قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لا شك ان الاحداث ذات الطابع الطائفي التي شهدتها مصر تثير الكثير من القلق، خصوصا انها تشكل محاولة واضحة لتعطيل الدور المصري على الصعيد الاقليمي من جهة واستكمال عملية تفتيت العالم العربي من جهة اخرى. مصر مستهدفة لا اكثر ولا اقلّ. مصر مستهدفة ليس بصفة كونها الدولة العربية الاكبر فحسب، بل لان المطلوب الغاء مصر واخراجها من المعادلة الشرق اوسطية والافريقية ايضا، تماما مثلما اخرج العراق من المعادلة العربية والخليجية وتحوّل الى مجرد تابع لا اكثر ولا اقلّ لا تشكل حكومة فيه من دون موافقة ايرانية، او على الاصحّ من دون تفاهم ايراني- اميركي...
لا يمكن عزل ما تتعرض له مصر عما تعرّض له العراق. ولا يمكن عزل مصر عن لبنان وفلسطين. ايا يكن مصدر الارهاب الذي يستهدف اقباط مصر، وهم جزء لا يتجزأ من الشعب المصري ومن نسيج مصر، لا يمكن في اي لحظة تجاهل ان الهدف واحد وحيد. مطلوب ان تستسلم مصر. كل حرب غزة الاخيرة كانت حربا على مصر. كان مطلوبا ظهور مصر في مظهر المتواطئ مع العدو الاسرائيلي في الحرب التي شنتها الدولة العبرية على quot;حماسquot; في غزة. كانت تلك الحرب المفتعلة تستهدف امرا واحدا يتمثل في اظهار مصر في مظهر المشارك في الحرب الاسرائيلية على القطاع. لم يكن مطلوبا اكثر من ذلك. من افتعل تلك الحرب عن طريق اطلاق الصواريخ في اتجاه اسرائيل مع علمه المسبق بقدرتها على ممارسة ارهاب الدولة، انما اراد القول ان مصر تغلق معبر رفح في وجه الفلسطينيين في غزة وانها شريكة في الحصار. لم يكن ذلك صحيحا لسبب في غاية البساطة يتمثل في ان لا علاقة لمصر بفتح معبر رفح واغلاقه نظرا الى ان الاتفاق في شأن المعبر كان اتفاقا بين اربعة اطراف هي: الاتحاد الاوروبي، الذي جاء بمراقبين الى معبر رفح، والرئاسة الفلسطينية، ممثلة بحرس الرئاسة تحديدا، والولايات المتحدة واسرائيل. مصر كانت خارج الاتفاق. لماذا الزج بها، علما بانها دولة تحترم القوانين الدولية ولم تعد في حال حرب مع اسرائيل منذ توقيع معاهدة السلام في العام 1979؟
اخذ العرب علما بمعاهدة السلام. قاطعوا مصر طويلا، ثم عادوا اليها زرافات ووحدانا بعد اكتشافهم ان لا غنى لهم عنها. يفترض بهم الآن الدفاع عن مصر واتخاذ موقف موحد مما تعرض له. ما تتعرض له مصر يندرج في سياق ما يتعرض له العراق وما تعرض ولا يزال يتعرض له لبنان من ظلم.
