مع إستلام الحكومة المغربية الجديدة التي يقودها زعيم حزب العدالة و التنمية السيد عبد الآله بنكيران لمسؤولياتها التنفيذية و تربع أعضائها على كراسي المسؤولية الميدانية المباشرة يتضح تدريجيا حجم الفروق الهائلة بين النظرية و التطبيق، فبعد مفاوضات ماراثونية مضنية من أجل الخروج بصيغة توافقية مقبولة على صعيد توزيع الحقائب و المسؤوليات، وبعد صراع مضني و حرب باردة حقيقية مع ( المخزن ) المغربي العتيد بتراثه السلطوي و برؤاه الخاصة وبعناصره الفاعلة، تراجع رئيس الحكومة المعين عن أهم بند تعهد به سابقا وهو بند الخروج بحكومة مصغرة و متقشفة لا يتجاوز عدد أفرادها العشرين وزيرا فإذا بالحصيلة النهائية تتجاوز الثلاثين!

إضافة لطعنة نجلاء و كبيرة وجهت للمرأة المغربية وهي العنصر القوي جدا و الفاعل في الحياة المغربية عبر الإكتفاء بتوزير إمرأة واحدة وهي السيدة بسيمة الحقاوي التي دخلت التاريخ بإعتبارها أول وزيرة محجبة في حكومة وصفتها الصحافة المغربية سابقا بأنها ( حكومة ملتحية ) رغم أن ضرورات اللعبة السياسية قد جعلتها في الواقع نصف ملتحية! فلا توجد في المغرب تصنيفات محددة و ثابتة فالمتغيرات هي الأسرع على الدوام، و الواقع إن رهانات السيد بكيران وهو في مرحلة المعارضة ستختلف كثيرا بعد تولي مسؤولية السلطة المباشرة بصلاحيات هي الأوسع في تاريخ الحكومات المغربية منذ مرحلة الإستقلال عام 1956 حتى اليوم بسبب التعديلات الدستورية في يوليو الماضي و التي أتبعتها إنتخابات تشريعية عامة في 25 نوفمبر الماضي أنتجت الحكومة الحالية التي تحمل معها أيضا متناقضات الصراع السياسي في المغرب، فالتحديات واسعة وخطيرة و الإمكانيات المتاحة لا تساعد أبدا على الخروج بحلول سحرية للمشاكل المتراكمة طيلة عقود من التسيير الخاطيء و الملتبس و الممارسات المثيرة للتساؤل، بنكيران اليوم يبدو في حقيقة الأمر ( كمن ذبح بغير سكين )!

