قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ليست هذه هي المرة الأولى التي أتوقف فيها عند دروس تجاربنا السياسية العراقية الكثيرة والمرة، منذ العهد الملكي، ولحد اليوم. وعندما سقط نظام البعث الصدامي بالقوة الاميركية أصبح الوضع العراقي محور إدانات وانتقادات عارمة عربية ودولية [اليسار وروسيا وفرنسا وألمانيا وغيرها]، وذلك حتى قبل أن تتطور الاحوال سلبيا، وتدريجيا وصولا للوضع الراهن حيث هيمنة الطائفية والمحاصصة، والتدخل الإيراني الكاسح في كل مناحي الحياة العراقية، وتداعي الخدمات وهيبة الدولة، وحيث يتواصل سفح دماء العراقيين يوميا، وإذ ينتشر الفساد عرضا وطولا، وبما يجعل الفساد المنسوب لابن علي والعائلة ولمبارك والعائلة مجرد نكتة. كان هناك، ولا يزال، إجماع العربي، شارعا ومثقفين ومجتمعات مدنية ومعظم الحكومات، [مع استثاءات]، على إدانة الحرب منذ اليوم الاول، لأن النظام سقط بالقوة الخارجية والأميركية تحديدا، ولأن الفسم الأكبر من المعارضة العراقية هيأت لهذا التدخل ورحبت به، لتعذر إسفاط النظام بالقوة و التضحيات الذاتية. وقيل إن الحرب الأميركية كانت من أجل النفط، وهو ما تكذبه خارطة الشركات التي تستثمر النفط العراقي حاليا، وهي ما بين صينية وتركية وكورية جنوبية، مع شركة شيل الهولندية؛ كما تكذبه من قبل حرب تحرير الكويت حيث لم ينجم عنها استحواذ اميركي على النفط. واليوم نجد منتقدينا من العرب هم من يطالبون بالتدخل الدولي، بل الغربي بالتحديد، [لا من الصين وروسيا وكوريا الشمالية وشافيز!!]، لإسقاط هذا النظام العربي أو ذاك وكأن ذلك أمر طبيعي. وبعد المطالبة بالتدخل في ليبيا، نجد سوريين معارضين يطالبون علنا بالتدخل الدولي، ومنهم السيد عبد الحليم خدام؛ أقول ذلك على سبيل ما يميز الثقافة والممارسة السياسيتين العربيتين من انتقائية وازدواجية بحسب الحالات :quot; لنا حلال، ولكم حرامquot;!

في عدة مقالات سابقة عبرت عن رأيي في أنه، إذا كان الأميركيون قد اقترفوا أخطاء جسيمة في العراق، لاسيما في التخطيط لما بعد الحرب، فإن المسؤولية الكبرى عن وصول الاحوال لما هي عليه اليوم تقع أولا على الطبقة الساسية العراقية، وعلى الخراب الثقافي والاجتماعي الموروث؛ هذا أولا، ومع هذا هناك التدخل الإقليمي، والدوران الإيراني والسوري على الاخص، مع دور المواقف العربية السلبية الصارخة من عراق ما بعد صدام- وأعني خلال السنوات الأولى لما بعد الحرب.

