لم أتفاجأ من زيارة مام جلال الأخيرة الى طهران للمشاركة في مؤتمر(مقاطعة الإرهاب) كون إيران (جارة لنا)، كما لم أتفاجأ من قبول مام جلال أن يستقبله (وزير النفط على آبادي)، لأن الزيارات السابقة تؤكد ان مام جلال لايهتم كثيراً بمن يستقبله مهملاً بذلك كل البروتوكولات الدولية والأعراف الخاصة بهذا المجال كما حدث في زيارته السابقة في شهر آذار الماضي لمشاركة (الشعوب الإيرانية أعياد نوروز) عندما استقبله وزير الصناعة... فلقد تعودنا كتقليد ديبلوماسي وسياسي بروتوكولي ان يكون النظراء في استقبال نظرائهم (الرؤساء يستقبلون الرؤساء والوزراء يستقبلون الوزراء وهلم جراً)، لكن مام جلال لحد هذه اللحظة لايتصرف في هذا المضمار كونه رئيس دولة، ونعتقد بأنه من المفترض أن يلتزم ويحترم البروتوكلات الدولية في هذا الخصوص لأنه الآن لايمثل نفسه ولا يمثل حزبه(الإتحاد الوطني الكردستاني) بل يمثل العراق شعباً وكياناً سياسياً ودولة لها سيادتها، ومهما يكن تبرير جمهورية إيران الإسلامية في هذا الخصوص فإننا لانقتنع بالتبريرات (وهو شيء افتراضي) الإيرانية في تكليف وزير النفط باستقبال رئيس جمهورية العراق، ونعتقد ان إيران أصلاً لن تبرر ولن تتطرق الى ذلك ولا يهمها ذلك، فهي ما زالت تتعامل مع مسؤولي الدولة العراقية وكأنهم مازالوا اؤلئك اللاجئين على أراضيها ويتطلعون لمساعدتها وحمايتها والإلتزام بتعليماتها !... العتب ليس على الإيرانيين بل على الرئيس مام جلال عندما لايتصرف في هذه المحطات والمناسبات كرئيس دولة، ولو كنت أنا مكان الرئيس مام جلال لأستدرت في المطار بإتجاه طائرتي واقاطع أعمال المؤتمر وأعود إلى بغداد وأدعو مكتبي لإصدار تصريح صحفي يشرح أسباب ذلك.

تحتم (الديمقراطية العراقية الناشئة!) علينا أن ندلو بدلونا في كل مفاصل الحياة السياسية، ونذكر المسؤولين عندما ينسون، وندعوهم لمراجعة الذات عندما يرتكبون الأخطاء، ونتمنى من مام جلال أن لايستخدم تعبيره المعروف (كلام جرائد)، بل يفترض بسيادته وهو الرئيس أن يأخذ كلام الجرائد محمل الجد كونه كان صحفياً متميزاً وناقداً في كتاباته عندما كان في بغداد ابان عقد الخمسينيات من القرن الماضي !

