والد الطفل الفلسطيني quot; محمد الدرة quot; بحادثة قتل طفله برصاص جيش الاحتلال، وطاف أكثر من عاصمة عربية وجمع مئات ألاف الدولارات متاجرة بدم ذلك الطفل البريء.


عروض مزايدة عربية للوجاهة فقط

عروض ملايين الدولارات على صاحب الحذاء من أثرياء عرب، تدلل على ركض العربي وراء الجاه والشهرة حتى ولو على (خازوق الحذاء)، لأنهم لو كانوا يفكرون في المصلحة العامة والمستقبل لوجدوا عشرات المجالات النفعية العامة لانفاق ملايينهم هذه. هل فكروا في توزيع أجهزة كومبيوتر مثلا على طلاب فقراء في العديد من العواصم العربية عاجزين عن اقتناء هذا الجهاز، الذي استخدامه أو عدمه هو مقياس الأمية في أمريكا واليابان وأوربا منذ أكثر من ثلاثين عاما.

ورغم ذلك هناك من يرفض الحذاء وصاحبه،
فالعديد من الكتاب العراقيين والعرب هاجموا فعلة الحذاء وصاحبه، واعتبروها عملا همجيا لا أخلاقيا أيا كان الشخص الموجه له الحذاء، وهذا دليل واضح على أن هناك ما زال عقلانيون عرب، لا يحكمون العاطفة جريا وراء مشاعر الغوغائيين الذين تتحكم الأمية في ستين بالمائة منهم، وبالتالي ف (كندرة الملايين) القذرة علامة من علامات التخلف، وتعويض عن العجز والهوان العربي الذي من مظاهره إدعاء كل ما لا نستطيع فعله. ومن المهم التذكير بمضمون الفكرة التي قالها فضيلة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي في خطبة الجمعة في أحد مساجد الدوحة العاصمة القطرية عقب حادثة الحذاء، إذ قال ما معناه: لقد أصبحت قنابلنا أحذية وأحذيتهم قنابل فوق رؤوسنا!!.ويكفي أن الطالبة الجامعية العراقية سماح يوسف محمد 21 عاما، ترى quot; أن مافعله الزيدي يعتبر مخزيا بكل معايير الأدب والأخلاقيات، كما أن رفع الحذاء بوجه الضيف هو الأسوأ في تقاليدنا التي تنص على معاقبة من يفعل ذلك ....لو قام الزيدي بفعلته ابان النظام السابق، لما فكر أحد بالافراج عنه، لكن الأوضاع الجديدة وأجواء الحرية في البلد أتاحت له ذلك quot;. وغير هذه الطالبة عبّر العديد من المواطنين العراقيين عن رفضهم لأسلوب الحذاء هذا مما يدّل أن أسلوب وثقافة (الكندرة) ليس أسلوب كل العراقيين.

وبطل الحذاء غير المسبوق بفعلته،
صدر عنه ما يدلل على أنّ هناك من خطط له فعلته الحقيرة هذه ودفعه لها، فوافق ركضا وراء الشهرة، بدليل تصريحه عقب الإفراج عنه quot; إذا كنت أسأت بغير قصد للصحافة فإني أعتذر quot;، فغير القصد هذا دليل على أنه كان (عبد المأمور) كما يقولون في الشارع المصري، وقد أكدّ الخبير القضائي العراقي طارق حرب أن بطل الحذاء قد بعث برسالة اعتذار لرئيس الوزراء المالكي عما قام به، وربما كانت هذه الرسالة سببا في تخفيض مدة محكوميته ثم الإفراج عنه.
لذلك فإن الترويج لبطولة الحذاء وثقافة الكندرة إهانة للشخصية العربية خاصة عندما تهلل الملايين لهذه الكندرة، ويدفع بعض الأثرياء العرب ملايين الدولارات لشرائها، لذلك فإن:
كندرة الملايين
لا تعبر إلا عن فكر المجانين
ولا يسوق لصاحبها إلا الأفاقين
و لا يعتز بها إلا المعقدين
[email protected]