قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مشكلة كثير من العرب أنهم استراحوا إلى مخادعة النفوس، فهم يُمنُّون أنفسَهم، تارة بإيران، وتصريحاتِها النارية، ضد إسرائيل، وتارة بتركيا، وأردوغان؛ فما حقيقة الموقف التركي، في ظل حكومة العدالة والتنمية من إسرائيل؟ سأل مصطفى البرغوثي، الأمينُ العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، المسئولَ التركي على laquo;الجزيرة مباشرraquo; سؤالا مهما؟ لماذا لم تُصوِّت تركيا ضد انضمام إسرائيل إلى laquo;منظمة التعاون والتمنية الاقتصاديةraquo;؟ فأجاب -بما معناه- أنَّ تركيا لا تسعى إلى قطيعة مع إسرائيل، ولا مع العالم، وأنها تحتجُّ على سياسات الحكومة الإسرائيلية؛ ما يفيد على نحو حاسم أن تركيا مع إسرائيل، الدولة، وضد إسرائيل، الحكومة! فعلامَ يعوِّلُ العرب؟ أو لماذا يُحمِّلون مواقف تركيا أكثر مما تحتمل؟ ويتوقعون منها أكثر مما تَعِد!

وبالرغم من التوترات العَرَضية التي تعتري العلاقات التركية الإسرائيلية؛ نتيجة تَعقُّد الخيوط في إقليمنا المتذبذب المتأرجح؛ فإن تركيا ما زالت تصف إسرائيل بالحليف، وهي الصفة التي لم تطلقها، حتى على علاقاتها مع الولايات المتحدة.

وَفْقا لتصريحات وزير الدفاع التركي، محمد وجدي غونول، التي نقلتها صحيفة laquo;القدسraquo; المقدسية، مؤخرا : laquo;إن هناك علاقات تحالف استراتيجي بين البلدين، ما دامت مصالحهما المشتركة تتطلب ذلكquot;، مضيفا quot;نحن لا نستخدم كلمة (تحالف) حتى لوصف علاقاتنا مع الولايات المتحدة، أكبر أصدقاء إسرائيل، ولذلك فعندما يستخدم قادة تركيا هذا التعبير، وتركيا تعتبر دولة كبرى في الشرق الأوسط، فهذا يعني الكثيرraquo;.

لماذا لم تستخدم تركيا الفيتو ضد انضمام إسرائيل إلى laquo;منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الدوليةraquo;؟

ولكن الأفعال كانت أصدق إنباءً من الأقوال، حين لم تمانع تركيا من انضمام إسرائيل إلى laquo;منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الدوليةraquo;، وهي المنظمة التي تضم الدول الأكثر ثراء في العالم، وأخطر ما في هذا الموقف التركي ثلاثةُ أمور، الأول: أن الموافقة على هذا الانضمام الإسرائيلي ينطوي على اعتراف بالنطاق الاقتصادي الذي حددته إسرائيل؛ ليشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، والمستوطنات في الضفة الغربية، ليبدو ذلك، وكأنه اعتراف بالاحتلال!

والأمر الآخر اللافت للنظر أنَّ رفض تركيا، لو حصل، كان سيفشل هذا المسعى الإسرائيلي، وسيلقنُّها درسا، يذكِّرها ببشاعة ممارساتها الاحتلالية المتصاعدة... ذلك أن رفض دولة واحدة من دول المنظمة كان كافيا لرفض عضوية إسرائيل.

وثالثةُ الأثافي أن العرب سيكونون مِنْ أكثر المتضررين بانضمام إسرائيل إلى المنظمة؛ لأن إسرائيل ستستخدم laquo;حق الفيتوraquo; ضد انضمام أي دولة عربية إلى منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي!

ولم تنفع النداءات من العالم العربي، ومن المنظمات الإسلامية في أوروبا في ثني تركيا عن الموافقة!

فما موقف العرب المنبهرين بأردوغان؟

كثير من العرب، يميلون إلى تصديق ما يريدونه، وِفاقاً لقول الشاعر محمود درويش: laquo; أرى ما أريدraquo; لكن هذا إنْ كان ينفع في مجال الأدب والخيال، فإنه شديد الضرر في السياسة، القائمة على تفسير الأحداث، والوقائع، كما هي، بمَعْزِل عن تمنياتنا ورغباتنا، وهذا يذكِّرني بقصة طريفة طالعناها في مقتبل الدراسة تحكي قصة فلاح في دورة لمحو الأمية، وقد وُعد كلُّ طالبٍ يقرأ كلمةً، باستلام ما تعنيه الكلمة، مكافأةً، له على مهارته في القراءة؛ فعرض المعلم عليه كلمة laquo;حبلraquo; ولكن الفلاح الذي كان في أمسِّ الحاجة إلى laquo;جملraquo; قرأها: جملا، وباءت كل محاولات المعلم في إقناعه بأنهاlaquo;حبلraquo;!

صحيحٌ، أن ثمة تغيرا لا يُنكر في السياسة الخارجية التركية، ولا سيما بعد اشتداد النفوذ الذي يتمتع به حزب العدالة والتنمية التركي، في مقابل قوة العسكر المعروفين بعلاقات قوية مع إسرائيل، وقد مالت الكفة بدرجة واضحة، لصالح حزب أردوغان، بعد استقالة دنيز بايكال, زعيم حزب الشعب الجمهوري التركي، من رئاسة حزبه على خلفية فضيحة أخلاقية. وهذا التطور، وبقطع النظر، عمن يقف وراءه يصب في صالح حزب العدالة والتنمية، على حساب الحزب الجمهوري الذي يعتبر نفسه مدافعا عن قيم مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك ومدافعا عنيدا عن علمانية تركيا التي وضع أسسها أتاتورك.

وقد ضعف نفوذ العسكر بعد ضرب كبار الضباط الأتراك الذين كانوا يقودون التعاون العسكري مع إسرائيل، في أعقاب اكتشاف ضلوعهم في مؤامرة لقلب حكومة laquo;حزب العدالة والتنميةraquo; برئاسة أردوغان.

ولا يخفى أن تمكُّن أردوغان وحزبه في الداخل ينعكس إيجابا على قدراته في سياسية بلاده الخارجية، كما العكس؛ إذ إنَّ النجاحات الملموسة التي تحرزها تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية يقوي مركزه في الداخل، وهو في سياسته الخارجية قائم على الديبلوماسية الهادئة، والتوازنات مع القوى الدولية والإقليمية، فهو يحافظ على توجهاته نحو الغرب، بقدر ما ينهمك، على نحو فاعل في قضايا المنطقة، وأزماتها، كما ظهر مؤخرا، في الملف النووي الإيراني، وفي مثل هذه الاستراتيجية لا مكان للتصادم الحقيقي مع أيٍّ من القوى، ومنها إسرائيل.

وأما التوترات التي كثرت في الآونة الأخيرة مع إسرائيل؛ فهي محصورة في الاعتراض التركي على كيفية معالجة حكومة نتنياهو، وقبلها حكومة كاديما التي أعلنت الحرب على قطاع غزة، للملف الفلسطيني، وهي ضرورية لإكساب أردوغان شعبية عربية وإسلامية، وتناغما مع ناخبيه، ومشاعر شعبه في الداخل؛ فهل نكفُّ عن المبالغات، والتمنيات الحالمة؟!
[email protected].