يأتي قرار الحكومة الجزائرية بإلغاء ديونها على العراق، ملبيا لمتطلبات التعاون الأخوي وما تقتضيه المصالح المشتركة لبلدين قامت بينهما علاقات متميزة رسخها نهج زعيم العراق الراحل عبد الكريم قاسم الذي جعل الجزائر في ضمير كل العراقيين، بعد نجاح ثورة تموز - يوليو في العام 1958. وكان وزير الخارجية الجزائري مراد مدلسي قد اشار في رسالته إلى نظيره العراقي هوشيار زيباري، الى ان قرار شطب الديون (150 مليون دولار)، الذي صدر في السادس والعشرين من حزيران- يونيو الماضي، كان بدافعquot; المساهمة بتنمية الاقتصاد العراقي، وتوطيد علاقات الأخوة والتضامن التي تربط البلدين والشعبينquot;. وبالنظر لتوقيت هذه المبادرة الطيبة، وسط صعوبات جدية يمر بها العراق بسبب الاحتراب بين الكتل السياسية الحاكمة، ووضع البلاد على طاولة المزاد في سوق الصراع الايراني ndash; الأميركي، ولما هو معروف من تشدد الكويت بشأن استحصال ديونها أو تعويضاتها، وما أفصحت عنه ايران مؤخراً من قرب تحريك ملفها بشأن تعويضات الحرب الباهضة، لكل ذلك أقول إن الخطوة الجزائرية جديرة باالتقدير العالي.
إن عمق الرابطة التاريخية بين البلدين تجليها أقوال الشهيد قاسم، الذي اغتالته عصابات البعث بع انقلاب العام 1963، ففي آذار ndash; مارس من السنة التالية للثورة، خطب قائلاً : quot;.. لقد فاتحنا إخواننا العرب وقلنا لهم إن فرنسا الباغية اعتدت على حقوقنا، وأعني بها حقوق الجزائر، فحقهم هو حقنا، اعتدت عليهم وشردتهم وما زالت تكافحهم، وما زالوا في حالة حرب معها. فما بالكم ايها الاخوة لا تقطعون العلاقات السياسية والاقتصادية معها ؟ وهذه هي السبيل الوحيد لإضعافها واعطائها درسا بعدم استمرارها على العدوان على شعب الجزائر؟ quot; ( عبد الكاظم العبودي ndash; الحوار المتمدن، 21-07- 2009 ). ويشير الباحث العبودي الى ان قرار العراق بمقاطعة فرنسا قوبل بحملة إعلامية شرسة، وبخاصة في الصحف المصرية، ما حدا بالزعيم قاسم الى الرد عليها شخصياً، مؤكداً على مواصلة دعم العراق للجزائر بالسلاح والمال، وفتح أبواب جامعات البلاد ومعاهدها، المدنية والعسكرية، لاستقبال الطلبة الجزائريين، واستمرار قطع العلاقات مع فرنسا حتى تحرير الجزائر، وكان صادقا منجزا لما يقول، فقد أصدر مجلس الوزراء قراراً بإعادة العلاقات الدبلوماسية معها في العاشر من كانون الأول ndash; ديسمبر من العام 1962 أي بعد خمسة أشهر من الاعلان رسمياً عن استقلال الجزائر. ولم تأبه حكومة العراق آنذاك بحساسية موقفها مع فرنسا واهمية الاعتراف الفرنسي بالنظام الجمهوري، وحجم الضغوط الغربية ضد التحول في العراق الذي أعقب الخروج من دائرة حلف بغداد. وكان العراق أول بلد في العالم يعترف بالحكومة الجزائرية المؤقتة قبل الاستقلال. وفي اوائل عهد انتصار ثورة تموز، صرح وزير خارجية العراق آنذاك، عبد الجبار الجومرد بأن:
