قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الفكرة، كل فكرة تحكمها التجربة في صدقها أو زيفها، كذلك الأيدلوجية مهما كانت، إذ أن ميدان تطبيقها على أرض الوقع هو العامل الوحيد الذي يفضحها ويكشف سلبياتها ونواقصها، حيث ينزلها من مستوى التنظير من على المنابر إلى ميدان العمل في أروقة المؤسسات بجميع مستوياتها. هذا المقياس يشمل بالطبع جميع الأفكار والأيدلوجيات السياسية ومنها الإسلامية بالطبع. هذا يجرنا إلى القول بأن الإسلام السياسي في العالم العربي قد وُضع على المحك في الوقت الراهن حين تصدى للمشاركة السياسية، بل بدأ بقيادة تلك التجربة بقوة وفي دول عدة بعد أحداث الربيع العربي. قد لايخفى على أحد بأن الإسلاميين في مصر قد أحرزوا نتائج طيبة في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة، بشقيهما السلفي والإخواني، وكذلك الحال في تونس والمغرب ومن قبلهما العراق. أما في ليبيا وسوريا فظهور الإسلاميين يبدو أكثر من واضح ومؤثر في المشهد السياسي العام.

إذن، نحن أمام نقلة نوعية في حركة الإسلام السياسي وموقعه ومستقبله في العالم العربي، فمن أروقة المعارضة، بشقيها السلبي والإيجابي، إلى أروقة الحكم، ومن منابر التنظير إلى ممارسة السلطة بشكل عملي. بالتأكيد ستكون هذه النقلة النوعية بمثابة نقطة تحول وتحد كبيرين فيما يخص كيفية التطبق على أرض الواقع فيما كان يُنظر له في عقود طويلة من الزمن. هناك مشاكل كثيرة وكبيرة في هذا السياق ولكني سأختار تحدين كبيرين سيواجههما الإسلاميون الذين يمارسون السلطة بإسم الديمقراطية. المشكلة الأولى هي فكرة الديمقراطية وملائمتها لعقيدة الإسلام السياسي، أما الفكرة الثانية فهي فكرة التسامح وقبول الآخر المختلف في العرق والدين، أي فكرة قبول التنوع.

بالنسبة لفكرة الديمقراطية لابد أن نعترف بأن الإسلام السياسي إلى الآن لم يقدم نظرية تؤسس لحاكمية الناس بدل حاكمية الله التي تأسس عليها الفكر السياسي الإسلامي منذ قرون طويلة، ولم يجد المفكرون الإسلاميون حتى نقطة للإلتقاء بين النظريتين. أما قبول الإسلاميين للديمقراطية فهو من باب التعامل مع الأمر الواقع والقبول به كطريق لحل مشاكل واقعية وحقيقية أو من أجل الخلاص من تسلط الحكام الظالمين الذين ماعاد ينفع معهم لاالدعاء ولا الصبر الذي يوصي به شيوخ السلفية كبديل للثورة. حتى أن الكثير من شيوخ السلفية بدأوا بتغيير مواقفهم من فكرة الديمقراطية التي وصفوها بالكفر والإلحاد من قبل. بالتأكيد، لابد لكل منظري الإسلام السياسي إيجاد مخرجا ً لفكرة حاكمية الله التي مازالت راسخة في أذهان الكثيرين ممن سيصبحون وزراء ونواب في البرلمانات ورؤساء للوزراء. ومن جهة أخرى، لابد أن نعترف أيضا ً بأن فكرة الديمقراطية لابد أن تجلب معها أفكار أخرى هي محل نقاش وجدال وإختلاف عند جميع الفرق الإسلامية، كفكرة العلمانية أو المساواة التي تضع المرأة في مكان لايرضى به الإسلاميون المعتدلون فضلا ً عن السلفيون منهم.

