قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الليبرالية والعلمانية من الكلمات التى دخلت قاموس حياتنا السياسية منذ فترة ليست بالبعيدة فقد كنا نتغنى بالقومية والإشتراكية والوحدة وربما الديموقراطية (كده.. وكده يعنى)، ولكن منذ هجمة الدين على السياسة بعد هزيمة القومية العربية فى عام 1967، ظهرت شعارات مثل quot;إسلامية.. إسلاميةquot; وquot;الإسلام هو الحلquot;، لذلك كان ولا بد أن يقابلها شعارت أخرى (ما هو الشعارات هو الشئ الوحيد إللى إحنا فالحين فيه)، فظهرت شعارات مثل: ليبرالية وعلمانية (وإختلف الفقهاء هل هى بفتح العين أو بكسرها، وأنا أعتقد أن الناس عامة تفضل العين المكسورة)، وأيضا شعارات أحدث مثل الدولة المدنية ودولة المواطنة كل هذا لعمل توازان quot;شعاراتىquot; مع شعارات الإسلام السياسى.
والسياسيون بصفة عامة هم أفضل من يرفع الشعارات، منذ أن رفع روبسبيير فى الثورة الفرنسية نداؤه: quot;أريد أن أشنق آخر إقطاعى بأمعاء آخر قسيسquot; ثم رفع شعار الثورة الفرنسية الذى إنتشر فى العالم كله: quot;حرية.. إخاء.. مساواةquot;، ثم سمعنا شعارات الشيوعيين فرفع لينين شعار كارل ماركس: quot;ياعمال العالم إتحدوا.. لن تخسروا سوى أغلالكمquot;، وجاءت النازية والفاشية فسمعنا شعار هتلر: quot;ألمانيا فوق الجميعquot;، وقبله كان شعار حزب الوفد فى مصر: quot;لا مفاوضة إلا بعد الجلاءquot; (وهو شعار مضحك مازالت حركة حماس متمسكة به)، ثم جاءت الفترة الناصرية وكانت فترة حافلة بالشعارات والأناشيد، لدرجة أننى أشك أنه كانت لدى عبد الناصر وزرارة سرية للشعارات (بالإضافة إلى وزارة الإعلام)!! وحتى بعد هزيمة عبد الناصر الفادحة فى 1967، ظلت الشعارت ترتفع فكان شعار: quot;لا صوت يعلو فوق صوت المعركةquot;، وأنا أعتقد أن أحد الأسباب الرئيسية لعدم شعبية حسنى مبارك هو فشله فى إختراع أى شعار جديد يردده الناس، ويبدو أن مخترع شعارات عبد الناصر مات وسره معه.
والشعارات لم تقتصر على السياسيين العرب، فهاهو أوباما ينجح بسبب شعاره المشهور أثناء الإنتخابات:
Yes We Can نعم نحن نستطيع
والشعارات لم تقتصر على السياسيين ولكنها إمتدت إلى جمهور الكورة، فسمعنا شعار: quot;الأهلى حديدquot;، وشعار: quot;زمالك مدرسة.. لعب وفن وهندسةquot;
الوحيدون الذين لم يرفعوا أى شعارات هم الذين يعملون فى صمت مثل بيل جيتس (ميكروسوفت) وستيف جوبز (آبل) وغيرهم من شباب الجيل الجديد الذين غيروا العالم الذى نعرفه، غيروه بدون أى شعارات، بل بالعلم والعمل والخلق والإبداع.
...
ولقد قررت أن أقوم بتجربة عن مدى تجاوب المواطن المصرى مع الشعارات المختلفة، فنزلت إلى الشارع لأسأل عدد من المواطنين يمثلون شرائح المجتمع المختلفة عن رأيهم فى الليبرالية والعلمانية، فنزلت إلى قرية بمحافظة المنوفية
وقابلت مواطن يبدو أنه مزارع:
- إيه رأيك فى الليبرالية والعلمانية؟
- آه كويسة جوى!
- هى إيه إللى كويسة قوى؟؟
- اللوبيا ريا والعلم! وبعدين الأدب فضلوه على العلم....إنت عارف دلوقت شيكارة السماد الكيماوى بقت بكام؟ والترعة... العيال بتستحمى فى الترعة والناس بيغسلوا فيها المبيدات، والعيال زى الشياطين ولا بيجرى لهم أيتها حاجة.. غيرش شوية من المرض الخبيث إللى بيقولوا عليه ده
-... ألا والنبى ياسعادة الإستاذ ماتعرفش حد يعين لى الواد محروس إبنى فى المحافظة فى شبين الكوم؟ ده واخد دبلون تجارة بقاله خمس سنين ومش عارف يشتغل وخاطب بنت خاله ومش عارفين نجوزه لأن حماه الراجل النطع ده: آل إيه راسه وألف سيف ما يجوزه إلا لما يشتغل، وأنا حأشغله فين ؟؟
... وإستمر صاحبنا فى الكلام حتى بعد أن تركته.. أخد يكلم نفسه
...
