قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

منذ أن بدأت المظاهرات تخرج من الجوامع والمساجد، لاسيما في أيام الجمع، كظاهرة من ظواهر الثورات العربية، دار حديث طويل عن دور الدين في تلك الثورات وما إذا كان ذلك الدور انعكاسا لأثر الجماعات الإسلامية في الفضاء العام.
وإذا كان بعض المثقفين جعل من ذلك الطابع للثورة في سوريا سببا للتوقف في تاييدها ـ كالشاعر أدونيس ـ فإن ثمة الكثير من الأسئلة لا بد أن تنشا ضرورة حيال إعادة تعريف دور الدين في الثور السورية.
بداية لابد من القول أن الحديث عن الدين يأتي دائما في سجالات المثقفين العرب وقراءاتهم للثورات من خلال هاجس الجماعات الإسلامية، وما يتصل بذلك من تأويلات، ربما تنبع في الأساس من تاريخ شخصي لعلاقتهم بالدين ضمن تصور ما أكثر من كونها تأويلات معرفية جادة وذات طابع حيادي.
والحال أن ما يمكن رصده عميقا هو أن دور الدين كحاجة إنسانية في مثل هذه الأحوال المضطربة يستدعي تسييلا وتسخينا فطريا في قلوب الناس ووجدانهم، لا بحسبانة شعارات آيدلوجية، بل بحسبانه ملاذا في وجه المصائب المتصلة بمشاعر الخوف الفطرية لدى الإنسان، كالموت والحرب وغيرها.
بمعنى آخر أن الدين هنا يحضر كإيمان ضروري للتماسك، لا كأجندة سياسية، كما أن الخروج من المساجد جاء نتيجة للإنسدادات التي طالت الفضاء العام ومساحاته المتصلة بوجود الجماهير كالساحات والجامعات والمنابر الأخرى. وحين تتصل حياة الناس بممارسة طقوس مفروضة عليهم كدفن الموتى، أو تكفينهم أو الاستعداد المستمر للوقوع في الموت، كل هذه الأمور تستدعي بالضرورة حضورا للإيمان الديني، وشعاراته وهتافاته.
والناس هنا حين يرددون مثل هذه الشعارات يبحثون عن تماسك داخلي يعينهم على تحمل ضغط العنف والقتل والتعذيب الذي يطالهم من قبل سلطة غاشمة، تقوم بتلك الأعمال ضمن تصور ألوهي لقوتها.
هكذا يأتي حضور الدين هنا في مستوى إيماني خام، يمكن القول أنه مستوى يخترق جميع طوائف الشعب السوري وبحسب مختلف معتقداتها، أي أن لحظة حضور الدين بطبيعتها تلك لا تستدعي شقاقا أو خلافا لأن الحضور الديني هنا يتجه نحو الذات لا في وجه الآخر.
بيد أن الآخر الذي يرى في هذا الحضور تخويفا له إنما هو النظام الذي يستنفر كل تصوراته الجمعية المتصلة بطائفته، ليجعل من تلك التمثلات الدينية الخام في هتافات الشعب كما لو أنها شعارات ضده، وهو إحساس يخلق حالة هستيرية في العقل الباطن للنظام، لا يرى معه ذلك المعنى الطبيعي لحضور الدين في مثل تلك اللحظات العصيبة.
بيد أن هذا الإحساس المتصل بالدين على هذا النحو في يوميات الثورة السورية، ووفق مساراتها العسيرة، انعكس أيضا كحالة من حالات التعبير عن التماسك لا في مواجهة النظام فحسب، بل كذلك في مواجهة صمت العرب والعالم، كذلك الشعار الذي أطلقته الثورة على جمعة (الله معنا).
وهكذا سنجد أن هذه الحالة الدينية ـ إن صح التعبيرـ تجد معناها طبيعيا وبلا غرابة خصوصا مع حلول شهر رمضان المبارك.إن حالات الإحساس بالإيمان الديني في وجه الشدائد والمصائب، لا تختص بالمؤمنين فحسب، بل هي ظاهرة إنسانية تخترق جميع البشر حين يواجهون مواقف حرجة تتصل بالموت والحرب والخطر
من هنا فإن ما يتصل بالإيمان الديني في مثل هذه اللحظات من تصورات إيمانية تصدر عن الناس في أحوال الشهداء والدعوات لهم ينبغي أن يكون مصدر احترام الناس لأن مثل هذه المواقف الصعبة قد تبدو أحيانا ـ في تعليقات بعض المعلقين ـ كما لو أنها بذاتها مصدرا للسخرية، وعادة ما يكون سبب السخرية تصور آيدلوجي مادي أكثر منه إدراكا واحتراما لعقائد الناس وتصوراتهم.
يمكننا القول حتى الآن أن التعبيرات الدينية التي يواجه بها الشعب الثوري بطش النظام وسطوته هي امضي الأسلحة إلى جانب الشعور الوطني والوحدوي الرديف أما فيما يتصل بالمكونات الإسلامية السياسية المنخرطة في الثورة لاسيما جماعة الإخوان المسلمين، فإن ثمة الكثير من الاستحقاقات المشتركة يمكن أن تكون مكانا للنقاش وتدوير زوايا الرأي لوصول إلى رؤية وطنية مشتركة معهم.
من شان النظرة الفاحصة لطبيعة الدور الديني في مجريات الثورة السورية أن تجعل من فهمها لذلك الدور سياجا مانعا من الدخول في تأويلات مضللة تساعد النظام في جر البلاد إلى حرب من خلال ضربه للرموز الدينية ـ كما ضرب مآذن المساجد في العديد من المدن السورية.
لقد حان الوقت لطرح المقاربات المعرفية في الظواهر المتصلة بالثورة الثورية، كظاهرة الدين وغيرها، لقطع الطريق على من يخرج بتأويلات مضللة أو سخريات قاتلة نتيجة لجهله أو استخفافه بما يتصل بعقائد الناس في مثل هذه اللحظات الحرجة.
إن التعبير الأسمى لدور الدين في الثورة السورية هو الوجه الآخر لسلميتها.
أما الدور السياسي للدين عبر الأحزاب الإسلامية، فربما كانت الطريقة الوحيدة والآمنة للتهويل من الأساطير العلمانوية المتصلة به تكمن في الديمقراطية.
ففي ظل الحرية والثورة ؛ فإن دورة انتخابية واحدة لتجريب الأحزاب الإسلامية للحكم عبر الديمقراطية كافية لنزع الهالات والأوهام المتعلقة بها، ليس بالنسبة لتك الأحزاب وللشعب الذي ينتخبها فحسب، بل وكذلك للعالم أجمع.
[email protected]