quot; الجمهورية العراقية، شعبا وحكومة، تتعاطف مع قضية الجزائر المجاهدة، تعاطفها مع أعز أمانيها القومية، وتعمل مع العاملين لدعم هذه الحركة المقدسة في سبيل استقلال هذا البلد العربي المسلم. ولن تتوانى قطعا عن تقديم العون المادي والأدبي لدعم حق الجزائر المشروع quot;. ولم يكن الجهد الرسمي وحده معبرا عن التضامن مع الجزائر، بل رفدته جهات ثقافية وأدبية وطبية (الهلال الأحمر)، وجموع من المتعلمين، الى جانب جمهرة المتعاطفين من بسطاء الناس، فقد نظم اتحاد الأدباء العراقيين برئاسة الشاعرالراحل محمد مهدي الجواهري، اسبوعاً لنصرة الجزائر في التاسع عشر من أيلول ndash; سبتمبر العام 1960، داعيا الشعب العراقي الى دعم المجاهدين الجزائريين بالمال والسلاح والتطوع في صفوفهم. وقد ثمن قدامى الثوار في الجزائر كل ما اتخذه العراق من خطوات داعمة، وينقل عن المرحوم كريم بلقاسم نائب رئيس وزراء الحكومة الجزائرية المؤقتة بقوله: quot; اننا لنذكر بفخر واعتزاز مساندة الجمهورية العراقية، حكومة وشعباً لنا، ومساعدتها من الناحيتين المادية والمعنوية .. ان مساعدات الجمهورية العراقية ملموسة وبصورة مستمرة ولم تنقطع عنا quot;. كما عبر مدير ديوان الحكومة المؤقتة إبراهيم زهوري، أثناء زيارته لبغداد، برفقة بلقاسم في العام 1960، عن تقديره لمواقف العراق، مخاطبا الشعب العراقي، في كلمة باسم الوفد الزائر بقوله:
(...quot; أعلن على الملأ في مشارق الأرض ومغاربها تحقيق كل طلباتنا بدون تردد في جميع الميادين، وتأييد وجهات نظرنا، بعد ان درسنا شتى المشاكل مع الرئيس عبد الكريم قاسم وحكومته. ... وشعب الجزائر المجاهد سيحفظ لهذا البلد الكريم، العظيم، بيض أياديه، معتقدا ان المعركة التي يخوضها هو هناك في وطنكم العربي من أرض الجزائر، هي معركتكم..quot; ( المعلومات التاريخية مستقاة من المصدر السابق).
وبالمقارنة بين الموقف العراقي والمصري من الجزائر، نجد العراق بشخص رئيس وزرائه عبد الكريم قاسم، كان سباقا الى احترام استقلالها ، والتجرد في مساندتها عن أية نزعة للاحتواء أو تسويق زعامة ثورية، على الضد من عبد الناصر الذي وظف دعمه الإعلامي لثورتها من أجل تكريس صورته كقائد للأمة العربية، وسعى حثيثاً الى ضم الدولة الجزائرية الفتية الى منظومته الوحدوية المرتجلة في إطار ما عرف في الستينيات باتفاقية quot; الوحدة الثلاثية quot; بين العراق وسورية ومصر، ولكن في ظل زعامته الطاغية، ومن ثم صدّر للجزائر متاعبه مع الإخوان المسلمين، بإرسال أعداد كبيرة منهم ليعملوا كمدرسين، وهؤلاء حملوا معهم سخطهم ورؤيتهم حول quot;جاهلية القرن العشرينquot; وفكرة إعادة الخلافة العثمانية، وتولى بعضهم نشر بذور التطرف، التي أثمرت فيما بعد جيلا من المتشددين.
وكان للجزائر مأثرة أخرى في نهاية السبعينيات، حين فتحت أبوابها لجموع الكفاءات العراقية الهاربة من جحيم نظام صدام حسين،
وأجواء الملاحقات الأمنية، حينذاك شهدت جامعات المدن الجزائرية ومعاهدها تنوع الخبرات العراقية ومدى إخلاص العاملات والعاملين في شتى المجالات، وتقديم أفضل ما لديهم من أجل بلاد أحبوها وتعلموا منذ صغرهم كيف يمجدوا كفاحها ويرددوا أناشيد ثورتها، مع أهازيج ثورتهم، وعلى الرغم من ضغوط الحكومة العراقية آنذاك لاستعادة المعارضين أو فسخ عقودهم، فقد واصلت الإدارات الجزائرية التعاون معهم وتجديد تعاقداتهم.
