اعتبر الناشط الحقوقي أحمد دحماني أن الاحتجاجات التي بدأت في تونس وانتقلت إلى مصر يمكن أن تمسّ الجزائر كذلك لأن كل المواصفات التي تسمح بذلك تتوافر فيها.


أحمد دحماني

بوعلام غبشي: يحضر اسم الجزائر هذه الأيام في الصحف الفرنسية بشكل دائم، وتتوحد عند إثارته حول سؤال كبير، يؤرق الجزائريون المنادون إلى التغيير في هذا البلد المغاربي قبل غيرهم، هو متى تدق ساعة التحول الديمقراطي الحقيقي فيه؟.

أطلعت هذه الصحف على قرائها، في مناسبات مختلفة، بمحاولات لإعطاء القراءات الأقرب لتطورات الحركة التي انطلقت، قبل أيام، في الجزائر بأمل إحداث رجة سياسية في اتجاه تغيير إيجابي يخدم مستقبل كل الجزائريين.

وكلها تجمع أن للجزائر خصوصيتها الضاربة في الفرادة، ولا يمكن تشبيهها، بأي حال من الأحوال، لا بمصر ولا بتونس، لأنها بلد نفطي، يمد أوروبا بـ 10 % من احتياجاتها من النفط والغاز، وتحصل الحكومة مقابل ذلك على خمسين مليار دولار سنويًا، ما يغنيها عن أي مساعدات أجنبية.

كما إن الولايات المتحدة لا ترى في الجزائر بلدًا استراتيجيًا، بحسب ملاحظين، يمكن أن يهمها بالقدر نفسه الذي يعنيها الشأن المصري، وراهنت كذلك كثيرًا على النظام الجزائري في محاربة الإرهاب، وإن كان على الطريقة الجزائرية.

إلى ذلك، كسب النظام عامة والجيش على الخصوص، عصب الحياة السياسية في الجزائر، دعم واشنطن، لنجاحه إلى حد بعيد في قطع دابر الإرهاب، يعوّل عليه اليوم الغرب عمومًا، في أي في مطاردة لفلول القاعدة في الصحراء والساحل.

في ظل هذا الوضع، يقرّ الملاحظون أن الجزائر تعيش جمودًا سياسيًا، ولا يمكن للنظام أن يصمد طويلاً، بإجهاضه،في كل مرة أي محاولة لانتفاضة شعبية موسعة، والحل الوحيد الذي قد يجنبها حراكًا اجتماعيًا قويًا بأبعاد سياسية، على المدى القريب، هو الدخول في إصلاحات عميقة، يعود بموازاتها الجيش قولاً وفعلاً إلى ثكناته.

صحيح أن ذاكرة الجزائريين لا تزال مثقلة بسنوات الحرب الأهلية، ما يزيد من صعوبة اندفاع جماهيري وراء الحركة المطالبة بالتغيير، إلا أن الأوضاع الاجتماعية وإحساس شريحة واسعة من الشباب quot;بالحقرةquot;، مع قوة رياح التغيير التي تضرب المنطقة، إضافة إلى نضج التجربة الإسلامية، على غرار ما لوحظ في تونس ومصر، يمكن أن يقلب المعادلة في أسرع وقت ممكن.

عدوى الاحتجاجات
قال أحمد دحماني الأستاذ المحاضر، والناشط الحقوقي الجزائري لإيلاف، إن quot;هذه الاحتجاجات التي بدأت في تونس وانتقلت إلى مصر يمكن أن تمسّ الجزائر كذلك، لأنها تتوافر فيها كل المواصفات التي تسمح بذلك، كما هو شأن البلدين المذكورين، من رشوة في كل مرافق الدولة، يستفيد منها أصحاب الحكم السلطوي، إن لم يكن ديكتاتوريًا، بطالة كبيرة في أوساط الشباب، ضعف القدرة الشرائية، غياب أي رؤية مستقبلية خصوصًا بالنسبة إلى الأجيال الشابة، رغم الإمكانيات السوسيواقتصادية والثقافية التي تزخر بها البلادquot;.

يقر دحماني أن quot;الوضع في الجزائر له فرادته بالنظر إلى تاريخه الحديث الذي عرف إجهاض انتقال ديمقراطي أطلق سنة ما بين 1988 و1991، والذي أدى إلى حرب أهلية دامية، هذا إضافة إلى أعمال شغب التي تشهدها البلد منذ ما يزيد عن العشر سنواتquot;.

فسر الناشط الحقوقي القمع الممارس من طرف النظام على الحركة الاحتجاجية التي تقودها التنسيقية الوطنية من أجل التغيير والديمقراطية، quot;أن الحكم يبحث بأي ثمن لتفادي أي مواجهة مع المتظاهرينquot;، مضيفًا quot;ذاكرة الجزائريين لا تزال تحتفظ بالإبادة التي تعرضت لها تظاهرات 1988 وحركة مواطن بالقبائل سنة 2001quot;.