هل quot;القاعدةquot; وحدها وراء الهجمة على مسيحيي العراق؟ هل quot;القاعدةquot; وراء محاولة تهميش المسيحيين في لبنان؟ الاكيد ان quot;القاعدةquot; ليست بعيدة عن كل ما يحصل. ولكن من يستخدم quot;القاعدةquot; ويوظفها في مشاريع سياسية معينة لا هدف لها سوى تدمير كل ما هو عربي في الشرق الاوسط؟ هل quot;القاعدةquot; وراء حرب غزة الاخيرة التي استهدفت احراج مصر؟ هل quot;القاعدةquot; وراء تهريب السلاح الى غزة عن طريق مصر؟ هل quot;القاعدةquot; وراء كل ما يجري في العراق؟ اين مسؤولية اجهزة الامن العراقية في حماية كنيسة سيدة النجاة في بغداد ولماذا هوجمت الكنيسة بالطريقة التي هوجمت بها والتي سمحت للارهابيين بقتل كل هذا العدد الكبير من المصلين الذين كانوا في الكنيسة؟
هناك محاولة واضحة للربط بين الهجمات على مسيحيي العراق ومصر. انها محاولة لا هدف لها سوى تبرير العملية البربرية التي استهدفت كنيسة القديسين في الاسكندرية مع بداية السنة الجديدة. تبدو الرسالة جلية. الرسالة موجهة الى مصر قبل تسعة ايام من الاستفتاء السوداني. على مصر ان تلتزم حدودها وان لا يكون لها رأي في تقاسم مياه النيل. عليها التخلي عن عروبتها وعن كل ما هو عربي في المنطقة وان لا يكون لها اي دخل في ما يجري في السودان حتّى. عليها المغامرة بمصير شعبها. عليها ان تكون اسيرة ردود الفعل والّا تتخذ اي مبادرة من اي نوع كان على الصعيد الاقليمي، بما في ذلك ارسال وزير خارجيتها الى بغداد كما حصل قبل ايام. ارادت مصر عبر ارسال الوزير احمد ابو الغيط الى بغداد واربيل تاكيد الحضور المصري والعربي في العراق، في البصرة والمنطقة الكردية تحديدا، اضافة الى العاصمة في طبيعة الحال. تبين ان ذلك ممنوع. من يريد ان يتذكّر ان مصر ارسلت في الماضي سفيرا الى بغداد وان هذا السفير خطف وقتل في ظروف غامضة؟!
كيف سترد مصر على الاحداث الاخيرة؟ الاكيد ان على الدولة اخذ المبادرة في محاربة التزمت. كان هناك تقصير في السنوات الاخيرة في مجال نشر ثقافة الانفتاح. وهذا جعل الاقباط يشعرون بنوع من الاضطهاد في احيان كثيرة. لجأ بعض الاقباط الى المزيد من الانغلاق على الذات بعدما شهد المجتمع المصري تحولات في غاية الخطورة نحو مزيد من التطرف في كل شيء بدءا باللباس وانتهاء بالخطاب الديني.
تتحمل مؤسسات الدولة المصرية مسؤولية التهاون مع الخطاب الديني المتزمت. لا يمكن ترك الامور تفلت. لا يمكن ترك بعض الجهلة من رجال الدين يؤثرون بفتاويهم المضحكة- المبكية على فئات معينة من المجتمع. ان حال الانفلات تسهل تسلل الافكار المتطرفة الى المجتمع وتساعد في مدّ التنظيمات الارهابية بالرجال المستعدين للانتحار من اجل دخول الجنة!
هناك خارج مصر من يراقب ما يدور فيها عن كثب ويراقب خصوصا التحولات التي يشهدها المجتمع المصري الذي كان في الماضي القريب اكثر المجتمعات العربية انفتاحا على كل ما هو حضاري في هذا العالم. كانت مصر الجهة الرائدة في التصدي للجهل والتزمت والافكار السوداء وثقافة الموت وفي نشر العلم والمعرفة والفنون. ها هي الان تتاثر بالجهل والجهالة والجاهلية الآتية من داخل المنطقة العربية ومن خارجها.
يفترض في القيادة المصرية استيعاب ان هناك، خارج مصر من هو على استعداد لاستغلال اي ثغرة من اجل متابعة الحرب على مصر. انها حرب حقيقية تصب في جعل العالم العربي ينهار نهائيا. انها حرب تستخدم فيها كل انواع الاسلحة بما في ذلك سلاح المال وسلاح الدين وسلاح التخوين. ربما كان المجتمع المصري لا يزال قادرا على المقاومة. لكن الاكيد ان ذلك لن يكون ممكنا من دون موقف حازم من السلطة يقطع الطريق على المتاجرين بالدين ويسمي الاشياء باسمائها من دون خوف او وجل!