تبدو العلاقة بين اللبنانيين ومراجعهم الروحية والدينية في مد وجزر، ويُعيد المواطن ذلك الى ارتباط بعض تلك المراجع الروحية بأجندات سياسية، بحيث يصبح المرجع الديني ناطقًا باسم جهة سياسية معينة، ما يفقده في بعض الاحيان ثقة المواطن.


بيروت: ما مدى ثقة الناس في لبنان بمرجعياتهم الدينية؟ هل هذه المرجعيات تعمل لصالح المواطن، ما مدى انغماس بعض المرجعيات في الحياة السياسية، هل يمكن للبنان أن يستمر في ظل انعدام الثقة لبعض المواطنين مع مرجعياتهم الدينية، اسئلة توجهت بها إيلاف الى شريحة من المواطنين.

ترى انطوانيت أنه من المفروض، مهما كان الامر أن تبقى ثقة المواطن بالمراجع الدينية، لأننا بلد لا يمكن أن ننكر أننا طائفيون، والمراجع الدينية هي طريقة عيش، ومهما كان الامر يجب أن تبقى الثقة بين الطرفين، وتفضل أن يكون هدف المراجع الدينية خير المواطن، وتساعده، وما يجري في لبنان لا يمكن أن تحكم عليه.

أحمد يؤكد أن هناك انغماساً تاماً للقيادات الروحية بالعمل السياسي، وكان يفضل عدم تدخلهم، وأن يهتموا بالامور الدينية من تأمين حاجات الشباب الملحة من مسكن ووظائف، كي لا يضطروا الى السفر والهجرة.

فادي يرى أن الحل في لبنان يكمن في ايجاد دولة علمانية، مع وجود الدين والاخلاق، وطريقة عيش المواطن حيث الدين يردعه عن الشر ويبعده عن الامور السيئة، ولا يمكن أن يستمر لبنان برأيه مع انعدام الثقة بين المواطن ورجال الدين.

سعيد يرى أن الثقة بين المرجعيات الدينية والمواطن ليست ثابتة لأنها مرتبطة بالعمل السياسي وبالمرجعيات السياسية الدينية، ويعتبر أن العنوان الأساسي لتلك المرجعيات الروحية يجب أن يكون العمل لمصلحة المواطن، ولكن للأسف quot;العمليةquot; نسبية، فهي تعمل لمصالح شخصية بنسبة 80% ولمصلحة المواطن بنسبة 20%.

دنيا تؤكد أن انغماس رجال الدين في السياسة دليل على عدم عافية، لأن المرجعية الدينية يجب أن تكون صمام الأمان للمواطنين العاديين، مع العلم أن المراجع الدينية يجب أن تعمل 100% لصالح المواطن، من دون الرجوع الى أحد أو التقيد بأي معالم سياسية، ولكن في لبنان، المراجع الدينية ترتبط وتنسيقها المباشر مع مراجع سياسية.

رياض يرى أن لبنان من تاريخ نشأته ونيله الاستقلال كانت المرجعيات الدينية هي الحركة الاساسية التي تسعفه، فمثلاً البطريرك الماروني الحويك ذهب الى فرنسا للمطالبة بالاستقلال، ولكن اليوم نفتقد الى هكذا مراجع دينية.

حسن يعلّق على الموضوع فيقول:quot; بالنسبة للعلاقة بين القوى السياسية الطائفية والمرجعيات الدينية، فإن دخول المؤسسات الدينية للطوائف على خط السياسة شكل سلاحًا ذا حدين للفكر الطائفي، فمن جانب لعبت هذه المؤسسات من خلال دعمها وتبنيها لقوى سياسية طائفية دورًا أساسيًا في تقوية هذه القوى وتكريس الطائفية في المجتمع اللبناني والعكس صحيح حيث أن اعتبار هذه القوى تلك المؤسسات مرجعيات لها عزز من مكانتها في المجتمع، ولكن توتر العلاقة بين القوى السياسية والمرجعيات الطائفية ووصولها حد التعارض أدى إلى انكشاف حقيقة أن هذه القوى تستثمر الدين خدمة لمصالحها وأن تعارض مصالحها يجعلها تضرب بالطائفة ومرجعياتها عرض الحائط. كما أن التبعية الواضحة للعديد من المرجعيات الطائفية لقوى سياسية بعينها ووضع نفسها تحت تصرفها وخدمة لبرامجها وسياساتها قد أضعفت من مكانة هذه المرجعيات بنظر اللبنانيين. وأكثر من ذلك، فإن تعدد القوى السياسية التي تدعي تعبيرها عن الطائفة ذاتها قد أدى إلى انقسام وتعدد المرجعيات الدينية للطائفة نفسها، الأمر الذي دفع وما زال باللبنانيين إلى حالة من الالتباس والشك وفقدان الثقة بهذه القوى الطائفية وبالمرجعيات الدينية والانفضاض من حولها.

استطلاع وأرقام

في استطلاع للرأي جرى أخيرًا حول الواقع الديني والطائفي تبين أن 88 في المئة من اللبنانيين ملتزمون دينيًا، وأن 72% يرون أن السياسيين يوظفون الدين لمصالحهم، وكذلك 51% يلتزمون آراء المراجع الدينية، و55% يمارسون الشعائر الدينية والشيعة الأكثر التزامًا و52% ضد تدخل المرجعيات الروحية في القضايا السياسية.

