قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

(والخيل و البغال و الحمير لتركبوها و زينة) سورة النمل
ماجرى من هرج ومرج في ميدان التحرير يوم الأربعاء الماضي عبر عصابات النظام المصري التي جاءت بالبلطجية على ظهور الجمال والبغال ليروعوا المتظاهرين كان مشهدا مثيرا للاستغراب. فهو بحسب كثيرين بدا مشهدا خارج المألوف لا بسبب غرائبيته التي تدرجه في عالم القرون الوسطى بامتياز ؛ بل ربما كان يعكس في تأويل آخر تلك الذهنية المتخلفة والمغرقة في نزعتها الاستبدادية بأشد الصور إيغالا وابتذالا. لقد كان المشهد كاشفا وعميقا في مغزاه حيال تأويل السلطة في هذا الجزء من العالم المسمى عربيا. فمفهوم الراعي والرعية الذي لا يجد معناه إلا في هذه المنطقة عبر علاقات سلطوية قاهرة كان يجد في ذلك المشهد أشد الصور التاريخية المتخلفة تعبيرا عنه. لكن المفارقة أن دلالة هذه المشاهد أبت أن تعبر عن وجهها القبيح إلا في سياق ظل يتكشف باستمرار منذ يوم 25 يناير. فعبر سلسلة من الاحتجاجات الحضارية للشباب المصري المستنير كان النظام يعكس بصورة طردية مدى تخلفه في ردود الأفعال التي اتخذها ضد المتظاهرين. ففيما بدا الشباب منظما وسلميا في حراكه الثوري، بدا النظام فوضويا وعنيفا في ردود أفعاله. لقد ظلت هذه الإنتفاضة تختبر على المحك مصداقية نظام مبارك حيال الديمقراطية والتعددية حتى حشرته في زاوية ضيقة، وجعلته يكشر عن قناعه الأشد تخلفا ودموية ؛ الأمر الذي ربما يقدم لنا مقياس مقارنة لما يمكن أن يحدث لاحقا مع أنظمة عربية أخرى أشد وحشية وتخلفا من النظام المصري. نحن هنا أمام مجموعة من الأساطير تتهاوى واحدة تلو الأخرى ؛ فالشرطة التي كانت تخيف المصريين بسياطها اختفت فجأة وذابت، بل واستوي غيابها ذاك علامة فارقة على الفوضى والجريمة والنهب في ظاهرة عجيبة غريبة دلت تماما على تناقضات تأخذ معناها من منطق التخلف الذي يفسر الأمور بأضدادها. ففي ذهنية التخلف يعجز العقل عن التجريد والفرز ويفسر الشيء وضده في سياق واحد. وهكذا لم يكن فقط اختفاء الشرطة هو المفاجئ بل قد استدعى ذلك الاختفاء خروجا للمجرمين من السجون في توقيت واحد بالعديد من المدن المصرية ليكشف النظام مرة أخرى عن مدى التوحش الدموي في طريقة تعاطيه مع مطالب الديمقراطية الحقيقية. إن استدعاء المساجين وأربا السوابق وتحويل رجال الأمن إلى مجرمين هو تركيب معقد في طبيعة وذهنية النظام الذي يطلق قوى الشر من أعمق أعماقه حين يختنق، ويبدي توحشا لا توازيه إلا تلك المناظر القروسطية الكاشفة عن حقيقته ورؤيته لطبيعة العلاقة مع الآخر المختلف. من كان يتخيل منظر الحمير والجمال والخيول والسيوف والوجوه الملثمة في مواجهة شباب متحضر وأعزل جاء إلى ميادين المدينة ليحقق مطالب أصبحت كالماء والهواء في العالم الحديث ؛ كالحريات والحقوق والعدالة والديمقراطية ووو، ففوجئ بالحمير والجمال والسياط على ظهره ؟! إنها من اللحظات الفارقة التي تكشف عن ركام من التخلف القبيح في وجوه الأنظمة العربية حين تمارس لعبة السلطة وهي عارية أمام إرادة الشعوب. مثل هذه اللحظات لا تعيد لنا تاريخا مخزيا حسبناه من الماضي السحيق فحسب ؛ بل تكشف لنا عن تلك الطبقة المتخلفة من منظومات حكم متواطئة عبر إجماع صامت مع ذلك الاستعصاء الاستراتيجي المنظم كأحد الأسباب المعيقة للحداثة السياسية.لقد أكتشف شباب مصر عبر انتفاضتهم التي جعلت من العالم الحديث يواجه اختبارا أخلاقيا قاسيا، أهم الأسلحة في مواجهة الاستبداد البدوي العربي الضارب في هذه المنطقة، وذلك عندما هزموا الخوف في أعماقهم وتحرروا عبر المعرفة والشجاعة، وأدركوا أن الحريات في هذا الجزء من العالم ليست من معطيات الطبيعة فأبطلوا سحر الطاغية بمواجهة الخوف. من كان يظن أن مبارك الذي طالما روج للاعتدال والديمقراطية في هذه المنطقة يمكن أن ينحدر إلى هذا الدرك في استخدام تلك الأساليب البدائية والمتوحشة ؟ واليوم إذ أصبح رحيل مبارك مسألة وقت، فإن أعظم ما اكتشفه الشعب المصري في يوم 25 يناير 2011 هو سحر الطاقة البشرية الكامنة في إرادته. فحين تتحرر إرادة شعب ما لا تصبح وصفة فعالة لاقتلاع الديكتاتور فحسب وإنما تظل باستمرار ـ عبر إدمان الديمقراطية ـ قادرة على ضبط إيقاع الحرية وتحصينه في وجه الفوضى والاستبداد... لعل من مفارقات (معركة الحمير في ميدان التحرير) أن تتفاعل الحداثة ضد البداوة المتخفية وراء أقنعة السلطة عبر الفوضى الدموية والعنف والجنون ؛ لتكشف قبحا بدائيا في مثل هذه اللحظات الحرجة، بالرغم من أن السلطة هي التي تحوز في العادة التيسيرات المادية للحداثة. إنها معركة تتقاطع فيها الرموز بطريقة تختبر المفاعيل الفاضحة للبداوة حين تبدو وجها قاسيا للسلطة فتتماهي مع وسائلها البدائية من الجمال والحمير والبغال في جغرافيا حداثية بامتياز أي في تلك الميادين التي هي إحدى مظاهر المدينة، ودلالة من دلالات العمران البشري. إنه مشهد ربما أعاد لنا تساؤل الشاعر أبو نؤاس عن فارق الحضارة والبداوة إذا استعرنا بيته التالي
فأيْنَ البَدوُ مِنْ إيِوَانِ كِسْرَى = وأيْنَ مِنَ المَيَادِينِ الزَّرَوبُ*
[email protected]
*
الزروب = جمع زريبة وهي الحظيرة