أما فكرة التعددية فهي تتبع القبول بمبدأ الديمقراطية، إذ بمجرد القبول بهذا المبدأ فلابد من الإعتراف بوجود الآخر والسماح له بالمشاركة السياسية وذلك بممارسة السلطة وتشريع القوانين وإحترام خصوصياته الثقافية والدينية. السؤال المهم هو: هل أن الإسلام السياسي وصل لحد النضوج بقبول الآخر والسماح له بالمشاركة على جميع المستويات؟ بالتأكيد لا! أن فكرة التكفير مازالت راسخة في أذهان الكثيرين وإن أرتدوا ربطة العنق، إذ أن أغلب التيارات السياسية الإسلامية هي إقصائية في سلوكها وهي في طور المعارضة فمابالك وهي تمسك زمام الأمور. أن مشكلة الإسلام السياسي هو تحوله إلى أيدلوجية والأيدلوجية في طبيعتها إقصائية ترفض فكرة التعدد، على أن هذه الأيدلوجية أرتبطت بالمقدس وصارت بعيدة عن النقد الذي يمكن أن يطورها. أضف إلى ذلك بأن الإسلام السياسي نمى وتطور في بيئة ثقافية إقصائية تلغي الآخر ولاتعترف بوجوده الثقافي ولا حتى الرسمي في أحيان كثيرة. أما قبول الآخر الذي يبدو واضحا ً في الكثير من تصريحات المرشحين السياسيين أو الساعين للوصول للسلطة من الإسلاميين فإنه يفتقد للإطار النظري الذي يؤسس لفكرة قبول الآخر المختلف، ولاتأتي هذه التصريحات إلا من باب القبول بالأمر الواقع تماشيا ً مع الخطاب الخارجي الضاغط بهذا الإتجاه.

وفي هذا السياق أن من الواضح جدا ً بأن تركيا لعبت وماتزال تلعب دورا ً كبيرا ً، إن لم يكن حاسما ً، في عملية التغيير التي تجري الآن في العالم العربي، وهي بدورها تقدم النموذج التركي في موائمة الإسلام مع الديمقراطية. في نفس الوقت، ينظر الكثير من الإسلاميين، وفي الخصوص المعتدلين منهم، إلى النموذج التركي على أنه نموذج رائد لتجربة دينية في الحكم. على الإسلاميين الذين سيصلون لسدة الحكم في الكثير من البلدان العربية الوعي بأن النموذج التركي مر بمراحل عديدة وطور نفسه بعد أن عدل الكثير من أفكاره التي كان يتبناها بخصوص فكرة العلمانية والديمقراطية وقبول الآخر، وحسبك في هذا الأمر هو إبتعاد حزب العدالة والتنمية الذي يقوده أردوكان عن كثير من أفكار حزب الفضيلة المحضور للراحل نجم الدين أربكان. أن من مبادء حزب العدالة والتنمية هي القبول بالنظام الجمهوري التركي وبفكرة العلمانية التي أسس لها كمال أتتاتورك في بداية القرن الفائت. ومن جهة أخرى، لابد أن نعي بأن الإسلام السياسي التركي قد نمى وتطور في ظل دولة علمانية لاتسمح ببروز مظاهر الدين في الأماكن العامة، إذ قامت بإقصاء الدين من المشهد السياسي لفترة طويلة. أما في العالم العربي فقد نشئ الإسلام السياسي في ظل دكتاتوريات عتيدة لاتبعد الدين فقط بل تستغله وتسيره في جانبها وفي أحيان كثيرة تضربه بيد من حديد لتقصيه ماديا ً ليس فقط عن الحياة السياسية بل الحياة الثقافية والإجتماعية أيضا ً.

إذن، نحن أمام بيئتين مختلفتين في نشوء الإسلام السياسي إذ لاتصح المقاربة بينهما وهما ينتميان لبيئتين وحاضنتين ثقافيتين مختلفتين في بينيتهما وشروطهما. ولكن، يمكن أن يكون النموذج التركي محفزا ً فاعلا ً لإيجاد حلول عملية في كيفية التعامل مع إشكلات حقيقية وواقعية، وإلا سنشهد أفول الإسلام السياسي في الكثير من الميادين بعد أن يثبت فشله إن لم يراع الشروط التي ذكرناها سابقا ً. السؤال الأهم هو: كم ستكون كلفة نهاية الإسلام السياسي للمجتمع من أرواح ووقت وأموال إذا ما تمسك بالسلطة بعد رفض فكرة الديمقراطية إذا لم يحالفه الحظ في تطبيقها؟ إنه سؤال مفتوح ووحده الزمن الذي سيجيب عن هكذا أسئلة!

[email protected]