قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


لماذا انتظرتِ الشعوبُ العربية طويلاً لتنهضَ من رقادها الكئيب؟ ولماذا جاءتِ الصحوة من تونس أولاً؟ هل أوضاعُ الشعب التونسي أسوأ من أشقائه في العالم العربي؟ أم أنّ قربَ تونس من الغرب الأوربي وتعرضها لأفكار الثورة الفرنسية كان السبب في أنها لم تحتمل الظلمَ وقمعَ الحريات كما يقول بعضُ الأخوة التوانسة؟ وفي هذه الحالة لماذا لم تثرْ بقية دول المغرب؟ وإذا كانت تونس لاتشبه بقية أشقائها في مكوناتها البشرية والثقافية والسياسية فكيف أمكن أن تسري عدوى ثورتها إلى بقية الأعضاء كما تسري النارُ في الجسد الواحد؟

أسئلة حاولَ وسيحاولُ عشراتُ المحلّلين والمنظرين الإجابة عنها، وقد لايتوصلون إلى جواب متكامل وشافٍ، فالعفوية التي حدثتْ بها الثورة كانت مفاجئة ومذهلة كأنما عودُ ثقابٍ ألقيَ في غابة ميتة. مع انطلاقة ثورة الشعب المصري من صفحات الانترنت إلى الشوارع احترقت الأسئلة على الشفاه، فحين تتمتمُ الملايينُ بالصلاة وأغاني الحياة لاتعود الأجوبة مهمة.

في أقلّ من شهر يهربُ دكتاتور ويتنحى آخر. ينتصرُ شعبٌ مسالم لم يرفع سلاحاً دامياً، وهذا يمنحُ العربيَّ إيماناً بقدراته وتفاؤلاً وثقة بالمستقبل. لثورة تونس ميزة السبق والريادة، ولثورة مصر أهمية وتأثير كبيران ينبعان من امتداد مساحة الدولة وعدد سكانها وحضارتها ودورها التاريخي في المنطقة العربية، ولهذا كانت قادرة على تغيير ملامح العالم العربي منذ أيامها الأولى. فالرئيس اليمني ورئيس الوزراء العراقي يعلنان أنهما لن يترشحا لولاية قادمة، ونهرُ الغضب والاحتجاج يتدفق في شرايين الخارطة العربية. أمّا عن الداخل المصري فيكفي وقوفُ المسلمين والمسيحيين والليبراليين في صف واحد بعدما تردّدَ أنّ إحدى أهم مشاكل مصر هي الصراعات الطائفية والعقائدية.

يشكّك البعضُ بإمكانية تحقيق أنظمة ديمقراطية عربية في المستقبل القريب، فالأنظمة الدكتاتورية لاتترك مجالاً لنموّ وظهور قيادات أخرى، وبالتالي سيكون البديلُ من رجالات الحكومة السابقة المتعفنة، أو من جيل الشباب الذي فجّر هذه الثورات وهو تنقصه الخبرة السياسية.

لكن ألا تعدّ المعركة السلمية التي خاضها شباب الثورة رياضة سياسية؟ ألم يُشهد لهم بالصبر وحسن التنظيم في الوقت الذي استخدمت فيه الحكومة سلاح الفوضى فخسرت ونجحوا؟ وهل يوصفُ وزيرُ الخارجية المصري أحمد أبو الغيط بالذكاء والحكمة السياسية حين شكك بالجماهير فقال: quot;هذه ليست ثورة الشعب. المحتجون متأثرون بالغرب ويتعاملون معهquot; هل الحرية والخبز والكرامة برأيه مطالبٌ غربية فقط؟!

هناك من يرى أنّ السياسة أكبر بكثير من عملية التنظيف التي يقوم بها الشباب في ساحة التحرير. تماماً كما علّق آخرون على أنديرا غاندي يوم استلامها السلطة بأنها مجرد ربة منزل لاتصلح لقيادة الهند فأجابتهم: quot;سأنظف بلدي وأديره بنفس الحسّ الذي أنظف فيه بيتيquot;.

