قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

محاكمة الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك لا تأتي كلحظة تاريخية فارقة فحسب، بل تمثل بداية الخروج من نفق القرون الوسطى. فما يحدث الآن وهنا في مصر لم يسبق له مثيل منذ أيام معاوية ابن أبي سفيان. ولهذا فإن هذه المحاكمة لا تتصل بإسقاط المعنى الرمزي والتقديسي لشخص الرئيس الذي يندرج عادة في مصاف الآلهة في هذا الجزء من العالم المسمى عربيا بل كذلك تأتي تعبيرا ملهما وعميقا من حيث تأثيرها على مجريات الأمور والأحداث الثورية التي تقع في الجوار العربي؛ في ليبيا وسوريا واليمن.
فالمحاكمة إذ ترد تعريف الكثير من المفاهيم إلى معناها الحقيقي، مثل مفهوم سيادة الشعب، تنعكس إحساسا حقيقيا يخترق أعماق الملايين من المصريين، وكل فرد منهم بقيمة هذا الشعور، فضلا عن الإحساس الذي يشيع معنى العدل في نفوس كل المصريين سواء أكانوا من ذوي شهداء الثورة أم من غيرهم.
وهكذا فإن لحظة محاكمة مبارك لا تقل عظمة عن لحظة التنحي في 11 فبراير 2011، بل ربما كانت هذه اللحظة الدلالة الحقيقية لمعنى التنحي لأن في استكمالها تتحقق مصالح كثيرة للشعب المصري بتخفيف الاحتقان والشحن الذي ظل مهيمنا على مظاهرات الجمع طوال الأسابيع الماضية.
بيد أن ما يعنينا أيضا هو اختبار الدلالة الرمزية والتاريخية لهذا الحدث في كونه علامة لبداية الخروج من القرون الوسطى في العالم العربي.
فما يجري في سوريا وليبيا على مرأى ومسمع من العالم؛ من قتل متوحش وعنف مميت لمجرد أن يطالب الشعب بحقوقه المشروعة، يدل تماما على حقيقة انحطاط المستوى الروحي والأخلاقي للحكام في هذا الجزء من العالم، وهي دلالة لا تقبل الجدل ولا يرقى إليها الشك في أن هذه المخلوقات المتخلفة تعيش بعقلها في عالم القرون الوسطى، بحيث لا يشفع معها أبدا تلك الصور الخادعة واللامعة بأجمل أزياء الحداثة التي تظهر على شاشات التلفزة للرئيس السوري بشار الأسد مثلا، ولا ما يدعيه من القاب !
إن محاكمة الرئيس المصري تستدعي الكثير من الدلالات، تأتي في مقدمتها دلالة تحقق النموذج؛ فالحدث بذاته دال على صورة مسبقة وواقعية لمآل أولئك الرؤساء من أمثال بشار الأسد والقذافي. ولا نعدو الواقع إذا افترضنا أن مجريات تلك المحاكمة كانت في ذروة اهتمام القذافي والأسد لحظة انعقادها في القاهرة.
إن تحقق النموذج بذاته ـ أي تلك السابقة الأولى التي مثل بموجبها الرئيس المصري للمحاكمة أمام الشعب ـ سيكون ملهما للشعبين السوري والليبي وكذلك الشعب اليميني بضرورة تسريع ذلك اليوم الذي سيحاكم فيه الديكتاتور الذي يواجهونه، لاسيما وأن حيثيات محاكمة السوري والليبي تتجاوز حيثيات محاكمة مبارك لجهة القتل المفرط والإسراف الكبير في إزهاق الأرواح.
وبالرغم من أن المحاكمة ستعكس احتمالا راجحا في نفسية ديكتاتور من طينة بشار الأسد أو القذافي، ليستمر في مواجهة الشعب بالقتل حتى النهاية، فإن هذا الخيار من ناحية أخرى سيكون هو الانتحار بعينه، وسيعجل بتسريع ساعة الحسم بطريقة أكثر عنفا.
يظن كثيرون أن مجرد العيش في العالم الحديث واستخدام تقنياته المتقدمة يعني أنهم جزءا من ذلك العالم، فيما الواقع أن ما يحدث من أفعال مخزية على يد ديكتاتوريي هذه المنطقة؛ من قتل عشوائي وتفنن في التعذيب وإزهاق أرواح الأطفال والنساء، يعيدنا باستمرار إلى تلك العلامة الفارقة على دلالة التخلف العظيم الذي تعيشه هذه المنطقة.
إن مانراه طبيعيا وعاديا في محاكمة الرؤساء والمسؤولين الغربيين عبر شاشات التلفزة، ليس بتلك السهولة التي تختزنها عقولنا وتبحث لها عن مقابل لها في عالمنا العربي. فالوصول إلى تلك الحالة الإنسانية المتقدمة في تحكيم العقل لحل المشكلات السياسية اقتضى من المجتمعات الأوربية حروبا أهلية ومذهبية طاحنة ودماء غزيرة، ومحطات من الألم الجماعي في تاريخها.
بمعنى آخر أن إدارة السلطة وتداولها بالعقل ليست بتلك السهولة، فالسلطة كانت ولا تزال من اخطر أدوات إنتاج الآلهة البشرية إذا كانت مطلقة وبلا رقابة، وتتحول من ثم إلى غريزة متوحشة في البشر.
هذه الحقيقة المرة من تجربة الإنسان مع السلطة المطلقة في التاريخ الإنساني كله لابد أن تعلمنا أو تفسر لنا استحقاق ما يجري اليوم في المنطقة العربية.
إنه إدراك متأخر ومؤلم بأن استحقاق الخروج من نفق القرون الوسطى سيقتضي مثل هذا الثمن الفادح من الدماء والضحايا، وان ما يجري الآن وهنا في الشرق الأوسط قد جرى مثيله في تاريخ الأمم التي خرجت من الأزمنة القديمة إلى العصور الحديثة.
لكنه في المقابل سيكون ثمنا غاليا لإدراك المعنى الحار والحقيقي للحرية والقانون والدستور ومعنى الشعب وسيادة الشعب، وغير ذلك من المفاهيم التي كانت تطلق جزافا وهوائيا على الرعايا والقبائل والطوائف في هذا الجزء من العالم.
وكما كتب الزميل عبد القدر الجنابي بحق في هذه الخانة، فإن استحقاق الخروج إلى الحداثة و الوعي بحقائق الأشياء لابد أن يمر عبر علميات جراحية قاسية للخروج من نفق الهويات الصغيرة والمتعفنة وكسر أنساقها الطائفية والقبلية والمذهبية. وبهذا المعنى أيضا قد يكون (الإنحلال حلا) كما كتب الأستاذ ياسين الحاج صالح ذات مرة.
[email protected]