وقابلت أمين شرطة كان يحتسى كوبا من الشاى على مقهى فى حارة متفرعة من شارع الهرم:
- إزيك... ممكن أتكلم معاك شوية؟
- أوعى تكون من قناة الجزيرة دول أخدوا منى أحاديث كثيرة قوى
- لأ مش من قناة الجزيرة، إيه رأيك فى الليبرالية والعلمانية؟
- منه لله الدكتووور البرادعى هو السبب.
- السبب فى إيه؟
- هو سبب الثورة دى، أمريكا باعتاه عشان يبوظ البلد، كنا ماشيين آخر حلاوة، والسياحة كانت ماشية عال العال
- وإنت إيه علاقتك بالسياحة؟
- أنا بأشتغل فى شرطة الآداب
- طيب وإيه علاقة الآداب بالسياحة؟
- ياسعادة الباشا كلك نظر... ناس كثير عرب وخليجيين بيجوا مصر عشان السياحة (ثم غمز بعينه وأشار بيده حركة خارجة)!
- طيب وإنت علاقتك إيه بده؟
- يابيه كان بيدخلنا قرشين كويسين والحمد لله، والعرب جيوبهم مليانة، منه لله البرادعى والفيس بوك.
- طيب ما قلتليش إيه رأيك فى الليبرالية والعلمانية؟
- ياسعادة الباشا ده كلام كبير إحنا ما لناش فيه، شايف الناس إللى ماشيين فى الحارة دول، إللى حيديهم نص كيلو لحمة يوم الإنتخابات حينتخبوه، ولا تقوللى ليبرالية ولا علمانية ولا إسلامية ولا مهلبية.
ولم أجد فائدة من إستمرار الكلام معه.
فذهبت إلى محطة مصر بميدان رمسيس (محطة القطارت الرئيسية بالقاهرة)، ووجدته يحمل على كتفه شنطة مخرمة بلاستيك
- تسمح أتكلم معاك
- أيوه إتفضل يابيه
- إيه رأيك فى الليبرالية والعلمانية؟
- والله ياإستاذ زى ما أنت شايف كده أنا لسه جاى من البلد.. ومش من هنا فالحقيقة أنا ما أعرفش حاجة...عشان أنى جديد هنا!!
...
وذهبت إلى أحد النوادى الرياضية والإجتماعية الخاصة والمرموقة فى القاهرة، وقابلت أحدى الفتيات بجوار حمام السباحة وكانت تهم بأخذ غطس فى المياه
- تسمحى لى بكلمة؟
- أووه... أوكى.. شوور
- إيه رأيك فى الليبرالية والعلمانية؟
- طبعا فيرى جود... عشان نبقى زى أوروبا وأمريكا
- نبقى زيهم فى أى ناحية بالضبط
- فى الفريدام... فى الحرية
- أيوه الحرية شئ جميل ولكن العدالة الإجتماعية مهمة
- طبعا العدالة الإجتماعية فيرى أمبورتانت (مهمة جدا) عشان البلد يبقى فيها بيس (سلام) إجتماعى
- ده كلام جميل جدا، وإيه أهم حاجة فى رأيك حتحصل مع إنتشار الليبرالية والعلمانية
- إن كل بنت ممكن يكون عندها بوى فريند والولد يكون عنده جيرل فريند بدون ما حد يضايقهم
- طيب شكرا
...
وذهبت إلى حى منشية ناصر (من الأحياء العشوائية) ووجدت سيدة شابة جالسة على الأرض تبيع خضروات جرجير وطماطم وفاصوليا، وسألتها
- تعرفى إيه عن الليبرالية والعلمانية؟
- والله يابنى أنا قاعدة أبيع هنا حزمتين جرجير وماشية... وما ليش دعوة بأى حد
- أيوه لكن مش يهمك إللى بيحصل فى البلد؟
- أنا سبت البلد من زمان من ساعة ما أمى ماتت وأبويا أتجوز... ومراة أبويا (منها لله) طردتنى من البيت
- طيب وإنتى ساكنة فين دلوقتى؟
- أنا ساكنة هنا فى منشية ناصر فى أودة مع خمس نسوان غلابة زى حالاتى وبندفع ميت جنيه فى الشهر إيجار للمخروبة إللى ساكنين فيها، الله يخرب بيتك يا مراة أبويا
- طيب إنت مش بتسمعى عن إللى بيحصل فى مصر وإن فيها ثورة؟
- آه طبعا إحنا عندنا تليفزيون وبنشوف قناة الجزيرة على طول، وربنا يخللى لنا الثورة والشبان إللى زى الورد، أهو يابيه من ساعة الثورة دى ما حصلت والبوليس بطل يضايقنا، كانوا الأول تيجى عربية نص نقل مليانة عساكر وتهجم علينا وتاخد الأقفاص إللى فيها الخضار وساعات كانوا بيقبضوا على أى واحدة ويبهدلوها فى القسم، لكن بعد الثورة الحمد لله ما عدناش نشوفهم، أهم راحوا فى ستين داهية
- طيب إنت حتروحى الإنتخابات
- إنتخابات إيه كفى الله الشر؟ أهو سيادة المشير ده باين عليه راجل طيب وفيه الخيروالبركة.