كانت أنظمة رسمية عربية قد حذرت من الفيس بوك والتويتر كأدوات تجسس لإسرائيل، وحجبتها مع ماحجبت من مواقع فكرية وثقافية. أما المخابرات الأمريكية فقد أهملتها وفشلت في التقاط إشارات الخطر مما جعل استجابتها للأحداث بطيئة كما ترى بام بينسون وباربرة ستار في مقالة على موقع (CNN) بعنوان (هل توقعتCIA الاضطرابات في الشرق الأوسط؟).

الدكتور البرادعي الوحيد بين المرشحين الممكنين لرئاسة مصر أدرك أنّ مواقع التواصل الاجتماعي قد تكون الأداة المثلى للتوعية والتعبئة الجماهيرية والتغيير، فاستخدمها مبكراً في إلهام وتحريض مئات الآلاف من الشباب. في حوار معه على قناة الحرة مسجل قبل الثورة المصرية سأله مضيفه: quot;أتراهن على شباب الفيس بوك والتويتر إذا؟quot; نعم لقد أعلن الفيس بوك والتويتر براءتهما وانحيازهما للحق وللشعوب.

تكمن معادلة الثورة في طرفين: الحرية المطلقة التي أتاحها الانترنت مقابل السجن الكبير الذي تحولت إليه معظم الدول العربية. فالثورة التكنولوجية التي جعلت العالم قرية صغيرة، وتردّي واقع الشعوب العربية يظلان السببين الرئيسين والمفهومين لثورتي تونس ومصر.

رغم انتصار الثورتين مازال أمامهما الكثير من المهام لتصلا إلى الديمقراطية المنشودة، وعلى مصر أن تعالج مسألة التدخلات الأجنبية. ينبّه ستيفن كينزر في (النيوز ويك) إلى موقف إيران الداعم لثوراتٍ ضد الأنظمة العربية مما يهيئها لأخذ دور في المنطقة منافس لدور الولايات المتحدة.

لقد وصف خامنئي ماحصل في تونس ومصر بالثورة الإسلامية. والحقيقة أنهما ضمتا كافة فئات الشعب على اختلاف دياناتهم وتوجهاتهم السياسية، وقد نفى الأخوان المسلمون في مصر هذه الصفة عن الثورة المصرية، ولم يحاولوا أن ينسبوها إليهم، وإنما أعلنوا أنهم انضموا إليها لاحقا لأنها تعبر عن تطلعات الشعب كله. القراءة الإيرانية الخاطئة لن ترشحهم لمنافسة الولايات المتحدة في التأثير في المنطقة، خاصة وأنّ سياسة إيران تتميز بقمع الحريات، مما لايجعلها الدولة النموذج لأي شعب.

أما بالنسبة للولايات المتحدة فهي تدرس جميع الاحتمالات الممكنة لمستقبل مابعد الثورة في مصر. طالما أنّ الأخوان أمرٌ واقع ومؤثر، وحركتهم سلمية ومعتدلة مقارنة بالقاعدة، فلتستفد من هذا بإعطائهم دوراً في الحكومة، ولتضرب بهم المتطرفين. ألم يقل أيمن الظواهري الرجل الثاني في القاعدة: إنّ جماعة الأخوان في مصر هي العدو الأعظم؟
يقول ستيفن كارتر في النيوز ويك في مقالة بعنوان (مصر تبرهن أنّ بوش كان على حق) أنه رغم الاعتقاد الذي كان سائداً بأنّ الديمقراطية لاتناسب الشرق الأوسط، فإنّ بوش دعا إليها. أما زال في العالم من يقتنع أنّ بوش كان صاحب رسالة إنسانية؟ وأنه كان يحلم بالديمقراطية لبلادنا وهو ينشر الخراب فيها؟!

ألا ماأسوأ أن تقارن الديمقراطية التي حملها الغربُ إلى العراق بالديمقراطية التي ناضل من أجلها شعبا مصر وتونس! لاشكّ أنّ الحرية الغربية أثرت فينا إيجابياً، لكنّ العربَ اليوم ينتجون حريتهم ولايحتاجون لمستورد معلّب. إنّ مخاطر الفشل في تبني أنظمة ديمقراطية ليست أكثر من احتمالات النجاح، وإذا تعثرت الديمقراطية في مشيتها كأي وليد جديد، فالملايين تراقبها وتدعمها حتى تستوي وتعتدل بين قامات الحرية في العالم.