فقد دخل منذ اللحظات الأولى للمسؤولية بمواجهة حادة و ساخنة مع جماهير المعطلين وهم بالآلاف وليست هنالك قدرة لأي دولة في العالم على إستيعاب العمالة المعطلة بفترة قياسية في ظل الوضعية المعروفة للإقتصاد الدولي في هذه الحقبة فكيف في بلد كالمغرب يعاني من مشاكل بنيوية متراكمة و متجذرة أن يواجه تلك المعضلة التي تزايدت مؤثراتها على شكل تظاهرات و إعتصامات يومية في شوارع العاصمة وغالبا ما تنتهي بتدخلات أمنية عنيفة ليست مرغوبة ولا مستحبة من جميع الأطراف ولكنها تحدث و لا يمكن تلافيها مطلقا، و إضافة لمشكلة البطالة هنالك مشكلة الفساد و ملفاته العالقة و التي تتطلب إجراءات صعبة وحاسمة كإصلاح السلطة القضائية، دون أن نتجاهل بأن اهم ملف تتعلق به سمعة الحزب الإسلامي المغربي ( العدالة و التنمية ) هو الملف الإجتماعي و الصحي تحديدا و حيث يضطلع الدكتور الحسين الوردي وهو من حزب التقدم و الإشتراكية ( الشيوعي سابقا ) بمهمة معالجة هذا القطاع الصعب، فمستشفيات المغرب فضيحة متنقلة و مصثبة حقيقية و مشاكل القطاع الصحي تحتاج لجهود و إمكانيات جبارة للغاية وعمل حثيث و شاق و توفير إمكانيات ولايمكن أن تظهر نتائج أي إصلاح قبل سنوات على الأقل في ظل ضغوط هائلة من الشارع قادمة من حركة 20 فبراير الشبابية التي أعلنت معارضتها المبكرة لحكومة بنكيران رغم خروج جماعة ( العدل و الإحسان ) منها وهي الجماعة التي وجهت مؤخرا رسالة لجماعة التوحيد و الإصلاح ولحزب العدالة و التنمية حملت معانيها و نصوصها و أدبياتها نفس المنهج السابق في رفض العملية السياسية ورفض الدخول في اللعبة السياسية و إحتفاظها بمكانة المراقب للأوضاع دون الدخول في صدامات علنية مع الحكومة و إنما التركيز على طرح الرؤى و التصورات و معظمها طوباوية و بعيدة عن ملامسة الواقع الميداني الصعب، في الحقيقة بنكيران يخوض غمار المواجهة في أكثر من موقع سواءا على المستوى الشعبي أو على المستوى الإداري، فهنالك في الأعلى حكومة ظل من المستشارين الملكيين الأقوياء بقيادة السيد فؤاد عالي الهمة وعضوية عناصر مخزنية بارزة كالطيب الفاسي الفهري و عبد اللطيف المنوني و محمد المعتصم تراقب الأداء الحكومي و تؤشر بملاحظاتها الساخنة، وهنالك مطالبات الشارع وهي صعبة التحقيق الفوري دون أن نتجاهل ملف المعتقلين السلفيين و جماعة خلية بلعيرج و غيرها من قضايا وملفات السلفية الجهادية الذين يخوضون صراعا في معتقلاتهم من أجل محاولة نيل العفو خصوصا و أن محامي السلفية الجهادية السيد مصطفى الرميد هو اليوم وزيرا للعدل!! وهو يعرف بالتفصيل بكل ملابسات تلك الملفات، و توازيا مع حملات العفو الملكية المتتالية فقد لوحظ إستثناء الصحفي المغربي المعروف و الرئيس المؤسس لصحيفة المساء الواسعة الإنتشار الزميل رشيد نيني من العفو الملكي الأخير رغم أنه قد قضى أكثر من تسعة شهور في الحبس وفي حالة إنقطاع تام عن الكتابة، ورغم أن رئيس الحكومة بنكيران من المؤمنين و الداعين لإطلاق سراح نيني إلا أنه على مايبدو ليس بيده الكثير سوى طلب العفو الملكي و الذي قد يصدر في أقرب الآجال لحسم هذا الملف المؤلم على صعيد الحريات الصحفية، بنكيران اليوم في مواجهة تلك الملفات الساخنة يعيش وضعا نفسيا متأزما يبدا بالتساؤل من أين سيبدأ ؟ فدخول الحمام المغربي ليس كالخروج منه، و إذا كان المناضل المغربي المعروف و التاريخي عبد الرحمن اليوسفي الذي قاد حكومة التناوب عام 1998 كان قد أعلن سابقا عن فشل تجربته تلك، فإن بنكيران لايمتلك أي هامش لأي فشل من أي نوع، وهو من أجل الحفاظ على مغرب مستقر و متوازن و يسير في طريق الإصلاح و التغيير بشكل هاديء لا يملك إلا التعاطي الناجح مع المشاكل المتراكمة و الصعبة، إنها بكل تأكيد أصعب و أعقد مهمة تاريخية و مسؤولية ضخمة يمكن أن يضطلع بها أي طرف، فالفشل مرفوض لأنه سيؤدي لكوارث كما أن النجاح بالمقابل غير مضمون في ظل الظروف الإقليمية و الدولية، و ستكون مهمة بنكيران الحفاظ على حالة التوازن مع وجود حكومة ظل مخزنية تراقب كل شاردة وواردة، ألم أقل لكم بأن بنكيران يبدو كمن ذبح بغير سكين.


[email protected]