فرحة شعبية عارمة
أثيرت العديد من التساؤلات حول الاهتمام الإعلامي الكبير بحادثة إنقاذ عمال المنجم في تشيلي، إلا أن النقلة الهائلة من أقصى الحزن إلى أقصى الفرح ربما تبرر شيئا من هذا الاهتمام الكبير، حيث قطعت كبرى الفضائيات بثها المعتاد وخصصت بثها لنقل تفاصيل عملية الانقاذ بشكل مباشر.

وجدت حادثة المنجم المنهار في سان خوزيه بشمال شيلي وعملية إنقاذ 33 عاملا احتجزوا فيه أضواء (في الغرب على الأقل) قد تبدو للبعض غير متناسبة وما استدعته إعلاميا.
فعلى سبيل المثال تجاهلت فضائيات مثل laquo;بي بي سيraquo; وlaquo;سكايraquo; وlaquo;سي إن إنraquo;، على سبيل المثال وليس الحصر، بقية أخبار العالم ونقلت عملية إنقاذ العمال حية على الهواء دقيقة بدقيقة على مدى الساعات الأربع والعشرين التي استغرقتها.

ثم نقلت توابع العملية بعد إنقاذ العمال وردات الفعل الرسمية والشعبية في شيلي، وأجرت اللقاءات مع أقارب العمال ومع خبراء المناجم والأطباء والمحللين النفسيين، وعرضت الأفلام الوثائقية المتصلة بالحادثة واستعرضت تاريخها وهلم جرا. ومازالت تلك الفضائيات تخصص 90 في المائة من الوقت على الأقل لتوابع الإنقاذ حتى وقت كتابة هذا المقال.

الرئيس بينيرا مع أحد العمال

واولئك الذين يستغربون كل هذا يذهبون الى مقارنة الحادثة بكوارث طبيعية او من صنع الإنسان تعتبر ملحمية في أبعادها: كارثة فيضانات باكستان التي قتلت أكثر من ألفي شخص وتأثر بها بشكل أو آخر منذ بدئها في 26 يوليو / تموز الماضي وحتى الآن قرابة 20 مليون شخص يفترش العديد منهم الآن الأرض ويلتحف السماء. وإضافة الى كل هذا فإن خسائرها المادية فقط تقدر بحوالي 45 مليار دولار تتصاعد كل يوم.

وهناك كارثة الأوحال الصناعية المسمّة في آيكا بغرب المجر. وتغطي هذه الأوحال التي بدأت تسربها في الرابع من الشهر الحالي رقعة 50 كيلومترا مربعا ويقدر حجمها بأكثر من 35 مليون قدم مكعب. وبخلاف القرى والبلدات التي غزتها وطردت أهلها بعد ان قتلت منهم 9 أشخاص، فقد وصلت يوم الخميس الماضي الى نهر الدانوب مهددة بكارثة بيئية على نطاق مخيف. ولا يقف الأمر عند هذا الحد إذ أن المستودع الذي انطلقت منه الأوحال مهدد الآن بالانهيار بأكمله.

وخذ ايضا كوارث المناجم نفسها... فقط في الصين التي شهدت مناجم فحمها في العام 2003 العدد الأكبر من الكوارث إذ بلغت نسبتها 80 في المائة من الإجمالي العالمي، رغم ان البلاد تنتج 35 في المائة فقط من إنتاج العالم من الفحم. وفي 2005 قتل انهيار منجم سانجياوان، بشمال شرق البلاد، 220 عاملا على الأقل. وباعتراف المسؤولين الصينيين أنفسهم فقد قتل في العام 2006 وحده 4749 عاملا في مختلف الانهيارات والانفجارات والتسربات المائية والحوادث الأخرى داخل مناجم البلاد المتهالكة.

دراما تلفزيونية على أرض المنجم

كل ذلك لم يجد نوع الضوء الإعلامي الذي سلطه الإعلام - ولا يزال - على منجم سان خوسيه الشيلي laquo;رغمraquo; أنه لم يقتل أي عامل فيه.. لماذا؟ الإجابة السريعة تتعلق بكلمة laquo;رغمraquo; في السؤال نفسه، وتقول إن كل ذلك الضوء الإعلامي تأتى ليس laquo;رغمraquo; وإنما laquo;بسببraquo; أن كل العمال خرجوا من باطن الأرض أحياء بعد دراما مثيرة استغرقت 69 يوما. والإجابة السريعة هي انتزاع الأمل النصر من فكي المصيبة. والإجابة السريعة أيضا هي الكيفية التي حولت بها شيلي المأتم الى عرس.

وبينما كانت الكوارث الأخرى التي شهدها العالم مؤخرا laquo;أحداثا مأساوية تضاف الى القائمة الطويلة المعتادةraquo;، حملت واقعة سان خوزيه عنصرا جديدا علينا. ولنبدأ حيث كانت البداية: في الخامس من أغسطس / اب انهار منجم النحاس والذهب هذا ليقبر 33 عاملا على بعد 700 متر (2300 قدم) في أحشاء الأرض. وعلى مدى اسبوعين من البحث عن هؤلاء صارت ثمة قناعة بقبول الخسارة وحقيقة ان العمال قتلوا جميعا.

ولكن في اليوم السابع عشر عثرت كاميرا البحث على العمال الذين رفعوا لافتات تقول إنهم جميعا على قيد الحياة وبخير. وزفّ الرئيس سباتيان بينيرا الخبر المدهش بنفسه الى أمة انتقلت 180 درجة من الحداد الى الفرح ومن القنوط التام الى الأمل التام.

دموع الفرح أخيرا

وقال بينيرا، طائرا على جناح انتصار الأمل على المأساة، إن عملية إنقاذ العمال ستستغرق شهورا، وربما حتى بعد أعياد الكريسماس laquo;لكن لا يهمنا كم من الوقت سيستغرق الأمر قبل أن نصل الى النهاية السعيدraquo;... وبدأ التحدي الهائل المتمثل في انتشال 33 رجلا يقبعون علي بعد قرابة ثلاثة أرباع الكيلومتر في باطن الأرض وفي دولة محدودة الاموارد مثل شيلي. لكن الصبر والتخطيط الهادئ والعزيمة الجبّارة أتت الأربعاء بتلك النهاية السعيدة التي بشّر بها الرئيس.
هذا هو العنصر الجديد الذي لفّ حادثة سان خوزيه. فالعالم، على نحو ما، سئم تواتر الأنباء السيئة والكوارث والحروب والجوع والمرض حتى اعتبرها laquo;أنباء روتينيةraquo; ما عادت تهيمن على وجدانه. إما هذا أو أن تلك الأنباء السيئة نفسها أكبر كثيرا من ان تحتويها عواطف سريعة هي أفضل ما يمكن ان يقدمه الانسان إزاءها في هذا العصر المتلاحق الأحداث... وربما الاثنان معا.

ومن أحد هذين المنطلقين، أو كليهما، صار ملايين الباكستانيين ضحايا الفيضان وأوحال المجر وقتلى العراق وأفغانستان وجوعى افريقيا وقتلاها وغيرها من الحقائق القاتمة المحزنة على هامش الأنباء... رُكِل كل هذا الحزن عمداً الى الهامش من أجل شيء من الفرح النادر... ولِم لا؟