ويظهر الاستطلاع أن غالبية الشعب اللبناني، على اختلاف انتماءاتهم الطائفية، يتأثرون بشكل أو بآخر بالشعائر الخاصة للطوائف الدينية في لبنان، وذلك يبدو من خلال النسبة الكبيرة من المستطلعين (87.5%) الذين صرحوا بأنهم يمارسون الشعائر الدينية بشكل دائم أو متقطع، كذلك يظهر الاستطلاع أن ثمة ارتفاعًا في نسبة المستطلعين بين الدروز الذين لا يمارسون الشعائر الدينية قياسًا إلى الطوائف الأخرى، وهذا، بطبيعة الحال، ليس دليلاً على البعد الإيماني لهؤلاء بقدر ما هو عائد إلى التعاليم الدينية نفسها لدى طائفة الموحدين الدروز التي تحصر ممارسة الشعائر الدينية في بيئة محددة من أتباعها حرصًا على صحة هذه الممارسة، قياسًا إلى الطوائف الأخرى التي ترى أن أبناءها مدعوون كافة إلى ممارسة الشعائر الدينية التي يؤمنون بها، إضافة إلى عوامل أخرى ذات فاعلية كبرى، تتعلق أساسًا بوجود حركات سياسية أو اجتماعية ذات طابع ديني لها تأثير فاعل في البيئة الطائفية التي تعمل في إطارها، وهذا ما قد يتجلى بقوة في الوسط الإسلامي عامة والشيعي خصوصًا، الذي لا يخفى على أحدمدى تأثر الشريحة الواسعة منه بتيارين أساسيين يمثّلان سياسيًا ودينيًا العمود الفقري له هما quot;حزب اللهquot; وحركة quot;أملquot;.

والجدير بالذكر أن نسبة الذين يمارسون هذه الشعائر كاملة بين الإناث (62%) هي أعلى منها بين الذكور (46%)، وهي أعلى بين الذين لم يتجاوزوا المرحلة الثانوية (64%) منها بين الجامعيين (51%)، وهذا يعود أساسًا إلى مدى التمسك بالقيم الدينية من جانب كل فئة من هذه الفئات، سواء أكان منشَؤه الإيمان أم مجرد الخوف من المستقبل، الذي قد يضعف بين الذكور من جهة والفئات الجامعية من جهة أخرى.

وفي إزاء الدور السياسي البارز الذي تؤديه المرجعيات الدينية في لبنان والذي يأخذ حيزًا كبيرًا من اهتمام هذه المرجعيات، يجري التساؤل عن تأثير ذلك على أداء وظيفتها الأساسية المتعلقة بالوظيفة الدينية، وفي هذا الإطار، يظهر الاستفتاء أن ثمة انقسامًا بين اللبنانيين حول تقييم أداء هذه المرجعيات لوظائفها الدينية بشكل كامل، وإن كان ثمة ما يشبه التوافق بين اللبنانيين باختلاف انتماءاتهم الطائفية على قيام هذه المرجعيات إلى حد ما بالمحافظة على وظيفتها الدينية.

ويتبين أن المستطلعين ينقسمون حول فكرة تدخل المرجعيات الدينية لحل المشكلات السياسية في لبنان، كذلك الرؤية لا تبدو واحدة بين أبناء الطوائف المتنوعة، إذ نجد أن نسبة تأييد الفكرة بين الشيعة والمسيحيين أعلى منها بين الدروز والسنة، وهي تلقى تأييدًا بين الإناث (55%) وغير الجامعيين (57%) أكثر منها بين الذكور (42%) والجامعيين (44%). ويتبين من أن غالبية المستطلعين رأوا أن الدور السياسي للمرجعيات الدينية يطغى على سائر الأدوار الأخرى الدينية والاجتماعية على حد سواء.

ويُظهر الاستطلاع ايضًا مدى انقسام المستطلَعين في نظرتهم الى المصالح التي تسعى المرجعيات الدينية في لبنان إلى تحقيقها. فرغم حرصهم الكبير على إبداء الاحترام لموقع هذه المرجعيات، وعدم اتهامها، إلا من فئة قليلة جداً منهم، بالسعي إلى تأمين مصالحها الخاصة، فإن ما يقرب من نصف المستطلعين رأوا أن ما تسعى إليه المرجعيات الدينية هو المصلحة الطائفية أو ما يرتبط بهذه المصلحة وإن اتخذ بُعدًا وطنيًا.

وتختلف رؤية المستطلَعين حول كيفية التعاطي مع المواقف المتضاربة التي يمكن أن تنشأ بين المرجعيات الدينية والمرجعيات السياسية في وقت من الأوقات أو حالة من الحالات، غير أن أكثر من نصف المستطلَعين أكدوا التزامهم في مثل هذه الحالة برأي مرجعياتهم الدينية، مقابل فئة قليلة منهم (18.1% فقط) أكدوا على العكس من ذلك التزامًا برأي مرجعياتهم السياسية.