موقف آخر يسجل للجزائر أثناء الحرب بين العراق وايران، فهي لم تساير موجة الداعمين لصدام حسين، والصادحين بمقولات من قبيلquot; الفرس المجوسquot; وquot;حارس البوابة الشرقيةquot;، ولم تتاجر بدماء المسلمين، ونأت بسياستها عن حرب أرادتها أميركا، انتقاما لهيبتها، ونفذها حاكم العراق وكالة وبكل إخلاص.
هذا فقط شيئ من التاريخ، أما عن الديون فالحديث عنها يثير الشجون، فكلما أستعيد فكرة إن العراق جزء من الأمة العربية، كما يقال، أجد ان العروبة لا تعني في الواقع المعاش غير اللغة والتاريخ المصنوع من تراتب الحكام عبر القرون، فالشعوب العربية كما خبرنا لا دور لها في القرارات السياسية، وإن كانت تتوق الى التواصل فيما بينها، تلك العروبة القريبة إقليميا، لم تصمد أمام بعد الصين وهول التضاريس بين سورها العظيم وامتداد بلاد الرافدين، ففي نوفمبر من العام 2009 أبلغ العراق عن تنازل الصين عن ثمانين بالمئة من قيمة ديونها عليه، البالغة 8.4 مليار دولار. كما سبق لنادي باريس أن خفض ديونه بالنسبة نفسها، وهذا النادي يضم مجموعة من الممولين الكبار من تسعة عشر بلدا، بينها: الدانمارك، استراليا، روسيا، كندا، الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا والمانيا . وكانت روسيا قد شطبت ديونها ايضا، في العام 2008 ،التي وصلت الى عشرة مليارات.
وحسب إحصائيات البنك المركزي العراقي، فإن ديون العراق الخارجية كانت تقدر ب 87.7 مليار، وبعد سداد الكثير منها، تبقى خمسة واربعين مليارأ، حتى تاريخ العام 2010 .
أما ديون الكويت فتبلغ ستة مليارات حسب إعلان وزارة المالية العراقية في العام الماضي، وللمملكة السعودية خمسة عشر ملياراً. وفي تصريح لسفير الكويت في بغداد، قال إن إلغاء الدّين المترتب على العراق، يحتاج الى قانون يوافق عليه مجلس الأمة، والغريب في هذا القول أن السفير يتجاهل ان الدول التي اسقطت ديونها، هي ايضا تتمتع بمجالس نيابية مرموقة، غير انه أقّر بأن هناك من البرلمانيين في البلدين، من يسعى الى تأجيج الخلاف.
واذا كانت الكويت غير قادرة على القفز على برلمانها لمصلحة العراق، فلا اعتقد ان المملكة العربية السعودية لديها مشكلة بشأن اتخاذ القرارات المهمة، وكانت قد تعهدت في مؤتمر المنامة بإلغاء ديونها على العراق، لما مارسته الولايات المتحدة من تأثير تمثل بحضور كونداليزا رايس ومساهمتها في إقناع الدول الخليجية بأهمية توطيد العلاقة مع العراق. وكانت دولة الإمارات العربية قد ألغت ديونها البالغة سبعة مليارات، في منتصف العام 2008. وفي الحديث عن الديون او التعويضات الخليجية، لابد من استذكار دور الدول الخليجية التي دعمت قرار صدّام بالحرب على اإيران، واستفادت من زيادة انتاجها للبترول خلال سنوات طويلة توقفت او تجمدت قدرات العراق في تصدير النفط، وما لحقه من عقوبات دولية.