من المؤسف أن لايهتم (مام جلال) بالبروتوكولات والتقاليد والأعراف الديبلوماسية الدولية، الى درجة اننا في أوساطنا الإعلامية وعند الجلوس مع (نظرائنا الإعلاميين من غير العراقيين) نكون في موقف الحراجة عندما يقولون لنا (رئيسكم لايتصرف كرئيس دولة!)، نعم نحترم جداً روح الطرافة في شخصه ونحترم تواضعه لكن لا نقبل على أنفسنا أن لايتصرف الرئيس كرئيس وهو الرئيس! نعم قد يجيبنا(مام جلال) وغيره من مناصريه والمقربين منه بأنه يدشن لتقاليد رئاسية جديدة بعيدة عن تصرف الطغاة من الرؤساء وبعيدة عن ثقافة الديكتاتورية، وهذا بحد ذاته (مع كونه تبريراً ارسمه في خيالي لكني سمعته من بعض المعجبين به فعلاً) مرفوض رفضاً قاطعاً، لأن (مام جلال) رئيس دولة ذات سيادة هي جمهورية العراق وهذا المنصب يفرض عليه أن يتصرف في إطار البروتوكولات والأعراف الدولية، فهو يمثل العراق بأكمله، من اقصى اليسار الى اقصى اليمين، يمثل الدولة والحكومة يمثل معارضيه ومؤيديه يمثل النساء والرجال والشباب والأطفال يمثل كل الأطياف يمثل شيوخ العشائر العراقية، بإختصار يمثل كل تلاوين ومكونات وشرائح ومواطني المجتمع العراقي، ولنا أن نطلب منه بتفسير مقنع حول عدم تصرفه كرئيس دولة في هذا المناسبات ولنا أن نعاتبه ولنا أن نطالبه بالتصرف (كرئيس جمهورية)، لا التصرف كذلك الثوري الذي كان يحقق نصراً إعلامياً ومعنوياً عندما كان يلتقي بوزير أو مسؤول اومدير قسمٍ في وزارة خارجية إحدى الدول... مع أن الرجل كان يحظى بلقاءات مهمة مع رؤساء وملوك عرب وغربيين قبل سقوط نظام صدام حسين! كما يفترض به أن لايتصرف مع الأعراف الديبلوماسية كأمين عام لحزبه.

كثيرة هي المؤاخذات على الأداء الرئاسي لـ(مام جلال) وهي مؤاخذات في محلها ونتمنى أن تقوم هيئته الإستشارية(فيها عشرات المستشارين) ويقوم كبير مستشاريه بإعلامه بذلك لا أن يلتزموا الصمت أمامه لكي (يرضى عنهم) وتستمر عطاءاتهم وإمتيازاتهم وترفهم وبذخهم... و نحن كإعلاميين (أقصد غير المتملقين المخادعين المداهنين ) فلنا أن نقول كلمتنا كجهاز رقابي وتقويمي حقيقي في بلد غابت عنه الأجهزة الرقابية(كأداء عملي وحقيقي).

أما بخصوص مشاركه سيادته في مؤتمر (مقاطعة الإرهاب في العالم) وفي طهران بالذات فأعتقد أن الأمر بحاجة الى الكثير من الكلام والتحليل، لأن الجارة إيران لها مواقف سلبية من (الديمقراطية العراقية) وما زالت تتعامل مع العراق كدولة في حالة حرب معها وكأن لها ثأر دم مع العراق على خلفية حرب مجنونة دامت ثماني سنوات بين(نظام حكم صدام حسين) والنظام الإيراني في وقت لم يكن للشعبين العراقي والإيراني أية مصلحة في تلك الحرب القذرة التي يسميها البعض من طرفي النزاع انذاك بـ(المقدسة)، وقد كان من المفترض بمام جلال أن يُذَكر في كلمته الرئيس الإيراني بأن المدفعية الإيرانية تقصف يومياً القرى الآمنة الآهلة بفقراء القرويين الكرد في المناطق الحدودية بأقليم كردستان العراق تحت مبرر ملاحقة ( مقاتلين أكراد معارضين )... وقد كان حرياً بالسيد وزير الخارجية هشيار زيباري أثناء زيارته لطهران قبل اسبوع أن يقاطع الإجتماعات ويعود الى بلده نظراً لأن المدفعية الإيرانية قامت فعلاً بقصف القرى الحدودية في قضاء (جومان) في اقليم كردستان مع توقيت زيارة زيباري لطهران في 21حزيران الجاري...لكن للأسف فبدل الاحتجاج صرح زيباري بـ(أن علاقاتنا متطورة جداً مع طهران).

كان من المفترض ان يدعو الرئيس مام جلال وكذلك الوزير هشيار زيباري المسؤولين الإيرانيين لحل المشاكل العالقة بين إيران والعراق بدل لغة المجاملات وحضور المؤتمرات الشكلية والتي هي للإسهلاك الإعلامي فقط.

middot; على أولياء أمور العراق أن يتصرفوا فعلاً كمسؤولي دولة ذات سيادة.