الأهم قبل التحليل والتوقعات أن نسأل سؤالا: من يتحمل مسئولية جر سورية إلى التدويل، وزجها في حمأة التدخلات الدولية، ولا سيما العسكرية؟

هل هم المطالبون بالتغيير، واسترداد الشعب السوري لإرادته الحرة؟ أم هم الذين يكتمون على أنفاسه منذ عقود، ويؤلِّهون ذواتِهم، على حطام تطلعات السوريين في الحياة؟

ثمة من يقول إن المتظاهرين والمعارضة كلها تتواطأ، ولو دون تصريح، مع الأطماع والمؤامرات الخارجية، والأمريكية، على نحو أبرز.

مع أن المتتبع للمواقف الأمريكية، منذ بدء التظاهرات السلمية في سورية، وحتى مُضيِّ أشهر، على القتل الوحشي، يجدها كانت تتباطأ في نزع الشرعية عن بشار الأسد، بل وصفته بالإصلاحي، ثم نسقت مع تركيا، تنسيقا معلنا؛ لمنحه الوقت، واحتواء الأزمة، وكان آخر ذلك مهلة الأسبوعين، عقب زيارة وزير الخارجية التركي، أحمد داود أغلو، إلى دمشق.

وبغض النظر عن الأسباب التي تدفع الولايات المتحدة إلى هذا التريث، أو حتى الاستبقاء لهذه القيادة التي تحسنت علاقة الإدارة الأمريكية بها، برغم معارضة الكونغرس، وعينت سفيرا أمريكيا في دمشق، لا يزال حتى هذه اللحظات الحرجة والعزلة السياسية التي تضيق على رقبة النظام السوري، لا يزال يجتمع بوزير خارجيته في دمشق، ويبحث معه، سبل الخروج من هذه الأزمة!

بالطبع لم يعد بالإمكان، دوليا، وأمريكيا القبول بالنظام، كما هو، لكن ربما لا يزال هناك أمل في قدرته على إنجاز إصلاحات ديمقراطية، تنهي احتكار السلطة، وتقر مبدأ المشاركة, والتعدد، والتداول، وحرية الرأي، والإعلام.


ولكن من الناحية الواقعية هل اقترب التدخل العسكري في سورية؟
هناك عدة معطيات تشير إلى نفي ذلك، منها:

-على الساحة السورية والعربية الشعبية والنخبوية: ترفض المعارضة السورية هذا الشكل من التدخل، ويوجد رأي عام في الداخل السوري، وفي المحيط العربي لرفض هذا النوع من التدخل، بعد التورط، والاستعصاء الذي جُوبه به تدخل الناتو في ليبيا.

-هذا الرفض للتدخل العسكري الخارجي يضعف- في حال وَقَع- موقف المحتجين والمعارضة، وقد يشكك بوطنيتها، ويخدم مزاعم النظام عن أن الباعث الحقيقي لهذه التظاهرات السلمية هو خارجي تآمري.

- موقف الجامعة العربية، ودول عربية، معها، لا يزال غير حاسم، في التنديد بجرائم النظام في سورية، ولا تزال الجامعة العربية، واقفة، عند حدود القلق، والأسف العام، دون تسليط التنديد على القوات الأمنية والجيش الذي يعلنها حربا، على رؤوس المدنيين، ويعزل المدن والقرى ويحاصرها...


- الموقف التركي المدعوم والمنَسَّق، مع الدول الأوروبية وأمريكا، لا يزال دون هذه الخطوة، ويستبعدها، على الأقل، في الوقت الراهن.

-مجلس الأمن لا يزال غير متفق، حتى على التنديد بجرائم النظام في سورية؛ فلا تزال روسيا والصين ترفضان التصويت لصالح قرار يدين.

-تجربة الناتو غير الناجحة، حتى الآن، في ليبيا، والتكاليف الباهظة التي تطلبتها تلك العمليات، والوقت الذي فاق التقديرات، ثم الخلافات بين الدول المشاركة، والتي لا تنفك تطفو على السطح، بين الحين والآخر، كلُّ ذلك لا يشجع على تكرار التجربة.

-ثم قد يكون لطبيعة الموقع الذي تشغله سورية، وحساسية المنطقة، بما فيها من نزاعات، وخلافات معلنة، ومبيَّتة، حيث إسرائيل، وإيران، والعلاقات غير الآمنة، بكل منهما، على اختلاف بينهما. فقد تتدخل إيران، بشكل أفْعل، للدفاع عن تحالفها، وحليفتها، سورية. في وجه ما تعتبره مؤامرة دولية، وتخدم دولا في المنطقة، ومحورا مواجها، يشمل دول الخليج، وتركيا، والأردن.

-ومن العامل الأخير تتفرع إسرائيل، بما يعنيه انفلات الوضع في سورية لها، والمخاطر التي قد تنتج عن انفراط السيطرة المركزية للدولة في سورية...
فما البدائل؟
وليس من الغريب أن نصدق أن الدول الغربية، وعلى رأسها أمريكا، لا تتوفر لديها خطة واضحة ومبلورة، ومضمونة؛ لحل التأزم في سورية. وما تفعله، هي، والأطراف الدولية الموافقة لرؤيتها، والإقليمية، وأهمها تركيا، هو احتواء الموقف، والدفع نحو إجبار النظام على التخلي عن السلطة، أو القيام بإصلاحات حقيقية، وتتعاون مع بعض أطراف المعارضة، للتجهيز لما بعد نظام الأسد، وقد تحاول الاتصال بقيادات في الجيش، ومن داخل العائلة الحاكمة؛ لإقناعهم بالتخلي عن نظام لم يعد بالإمكان التعويل عليه...

ومن أجل إضعاف نظام الأسد، أو إخضاعه تعمل على الصعيد الدبلوماسي، في مجلس الأمن؛ لتضييق الخناق عليه، وإقناع الدول المساندة له، وهي روسيا والصين، وقد بدا على الموقف الروسي قليل من التحول؛ فصار يحذِّر الأسد من مصير محزن...

كما تعمل واشنطن، والدول الغربية على توسيع العقوبات الاقتصادية؛ لحرمان النظام من بعض التمويل اللازم؛ لكي يستمر في الإنفاق المدني، والقمع المكلف.

وفي نهاية الأمر يتحمل النظام المسئولية عن دمار البلد، وانفتاحه على خيارات صعبة ومقلقة، للشعب السوري والمنطقة، ونظرا للإصرار الشعبي، في قسم لا يستهان به من السوريين، الرافض لبقاء الأسد، بعد كل الفظائع التي ارتكبتها قواتُه، فإن تخليه عن السلطة هو بداية الحل، ولا سيما أن (بشار) لم يظفر بها، بطريقة شرعية، وانتخابات حقيقية، بل بالتوريث، و(التفصيل) في الدستور ؛ فلْتخرجْ سورية من هذا المأزِق؛ بإعادة القرار للشعب، وإجراء انتخابات عامة، وليترشح حزبُ البعث؛ ليرى إن كان سيفوز بالحكم مرة ثانية، ما دام أنه حزب من ضمن أحزاب أخرى، وما دام أنه حزب حقيقي، لا واجهة لإيصال شخصيات بعينها؛ فليس الأشخاص هم الأهم، في سبيل وحدة الوطن، واستقراره، وبقاء السلم الأهلي.
[email protected].