لقد تميزت الثقافة والممارسة السياسيتان العراقيتان، منذ العهد الملكي، بتشنج المعارضة الوطنية، والانطلاق من مبدأ طلب ما هو غير ممكن مع أن السياسة هي فن الممكن، ورفضنا الإصلاح المتدرج، وأدنا كل مشروع او تدبير حكومي وإن كان مفيدا، كإنشاء مجلس للإعمار في العهد الملكي. وفي حينه، كتب خبراء المجلس من الأجانب سلسلة دراسات عن فرص تحول العراق، من بين كل الدول العربية، إلى دولة متقدمة اقتصاديا، نظرا لثرواته المعدنية والمائية وكوادره المدربة. وحين أرى ما يجري اليوم في شارع الانتفاضات، وفي مصر خاصة، وهي التجربة الأهم، أتذكر ما مورس بعد سقوط الملكية مباشرة من فوران غرائز الانتقام والاجتثاث، وممارسات العنف، ولحد الترحيب بسحل الجثث في الشوارع والطرقات، والالتباس بين الشعب وبين الغوغاء الهائجين، وعدم قيام النخب الديمقراطية الصاعدة والمؤثرة بدورها التثقفي والتنويري للجماهير. لقد ساهمنا جميعا، أي كل من اشتغل في السياسة منذ العهد الملكي، في تدهور الأوضاع بعد الثورة، وفي محاصرة الزعيم عبد الكريم قاسم، ذلك الحاكم الفذ، المتسامح، والذي كان يعبد العراق وشعب العراق. والنتيجة اغتياله بخساسة وجبن، واغتيلت الثورة معه. ويتحمل النظام الناصري والبعث دورا كبيرا في الكارثة وذلك بإقحام هدف الوحدة الفورية مع العربية المتحدة واستخدام العنف وأساليب إنقلابية لتحقيق ذلك الهدف التعجيزي. وإن ما يجري اليوم في العراق على أيدي الطبقة السياسية المتناحرة والمتصارعة على الغنائم، وعلى الاخص الأحزاب الدينية المقربة من إيران، وما يسم العملية السياسية من محاصصة مقيتة، إنما يتحمل مسئوليته أيضا، بدرجة واخرى، وبشكل غير مباشر، كل من ساهموا في العمل السياسي منذ عقود- ومنهم كاتب هذه السطور، كما أوضحت ذلك مرارا في كتبي ودراساتي. كما لا ننسى دور التربة الاجتماعية، والتفرعات القبلية، والمذهبية، والدينية، والعرقية، ودور تاريخ العراق، الذي عرف العنف والاحتلالات المتتالية على مر الأجيال، وبما أثر سلبيا على تكوين الشخصية العراقية نفسها.

إن تجاربنا تقول، فيما تقول، إن على المثقف الوطني، الواعي سياسيا أن يقول رأيه وإن بدا نشازا أمام الشارع المقتحم الفائر، فهذا واجبه، كما أن من واجبه دعم نضال شعبه ضد الظلم ومن اجل حياة سعيدة- أي إنه واجب مزدوج: دعم النضال الشعبي، والتنبيه للخطأ عند وجوده، أو حين نتصور أن هناك خطأ، وقد لا يكون كذلك. إن نزعة الوصاية على الجماهير، التي تقترن بالأتظمة الشمولية، ومنها النظام الناصري، ألحقت بالحركات الوطنية أضرارا بليغة؛ ولكن البديل عن الوصاية الاستعلائية ليس تمجيد كل ما يصدر عن الجماهير، والاستسلام أمام كل رغبة وجموح، واعتبار شرعية الحكام هي من الشارع لا من المؤسسات الدستورية المتخبة والمدنية. وإن البديل عن الانفصال عن حركة الجماهير، أو الاستعلاء عليه، أو الصمت عن تحركها الثوري المشروع، [كما حال بعض المثقفين العرب]، هو التوجيه الصبور والمتواضع، والمصارحة بالصعوبات والتحديات التي تواجه الشعب في الطريق نحو تحقيق المستقبل الأفضل.

على ضوء ما مر، وفي النظر لواقع التحركات الثورية العربية الجارية، يمكن القول إن واجب المثقف الوطني التنويري في بلدان الانتفاضات العربية هو أولا إعلان دعمه الصريح، بلا لف ودوران، لانتفاضة شعبه على الاستبداد والفساد، ومن أجل حياة إنسانية كريمة. ولكن واجبه الأساسي هذا لا يلغي واجبه الآخر في النقد، والتنوير بما يراها هي المثل التي يجب أن تقود الانتفاضة الشعبية عندما تكون عفوية وبلا قيادات واضحة المعالم وواضحة الاهداف، وأن يقدم إسهامته بهذا الشأن، وبكل تواضع.

