إلى شباب ثورة 25 يناير


(وتعرفُ أنَّ البِلَادَ التي قدْ وُلِدتَ بِها لمْ تَكُنْ تتنفَس مَعْنَى البِلَادْ) سعدي يوسف

قبيل ثورة 25 يناير المصرية، كنت أتابع مسلسل (يوسف الصديق) الذي أنتجته الدراما الإيرانية؛ فملأ الدنيا وشغل الناس بذلك الإبداع الذي جسد عبره الإيرانيون صورة عميقة الدلالة عن حياة النبي يوسف في مصر. كانت لغة الكاميرا والمؤثرات المشهدية في خلفية المناظر والديكور والأسماء والرسوم والفضاءات تعبر عن روح (مصر القديمة) بطريقة تركت إيحاء عميقا لدى المشاهد حيال نفاذ الحس الفني والحضاري للإيرانيين في إدراك حقيقة مصر القديمة وحضارتها عبر الرموز واللباس والسحنات وحتى أدق النقوش الفرعونية، من أجل تعبير أكثر صدقا وعمقا وكثافة عن روح مصر، وكأن رسالة المسلسل كانت تختبر استبطانا حضاريا لعصر الفراعنة بحسبانه زمنا إنسانيا مفتوحا للاستلهام من كل الأمم. كنت أتابع تلك الدراما الآسرة والعميقة عن روح مصر من قبل أمة فارسية عرفت كيف تحدق في التراث الإنساني وتستلهم أجمل مافيه من قيم الروح والعقل والوجدان. أمام تلك البراعة الفنية الجذابة في استلهام روح مصر القديمة؛ أحسست كما لو أن المصريين أمة غادرت العالم الحديث وأصبحت جزءا من التاريخ القديم بغيابها عن مسرح التاريخ المعاصر؛ لتبقى أيقونة تاريخية ملهمة كالآشوريين والبابليين وغيرهم. فمصر التي لوحدها من بين الأمم تمتلك علما خاصا بحضارتها (المصريات) بدت لي أمة عاجزة عن انتاج مثل تلك الدراما التاريخية التي أنتجها الإيرانيون عن زمن (يوسف الصديق) في مصر. وفي ظني أن كل من يحب مصر ويدرك معناها للعالم كان سيشعر بالأسى وهو يرى تلك الدراما الإيرانية التي استلهمت روح مصر بأداء وعمق ورقي بدا من خلاله أن المقارنة بينه وبين المسلسلات التاريخية التي ينتجها المصريون مفارقة تبعث على الحزن. حين تعجز كل أمة عن إدراك كينونتها في التاريخ عبر أقنعة الحاضر في الوعي والفن لابد أن تنظر إلى وجهها في المرآة. ذلك أن ما أصاب مصر طوال العقود الماضية كان أشبه بغيبوبة عن الذات والعالم. لم تكن مصر تستحق تلك الحال التي كانت عليها قبيل ثورة 25 يناير المباركة. ثمة في مصر الكثير من القيم التاريخية والإنسانية العابرة للعالم بكينونتها الحضارية. فمصر في التاريخ كانت هي روح الأمم في العالم القديم. إن عبقرية المكان في مصر هي التي جعلت من أرضها مسرحا لانصهار الأمم؛ من الفراعنة الأوائل (أبناء كوش ابن حام) ـ بحسب العلامة السنغالي الشيخ أنتا ديوب ـ إلى الهكسوس والبطالمة والرومان والفرس والعرب وغيرهم. ولهذا لم تكن تلك النعوت التي وصفت بها مصر تخلو من دلالة ما. فمصر حقيقة كانت (أم الدنيا) بحيث أصبحت لها في التاريخ القديم مدونات شهدت بعبقرية المصريين؛ من (المتون الهرمسية) إلى (نصوص الأهرام) وغيرها من الجداريات والآثار التي لاتزال تذكر العالم الحديث بعبقرية العالم القديم. لذلك كان حال مصر المريض في العقود الماضية منعسكا على المحيط العربي من حولها. فمصر ليست كبقية الدول العربية في الشرق الأوسط. لقد أصبحت (القاهرة) بسبب تلك الحال المريضة مدينة هامشية في متروبول الشرق الأوسط بالنسبة إلى (طهران) و(أنقرة). كان كل شيء في مصر لا يعكس معناه. وحدهم شباب ثورة 25 يناير أدركوا هذا المعنى العظيم