قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الحياة الروحية في رمضان تمنح الناس استعدادا للتكيف معه منذ اليوم الثاني منه إذ تدل على هوية خاصة ومتجذرة في حياة المسلمين. ففي شهر رمضان تكتسب المسحة الدينية والعبادية طابعا عموميا في حياة الناس بصورة تذكر الكثيرين بأن الإسلام بطبيعته الفطرية لا يمكن أن يكون إلا ملكا عاما لجميع المسلمين بعيدا عن التأويلات التي تزعم فهما احتكاريا وحصريا له في تصورات الجماعات الإسلاموية وما ينشأ على هامشها من ردود أفعال آيدلوجية بين التيارات المختلفة. فهذا الشهر الكريم يعيد تعريف صورة أولية مشتركة وجميلة بين جميع المسلمين حين يعكس تدينهم واهتمامهم بعبادة الصوم وما يصاحبها من عادات ومشاعر وذكريات راسخة عبر مئات السنين؛ ذكريات يملكها الجميع حيال الإحساس بقيمة خاصة لهذا الشهر ومشاعر جميلة يعيشها الجميع مع نفحات هذا الشهر. إن كرامة شهر رمضان في اللازمة الرمضانية الشهيرة (رمضان كريم) تعني معنى الكرامة تماما فالكريم هو النفيس ذو القيمة بالإضافة إلى معنى الكرم الذي يصاحب نفوس الناس في هذا الشهر : كرم الأخلاق، وكرم المال، وكرم العطاء وما إلى ذلك من حساسية خاصة لجهة السلوك الرقيق الذي يصاحب الصوم عادة في تصرفات المسلمين. لا نريد الخوض في ترديد مفاهيم كلاسيكية تلوكها ألسن الناس في البرامج الدينية بصورة مكرورة ومعادة دون أي روح أو فعالية، ولكننا نريد أن نختبر علامات تتصل بهذا الشهر في حياة المسلمين وتعكس الكثير من المعاني الروحية والاجتماعية والتاريخية. إن قوة القيمة التاريخية لرمضان على مشاعر المسلمين والتواطؤ العام الذي ينشأ بينهم حيال مشاعر فطرية جميلة هو من أهم العلامات التي تعيد للكثيرين تعريف الطبيعة المشتركة لإحساس المسلمين بالدين الإسلامي في أصوله وتشريعاته. وهذه العلامة الخارجة عن أي تأويل خاص في علاقة المسلمين مع رمضان هي إحدى علامات تؤشر على قيمة الإسلام كدين إنساني بعيدا عن أي آيدلوجيا حصرية من آيدلوجيات الجماعات الاسلاموية. فرمضان بما ينطوي عليه من توحيد مشاعر روحية مشتركة بين المسلمين وإشاعة نمط عام ينحو إلى التطهر بمعاني الصوم وتجديد العلاقة الروحية مع القرآن الكريم يختبر دون أن ندري تمثلات دينية تاريخية تعكس بدورها حالة من التصالح الفطري مع النفس لتجديد قيم إنسانية عبر تجربة العطش والجوع والإحساس المشترك بمعنى الحرمان المفضي لخلق التعاطف الإنساني والمشاركة الوجدانية مع المحرومين عبر تلك التجارب. بيد أن ذلك الإحساس الشديد بالجوع والعطش في معنى آخر يمنح الفرد حالات ذهنية صافية للتأمل. فالصائم حين يمسك عن يوميات العيش المتصلة بالأكل والشرب يتفرغ للكثير من لحظات التأمل ومشاعر الضعف الأصلية ويختبر قدراته الكامنة في الصبر والتحكم بالغرائز وهذه كلها سمات تمنح إنسانيته رصيدا عاليا يجعله أكثر قربا من حالات التسامي في درجات النفس لا سيما مع قراءة القرآن. ففي قراءة القرآن من خلال الصوم ما يفتح للكثيرين آفاقا لا متناهية من المعاني التي تلهم الروح سكينة وقربا وتساميا.... بيد أنه إذا كان رمضان نفيسا في الزمان؛ فإن خصوصية المكان تمنح الإحساس بذلك الشهر مذاقا مقدسا في بلاد الحرمين حيث يستعيد الصائم عن رمضان لحظات تأسيسية متجددة ففي كل معالم الحرمين ثمة ذكرى ببدايات جديدة. أثر الحرمين على رمضان في نفوس الصائمين لا ينسى إنها لحظات تتدفق من أعماق الروح بسيولة إيمانية تمنحها تسخينا حارا متوهجا لمعاني الذكر والعبادة والتطهر ونسيان الجسد.في ساحات الحرم المكي يوشك أن يرى الصائم السكينة في النفوس على العرصات البيضاء الباردة، وبين جنباته يعيش الصائم نهاره للذكر والصلاة وليله كذلك بحيث تتعطل لحظات التفكير في ترتيب العيش من ذهنه تماما وهي حالة تكثف تساميا خلاقا لمشاعر الروح إذ لا ينتبه الصائم للجسد إلا حين يأتي وقت الإفطار ويجد رزقا ممدودا وطعاما وشرابا لا يدري من اين أتى كما لو أن تسخير الرزق للصائم في ذلك القدس من تدبير خفي. في مثل هذه الحالات الروحية تتجلى قوة رمضان كعبادة موسمية تتحول فيها حياة الناس إلى نمط آخر. إن هذه القوة التاريخية لا تنعكس فقط كذكرى بل وكذلك علامة على تجديد هوية الإيمان الديني والتصالح مع النفس وتفعيل طاقة الروح عبر تعطيل لذات الجسد. فمن شأن هذا التحول نحو أفق الروح أن يعيد للإنسان اكتشاف لذة العبادة. إن فيض الروح هنا وسلوكها المتسامي عبر قراءة القرآن والعبادة والصوم يخترق الكثير من عاديات الحياة المادية ويمنح تصورا للحياة مفعما بقيم تتكشف للنفس من داخلها حول معنى الحياة والحرمان والامتلاك والغرائز والشهوات وتنسجها في تعريف آخر من خلال التجربة؛ تجربة الحرمان والصبر والشفافية، ومن ثم تتمثل سلوكا ايجابيا نحو الآخرين لا سيما حيال الفقراء والمساكين والخصماء والمتشاحنين؛ سلوك يقلب نمط الغرائز البدائية إلى تصرف إنساني نبيل متأت من حالة روحية مفعمة بحقائق الأشياء الأولى وبداهاتها التي تنطمس في أتون الحياة المادية الكثيفة. لا يكف رمضان في كل موسم عن منحنا تجربة جديدة وفرصة لحياة روحية نحتاجها ونستعيد من خلالها معنى أهمية الروح. فإذا كانت الروح هي طاقة الجسد فرمضان هو طاقة الروح وحين يمر علينا يعيد لنا أسئلة الروح والمصير والمعنى التي تتصل بألغاز الحياة المؤرقة لنجد في ذلك رؤية جديدة لحساسية الروح في شهر واحد نتخلى في نهاراته عن الشهوات المادية التي تغطي بضبابها دروبا أخرى لحياة شفافة لا نعرف لذتها إلا في رمضان. [email protected]