نحن اليوم أمام اندلاع سلسلة انتفاضات عربية، لكل منها خصوصياتها وظروفها، ولكن ما يجمع بينها أنها جميعا انفجارات عفوية وبلا أهداف واضحة غير أهداف quot; الضدquot;: في تونس، ومصر، واليمن شعارات quot;ارحلquot;، quot; حاكمquot;، وأمثالهما، وفي سوريا تتميز الحالة بأقصى قمع دموي وبطش وحشي للمظاهرات الشعبية المستمرة، والتي لم تصل بعد لمرحلة رفع السلاح عكس الحالة الليبية، التي هي عندي حالة ملتبسة جدا ومعقدة للغاية وخطرة، برغم أن ليبيا بحاجة لحاكم غير القذافي. كما ان ما يجمع بين هذه الانفجارات هو أيضا أنها تشتعل في بيئات اجتماعية، وسياسية، وثقافية شديدة التخلف، وحيث الفقر والامية، وحيث النظرات والمواقف المعادية لغير المسلم هنا أو هناك، والنظرة الازدرائية للمرأة في معظم الحالات، وحيث تخضع قطاعات واسعة جدا من الجماهير لتأثير المشايخ والإسلام السياسي والسلفيين، وحيث يختلط الغوغائي والبلطجي بالثائر المتفاني، وحيث ثمة مناخ وتربة لسرقة التضحيات وتسلق النضالات، وإذ تبرز ظاهرة بطولات الكاميرا، وكثرة الادعاءات.

إن الحكام المستبدين يخلقون حالة مركبة ومفزعة حين يضعون الشعب والبلاد أمام مفترقات طرق قد يكون بعضها شديد الخطر، ورهيب العواقب، كاحتمال صعود القاعدة في ليبيا واليمن مثلا، ولكن هذه المخاوف، ومهما تكن وجيهة، لا يجب ان تحول بين المثقف وبين التعبير عن دعمه لشعبه ضد الاستبداد والفساد، فهو ليس المسئول عن وقوع المهالك لاحقا، ولكن من واجبه أيضا التنبيه والتحذير بلا تردد ومجاملة. وإن الجمع بين المهمتين، التأييد من جهة، والنقد والتحذير من جهة أخرى، مهمة في منتهى التعقيد والصعوبة، وقد تكون محرجة جدا. فالجماهير تحب أن تسمع ما يعجبها هي سماعه.

إن البنى التحتية، والثقافة السائدة، والقيم والممارسات المهيمنة، وهي سلبية عموما، تجعل من الخطأ أن نتوقع قيام ديمقراطيات عربية على مدى قريب أو متوسط، ومن الخطأ- كماكتبت في مقالات سابقة- وصف ما يجري بquot; الربيع العربيquot;، لأن الربيع يعني البناء الديمقراطي، كماحدث في أوروبا الشرقية وأسبانيا وجنوب أفريقيا وتشيلي، في حين أن ما يجري عندنا لا يزال في مرحلة الهدم، والتسقيط، والاجتثاث، والمطالبة بالثأر والانتقام لسنوات القهر والفقر. وتعود الفروق بين ما حدث هناك وما يحدث عندنا لجملة من العوامل، ومنها مستوى التعليم وشيوع الأمية، ومدى التطور الاقتصادي، وتاريخ كل بلد، ومحيطه الإقليمي ألخ. نعم، يجب عدم ابتذال كلمة ديمقراطية، التي راح الغربيون أنفسهم يبتذلونها في الحديث عن الارتجاجات العربية الراهنة، مع أن الديمقراطية لم تتبلور وتستقر في الدول الغربية الكبرى نفسها إلا بعد عقود وأجيال، وبعد انتكاسات وانفجارات.

نلاحظ ايضا ندرة النقد الذاتي بين الشخصيات والأحزاب السياسية في البلدان العربية كلها. وهذا من بين أهم أسباب الإخفاقات وتكرر الأخطاء. ولدينا اليوم مثلا الأستاذ هيكل في مقابلاته التلفزيونية والصحفية المطولة وفي صناديق quot;أسرارهquot; ورواياته التي لا تجد مصداقية لدى الكثيرين. هذا الرجل كان منظرا لمغامرات المرحلة الناصرية ولنظام الحزب الواحد والقائد الاوحد، وهو اليوم يقدم لشباب الثورة دروسا وعظات، وينتقد ما يعتبره التساهل مع مبارك. ولا أعلم أين التساهل مع رجل قدم لمصر الكثير، بجنب أخطائه الجسيمة، وقد جُرجِر من شرم الشيخ للسجن رغم كبر سنه ومرضه. هل يقصد هيكل وجوب تصفية الرجل جسديا كما يفهم منه الأستاذ سامي بحيري؟! وهل نسي أن الراحل عبد الناصر نفسه وزملاءه لم يحاكموا فاروق، الذي اتهموه بالأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين وغيرها من تهم كبرى، بل ودعوه سالما بكل احترام وبمراسيم تليق بملك؟!