لمصر وأحسوا به؛ فهم أدركوا بحسهم العميق أن مصر تستحق أكبر بكثير من تلك الحالة القزمية التي أصبحت عليها بسبب القمع والتخلف والديكتاتورية والاستبداد. كانوا يملكون إيمانا بمصر أكبر من الحقيقة والواقع الذي كانت عليه، ومن ذلك الإيمان صنعوا المعجزة التي حققت الثورة. لقد ظل الحس الحضاري للمصريين المغمور تحت ركام القمع والاستبداد أكثر قوة وأصفى معدنا وقدرة على الانبعاث من جديد عندما وجد من ينفخ فيه روح الحرية. إن مصر بتاريخها العريق لم تكن في يوم من الأيام قوقعة منكفئة لعنصر أو عرق أو هوية واحدة، بل ظلت تمتلك تأويلها في كل الأمم، تماما كما صهرت الأمم في أرضها العظيمة. فعبقرية مصر وشخصيتها هي في روح المكان ـ بحسب جمال حمدان ـ الذي ينتج ويعيد إنتاج الهويات المتجددة في عين المكان ليمنح كل من جاء إلى مصر ـ فاتحا أو عابرا ـ تلك الروح المصرية العظيمة. ولأمر ما كانت مصر تتوزع مكانها العبقري على شط النيل وبين آسيا وأفريقيا. فبحسب الأفارقة تعتبر مصر هي (ابنة كوش الكبرى) وكان العلامة السنغالي (شيخ أنتا ديوب) الباحث في التاريخ المصري القديم وصاحب الكتاب الشهير (الأصل الزنجي للحضارة الفرعونية) يملك إيمانا عميقا بأهمية مصر التاريخية لأفريقيا وهو إيمان ورثه عنه القائد والمناضل السوداني الراحل الدكتور جون قرنق الذي كان يحب مصر ويدرك معناها الأفريقي في التاريخ القديم. لم يكن إنكفاء مصر في العقود السابقة في صالح العرب أو أفريقيا، فضلا عن أنه لم يكن يليق بصورة المصريين وتاريخهم. قد لا يعرف كثيرون أن التاريخ المصري القديم في عصور الفراعنة التي تجاوزت 3000سنة طوال عصور المملكة القديمة والمملكة الوسطى والمملكة الجديدة ظل تاريخا للتذكر كمحرك أسطوري للدولة المصرية في زمن دائري بحسب عالم المصريات الألماني quot; يان اسمانquot; (إذ بقيت المملكة القديمة بأجزائها الرئيسية محافظة على جميع الصيغ اللغوية ومعالم تصوراتها خلال جميع التغييرات والتجديدات التي طرأت على الدولة في أسسها القديمة حتى مجيء العصر الإغريقي ـ الروماني. وساعدت على هذا الاستمرار وسائط الإعلام والجهد المبذول على التذكر الحضاري)1 ولهذا كانت الأمم التي تأتي إلى مصر تندرج في روحها وثقافتها التاريخية. كل الأمم تدرك معنى مصر في التاريخ، ولابد أن تدرك معناها المعاصر عبر هذه الثورة الأولى للمصريين منذ عهد الفراعنة. فمصر التي استقطبت روح افريقيا والشرق الأوسط كان فراعنتها على مدى 3 ألف عام يتمثلون روح المملكة القديمة ـ عصر بناة الأهرام ـ بالرغم من أصولهم المختلفة سواء أولئك الذين قدموا من ليبيا أو من المغرب أو من فارس أو من السودان، فكلهم أصبحوا من المصريين بقوة عبقرية المكان والإنسان في مصر. ولهذا عندما جاء نابليون إلى مصر وعرف بعض الملامح الدالة على المهد الأفريقي للحضارة الإنسانية عبر مصر حاول تكسير أنف أبي الهول الأفطس بالمدافع ليخفي عنه أسارير الزنوجة دون جدوى. فخلده أمير الشعراء في بيته الشهير عن أبي الهول :
ورَهِينُ الرِّمَالِ أفْطَسُ إلِّا * أنـَّه صُنْعُ جِنَّةٍ غَيْر فُطْسِ
* كاتب سوداني
[email protected]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كتاب (مصر القديمة ـ تاريخ الفراعنة على ضوء علم الدلالة الحديثة) لـquot; يان اسمان quot;