- مش عندك بطاقة رقم قومى؟
- قومى إيه يابيه ده أنا ست زى ما إنت شايف على باب الله...
... وإشتريت منها إتنين كيلو طماطم وحزمتين جرجير وإنصرفت
.....
... وذهبت إلى مدينة الأقصر وهالنى فراغ المحلات من السياح وتوقف الأحوال فى المدينة، حتى الفندق الذى نزلت فيه لم يكن به سوى العاملين تقريبا
وأخذت عربة حنطور من أمام الفندق وطلبت منه أن يوصلنى إلى معبد الكرنك، أحد أفضل الأماكن فى العالم بالنسبة لى، لأننى عندما أكون بين أعمدة معبد الكرنك أتخيل نفسى وقد رجعت آلاف السنين لأننى إبن تلك الحضارة العظيمة
وسألت سائق الحنطور:
- إيه رأيك فى الليبرالية والعلمانية؟
- يابيه والله من ساعة الثورة دى ما قامت وحالنا واقف، والله ولا لك على يمين.. أنا مراتى إبتدت تبيع صيغتها عشان نعرف ناكل ونأكل العيال، وأهى بنتى الكبيرة إتخرجت من معهد السياحة والحمد لله لكن ما فيش شغل، الفندق إللى سيادتك نازل فيه..طرد نص إللى كانوا بيشتغلوا فيه، وطبعا عندهم حق، الخواجات بطلوا ييجوا ومافيش أى مدخول للفندق، ومش عارف الحال حيعقد كده لغاية إمتى، وأهو سمعت كمان الجماعة إللى بدقون عاوزين السياح يلبسوا على مزاجهم وكمان يتحجبوا، بالذمة ده كلام؟؟ ناس جاية تتفسح لها يومين تقول لهم يلبسوا إيه وياكلوا إيه ويشربوا إيه، طيب همه حييجوا عشان إيه، لأجل يشوفوا الأثارات بس ولا يكونوا على راحتهم، طيب ما فيه بلاد كثيرة فيها أثارات، إنت عمرك شفت سياح يروحوا إيران أو السعودية أو أفغانستان، إذا ما سبتش السايح على راحته حيقولك بناقص مصر....
وإستمر يتحدث حتى وصولنا إلى معبد الكرنك بدون أن يجاوبنى على سؤال الليبرالية والعلمانية
...
وختمت لقاءاتى بلقاء مع سائق التاكسى الأبيض الذى أوصلنى إلى مطار القاهرة
فى البداية طبعا نبهت عليه أن يقوم بتشغيل العداد، فتأسف وشغله، وقال:
- معلهش الواحد من كتر التعب ساعات بينسى
- الله يكون فى عونك، وإيه رأيك بقى فى الليبرالية والعلمانية؟
- والله لا مؤاخذة بقى ياباشمهندس مش كله، يعنى فيه ناس تقولك الليبرالية كويسة وبنت ناس وفيه ناس تقولك: لأ ده العلمانية أفضل
- طيب و إنت رأيك إيه؟
- والله الرأى رأيك وزى ما تشوف حضرتك.
- طيب إنت عارف يعنى إيه ليبرالية؟
- لا والله... بس بأسمع الناس إللى بدقون بيقولوا إن الليبرالية دول كفرة وجايين من أمريكا وما فيش مانع عندهم إن الستات تدور على حل شعرهم.
- طيب والعلمانية؟
- أنا سمعت برضة إن العلمانية أنيل من الليبرالية
- إزاى؟
- شيخ الجامع قال لنا بعد صلاة المغرب إن العلمانية دى ما لهاش فى الأديان يعنى حاجة كده لا مؤاخذة زيها زى الشيوعية.
- يعنى شيخ الجامع إللى قال لكم كده؟ وإنت صدقته؟
- ما أصدقهوش إزاى ياباشمهندس ده راجل بتاع ربنا وكل كلامه قال الله وقال الرسول، يعنى ما بيجبش حاجة من عنده.
...وبعدها جلست صامتا حتى مطار القاهرة وآمنت تماما بقول صديقى الدكتور ناصر بأن: quot;المهلبية هى الحلquot;!!
[email protected]