قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كان ملفتا في الايام والاسابيع القليلة الماضية اتخاذ النظام الايراني مواقف اقلّ تشنجا من الدول العربية الخليجية. من بين هذه المواقف الاستعداد لفتح صفحة جديدة مع المملكة العربية السعودية واعلان وزير الخارجية الايراني علي اكبر صالحي في الوقت ذاته ان بلاده تحترم السيادة الوطنية للبحرين. قبل اربعة اشهر كان الوزير نفسه يحذّر من ان ايران quot;لن تقف مكتوفة في حال اي تدخل سعودي في البحرينquot;.
حصل التدخل، ولم يكن سعوديا صرفا، وذلك بعد شهر من صدور هذا النوع من التصريحات عن الوزير الايراني. وكانت النتيجة ان ايران لم تحرك ساكنا باستثناء متابعة لعب ورقة التحريض المذهبي من اجل اقناع نفسها بانها لاعب اقليمي وان لديها مصالح تتجاوز حدود quot;الجمهورية الاسلاميةquot;.
على الرغم من ذلك، لا تزال هناك شخصيات ايرانية تردد مواقف منددة بدول الخليج العربية تتسم بروح عدائية تجاه البحرين. انها جزء من اللعبة التي يمارسها النظام الايراني والتي تقوم على الابتزاز وليس الاّ. كذلك، يمكن ان تكون هذه اللعبة في سياق المزايدات التي يمارسها هذا المسؤول او ذاك من اجل اثبات انه لا يزال متمسكا بسياسة quot;تصدير الثورةquot; الى الخليج او الى هذا البلد العربي او ذاك، كما لو ان لدى ايران نموذجا ناجحا تصدره الى العالم!
هل التراجع الايراني مجرد تراجع تكتيكي ترافق مع رفض ظهور رغبة واضحة لدى دول مجلس التعاون، خصوصا لدى السعودية والامارات وقطر والكويت في تاكيد ان لا عودة الى خلف في البحرين وان قلب الوضع في المملكة الصغيرة انطلاقا من معايير مذهبية غير مقبول، بل هو quot;خط احمرquot;.
بغض النظر عما اذا كان التراجع الايراني تكتيكيا ام لا، استطاعت دول الخليج العربية وضع ايران في مكانها الصحيح عن طريق التاكيد لها انها لا تخشاها وان هناك توازنا للقوى في المنطقة لا يمكن لاي جهة الاّ ان تاخذه في الاعتبار.
ولت الايام التي كانت فيها ايران تهدد دول الخليج وتخيفها معتمدة على تغيّر موازين القوى في المنطقة في ضوء الزلزال العراقي الذي افتعلته الولايات المتحدة. استطاعت ايران ان تخرج منتصرة من الحرب الاميركية على العراق. هذا صحيح. بل يمكن القول انها المنتصر الوحيد في تلك الحرب. انطلقت مما تحقق في العراق لتجعل النظام السوري تحت رحمتها، خصوصا بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في السنة 2005 واضطراره الى سحب قواته من الاراضي اللبنانية. اوليس الهدف من غزوة بيروت في ايار- مايو من العام 2008 تاكيد ان العاصمة اللبنانية ليست سوى مدينة ايرانية على البحر المتوسط وان هناك ميليشيا ايرانية قادرة في اي لحظة على احتلالها معتمدة على عناصر لبنانية تشكل عديد هذه الميليشيا التابعة لحزب مذهبي مرجعيته في طهران؟ من دون الحاجة للذهاب بعيدا الى خلف، اي الى حرب صيف العام 2006 المفتعلة التي استهدفت اخضاع لبنان والانتصار عليه اوّلا، اوليس تشكيل الحكومة اللبنانية اخيرا دليل على ان ايران هي اللاعب المحوري في الوطن الصغير وانها ستبذل كل ما تستطيع لانقاذ النظام السوري حتى لو تطلب الامر اجبار نواب معينين على راسهم الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وآخرون على خيانة من اتوا بهم الى مجلس النواب؟
اعتقدت ايران انها اخترقت العالم العربي في كل الاتجاهات وعلى كل الصعد وانها اقامت محورا يمتد من طهران الى بيروت مرورا بدمشق وبغداد وصولا الى غزة. حاولت حتى اختراق المغرب الذي تصدى لها بقوة وحزم لمنع نشر الفتنة فقطع العلاقات الديبلوماسية معها من دون ادنى تردد. اعتقدت ان احدا لم يكشف مخططاتها باستثناء الملك عبدالله الثاني الذي امتلك ما يكفي من الشجاعة وتحدث منذ العام 2004 عن quot;الهلال الشيعيquot; بالمعنى السياسي للكلمة وليس بالمعنى المذهبي نظرا الى ان الهاشميين من اهل البيت وانهم احرص العرب والمسلمين على تفادي اي شرخ طائفي او مذهبي من اي نوع كان في المنطقة. المؤسف انه لم يكن هناك من يريد ان يستمع الى مدى خطورة ما يحدث على الصعيد الاقليمي او ان يدرك ذلك. بدا وكأن العاهل الاردني كان وقتذاك في واد، فيما العرب الآخرون في واد آخر لا علاقة له من قريب او بعيد بما يدور فعلا في الشرق الاوسط.
جاء التدخل العربي في البحرين ليضع حدا للطموحات الايرانية في المنطقة العربية وليجبر طهران على اعادة النظر في حساباتها، اقلّه ظاهرا. كان مفترضا ان يحصل ذلك باكرا. كان مفترضا ان يستفيق العرب، على راسهم اهل الخليج لخطورة ما تفعله ايران في لبنان. في النهاية، تظل بيروت خطّ الدفاع الاوّل عن العرب وعن كل مدينة عربية على وجه التحديد بعيدا عن كل نوع من الطائفية والمذهبية. لو احسن الخليجيون التعاطي مع الخطر الايراني على لبنان والذي كان يحظى بدعم مكشوف من النظام السوري، لكانوا دقّوا ناقوس الخطر باكرا ولما كان عليهم انتظار وصول هذا الخطر الى البحرين للقول بالفم الملآن ان كفى تعني كفى.
لا شك ان هناك مشاكل خاصة بالبحرين وان لا مفرّ من اصلاحات معينة في العمق تأخذ في الاعتبار الحاجة الى قيادة شابة تعمل تحت رعاية الملك حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة بديلة من طاقم اكل عليه الدهر وشرب. هذه الاصلاحات يمكن ان تقطع الطريق على التدخل الايراني الوقح الذي يستغل الغرائز المذهبية ويعمل على تغذيتها في كل المنطقة العربية. نعم، كان لا بدّ من الخطوة الخليجية في البحرين. لكن هذه الخطوة لا تغني عن معاودة التركيز على لبنان ودعمه ورفض القبول بالامر الواقع الذي تحاول ايران فرضه في الوطن الصغير بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الاستيلاء على اراضي المسيحيين والدروز في هذه المنطقة او تلك بهدف توسيع رقعة نفوذها في الوطن الصغير وفرض ارادتها على طوائفه...
نجحت دول الخليج العربية في التصدي لايران. هذا النجاح ليس كافيا في غياب سياسة متكاملة يعتبر لبنان جزءا منها كما يعتبر التصدي للمحور الايراني- السوري في اساسها. في غياب مثل هذه السياسة المتكاملة لن يكون التراجع الايراني في البحرين سوى ذر للرماد في العيون في انتظار اليوم الذي تستعيد فيه طهران المبادرة في غير مكان وفي غير اتجاه في هذه الدولة العربية او تلك...