والتحدي الاكبر أمام العراق، مع اقتراب موعد الانسحاب الأميركي في نهاية هذا العام، هو تحرك إيران لتنشيط ملف تعويضات الحرب، فقد صرح السفير الايراني في بغداد، كاظمي قمي (انتهت مهامه في آذار 2010 ) بأن التعويضات هي حقوق ثابتة للشعب الايراني المسلم ومن الطبيعي ان يأتي الاهتمام بها في الوقت الملائم. لقد صمتت إيران زمنا طويلا عن حقوقها، وهي بلا شك مشروعة، لكن أكلافها المادية ينبغي ان تأخذ بالإعتبار تأخر قرار إيران بقبول وقف إطلاق النار، بعد أن انسحب الجيش العراقي من أراضيها عقب عامين من الحرب، وكلنا يذكر مقولة الخميني بأنه تجرّع كأس السّم عندما وافق على إيقاف القتال في العام 1988، كما ينبغي أن يطرح من مبلغ التعويضات البالغة 1000 مليار - حسب تقديرات الأمم المتحدة، استنادا الى قول مسؤول العلاقات الخارجية في البرلمان الايراني، حسين إبراهيمي في العام 2010 - كل ما حصلت عليه ايران من أموال النفط العراقي الذي استخرجته من الآبار العراقية في الجنوب، اثناء فترة تجاوزها على الاراضي العراقية، وكذلك ماحصده تجارها من النفط المهرب في الصهاريج. ويبدو الوقت مناسباً جدا الآن للمطالبة الايرانية، مع تخبط القوى السياسية في العراق وتوسع النفوذ الايراني، وعودة العمليات الارهابية، التي ترعى المخابرات الايرانية جانباً منها. وكان مصدر ايراني قد اشار في العام الماضي، الى ان قضية التعويضات مطروحة على جدول أعمال الحكومة الايرانية. إن ما دأب عليه الساسة الإيرانيون من الحديث عن الأخوة الإسلامية، واستعدادهم لخدمة العراق، ينبغي أن يترجم بإلغاء التعويضات أو تخفيض تقديراتها، والتذكر بأن بلادهم استحصلت الجزء الأكبر منها، منذ بدء استعمارها غير المعلن لجنوب العراق.
إن ديون العراق مازالت كثيرة، وأكبر دين هو ما للعراقيات والعراقيين من حقوق على حكوماتهم المتعاقبة، منذ العام 2004 ، ولنترك مااقترفه صدام من إفقار وإذلال للشعب، فالحاضر هو الأهم، وإنه لمن المخجل أن تبادر دول الى إلغاء ديونها أو تخفيضها، وفي الوقت نفسه يتواصل مسلسل النهب والفساد، وكأن العراق أصبح إقطاعية للقوى السياسية النافذة، وكأن الرئاسات الثلاث ذات الميزانيات الهائلة، والبرلمانيين والبرلمانيات، والوزراء، قد حققوا دولة الرفاه واشبعوا طموحات الناس، ولم يبق أمامهم إلا ان يتمتعوا بالفائض من المليارات. وهنا لا تفوتني الإشارة الى الدور التخريبي الذي قام به الحاكم المدني الأميركي في العراق، بول بريمر، والإدارة الأميركية من خلفه، بفسح المجال لأصحاب النفوس الضعيفة بالإستيلاء على ثروات العراق، وإرساء قاعدة فاسدة، تفيد بمقايضة خدمة البلاد بسرقة أمواله، وإن كان هذا غير مستغرب بالنسبة للأجانب من المستثمرين ورجال الأعمال، فإنه أمر شائن بالنسبة لمن يتولون الحكم من العراقيين. وإذا كان من المفهوم أن تسهل جهات أميركية عمليات السرقة، لتغطية سرقاتها،فما هو عذر المتورطين العراقيين؟
إن أفضل صيغة شكر تقدمها حكومة العراق لشعب الجزائر وحكومتها، ولكل الدول التي أسقطت ديونها، هو أن تثبت للعالم إنها جديرة بمسؤولياتها، وأهمها المحافظة على المال العام، وتقديم كل من سرقوه من ولاة الأمر، على اختلاف مراتبهم، الى المحاكمة والأقتصاص منهم، فهل تستطيع، أم إنها ستواصل تقديم الغطاء لهم؟