ليخلص إلى quot;أن الحكم لا يريد أن يرى هذا النوع من الأوضاع. ويعي جيدا أنه لا يمكن له أن يقمع المتظاهرين كما فعل في السابق، نظرًا إلى وسائل الاتصال الحديثة التي نتوافر عليها، والتحذيرات التي وجهت إليه من طرف بعض القوى الغربيةquot;.

دعم حركة التغيير بالجزائر
عن إسهامه في هذه الحركة كمثقف جزائري، يقول دحماني quot;أناضل من أجل حقوق الإنسان في الجزائر وعلى مستوى أوسع في المنطقة المغاربية، فيما أساهم بتحليلات أو معلومات من خلال مساهماتي على الصحافة المكتوبة أو السمعية والبصرية. وكنت إضافة إلى ذلك أطلقت برفقة أصدقاء جزائريين نداء quot;من أجل انتقال ديمقراطي في الجزائرquot; نشر على صحيفة لموند والصحافة الجزائرية.

بالنسبة إلى المنظمات الفرنسية التي عبّرت عن دعمها الحركة الشعبية بالجزائر، لاحظ أحمد دحماني، quot;دعم المنظمات غير الحكومية وبعض الأحزاب الفرنسية من اليسار. في حين لم أسجل بعد دعمًا أو تضامنًا واضحًا من الحزب الاشتراكي الفرنسيquot;، بحسب تعبيره.

تعبئة الجماهير تبقى صعبة
يشخص الأستاذ الجامعي الوضع في بلده بكونه quot;بلغ إلى مستوى لا يمكن فيه أن تبقى الأمور على حالهاquot;، موضحًا quot;أن الشروط أصبحت ناضجة من أجل حركة اجتماعية وسياسية في الجزائرquot;.

لكنه لا ينفي، في المقابل، ما اعتبره quot;مشاكل وصعوبات لتعبئة الجزائريينquot;، نظرًا، يفسر الدحماني، quot;إلى مخلفات الحرب الأهلية، وغياب إطار له مصداقية للتعبئة، لأن تلك الموجودة على الساحة توحي بالحذر للجزائريين، وليس بالثقةquot;.

في السياق نفسه، يضيف الناشط الحقوقي الجزائري إن quot;هناك كذلك انتقادات وجهت إلى التنسيقية في الجزائر العاصمة على تجميع شاذ لهيئات متباينة نجد فيها نقابات مستقلة، رابطة لحقوق الإنسان التي ليس من أهدافها تعبئة الجزائريين للتظاهر، وجمعيات ليس لها امتداد جماهيري في المجتمع، إضافة إلى شخصيات وأحزاب سياسية مطعونٍ في مصداقيتها نظرًا إلى مسارها السياسي، سيما لقربها، إن لم يكن تواطؤها، مع جهات معينة أو أجهزة الدولةquot;.

الجزائر و التحول الديمقراطي
حول مستقبل الجزائر في ضوء التحولات التي تشهدها المنطقة، يفيد دحماني، quot;أن الثورة التونسية والحركة الشعبية المصرية بينتا أنه من الصعب أن نرى المستقبل بوضوحquot;.

وأضاف quot;ما أستطيع قوله في ضوء التجربة الجزائرية هو أن الجزائر قدّمت أكثر من اللازم في الماضي، ولا يمكن لها أن تعيش مغامرة دامية جديدة. فالسلطة عليها أن تتحمّل كل المسؤولية التاريخية، وأقصد بذلك العناصر الوطنية في مختلف إدارات الدولة، في مراكز القرار على مستوى المؤسسة العسكرية ومختلف شرائح المجتمعquot;.

ويتمنى الناشط الحقوقي quot;أن يكون لهؤلاء الذكاء المرغوب فيه، ويستثمروا في العنصر البشري الزاخر بالشباب الذي يمكن أن يخلق المعجزات، إن وضعت الثقة فيهquot;، معتبرًا أن quot;الثروات النابعة من تحت الأرض (النفط) نقمة على تنمية الجزائرquot;.

أخيرًا يجسّد الباحث الجامعي هذه الثقة في كونها، quot;تمرّ حتماً عبر التحوّل الديمقراطي الحقيقي، حيث يمكن للجزائريين فتح النقاش في ما بينهم، ويقررون بحرية تامة مصيرهم ومستقبلهم. من وجهة نظره فهذا هو الشرط الأدنى والخطوة الأولى لكي تلقى الجزائر نفسها بنفسهاquot;.