قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لم تكن التطورات العسكرية السياسية الأخيرة بين بغداد وإقليم كردستان حول قضاء طوز بمفاجئة للعديد من المعنيين بالشأن السياسي العراقي، وكما هي ليست بالأولى فلن تكون الأخيرة في مسلسل تنازع أبناء الوطن الواحد على الأرض والسلطة والثروة. نعم، قد يكون قضاء طوز خرماتو المتنازع عليه بين محافظتي كركوك وصلاح الدين -وبالتالي بين المركز والإقليم- بداية لتفجر جميع ملفات المناطق المتنازع عليها لتدخل العراق مجدداً في نفق الحروب الأهلية البينية التي تهدد وحدته الهشة.

حمى المطالبات
يعج العراق حالياً بحمى مطالبات سيادية وإدارية للعديد من المحافظات والأقضية والنواحي، فخلاف العائدية السيادية والإدارية للمحافظات والأقضية والنواحي في عراق اليوم ليس خلافاً عربياً كردياً يتمحور بمطالب الكورد بكركوك وبمناطق من محافظات نينوى وديالى وصلاح الدين وواسط، فللعرب والتركمان مطالبهم أيضاً، فعلى سبيل المثال فإنَّ بغداد تنادي باستعادة بلدتي الدجيل وبلد من صلاح الدين، وكربلاء تطالب بقضاء النخيب من الأنبار، وذي قار تطالب بناحية بصية من المثنى، ومحافظة ميسان تطالب بناحية شيخ سعد من محافظة واسط، كما أعلنت قائمقاميتا قضائي الدجيل وبلد عن تقديمهما طلباً رسمي للإنفصال عن محافظة صلاح الدين والعودة الى الحدود الادارية للعاصمة بغداد لعام 1958، في حين دعت الجبهة التركمانية العراقية الى تحويل قضائي طوز خورماتو وتلعفر الى محافظتين تركمانيتين.

قضية تاريخية
قضية الخلاف على تابعية العديد من الأقضية والمحافظات، والخلاف حول الحدود الإدارية بين المحافظات، قضية تاريخية تتصل ببنية الدولة العراقية الحديثة، فهي ليست نتاج دولة ما بعد 2003م، بل هي نتاج دولة 1921م-2003م بامتياز والتي اعتمدت نموذج الدولة القومية المذهبية المتأدلجة التي صدعت من وحدة أمة الدولة وبعضتها على أساس من التمييز والإستبداد وإحياء الهويات الفرعية العرقطائفية. نعم، دولة ما بعد 2003 فشلت باعطاء الحلول المناسبة لهذه الأزمة كجزء من البنية الخاطئة لإنموذج الدولة التي تم اعتماده بعد التغيير،.. نعم فشلت باعطاء الحلول لكنها ليست هي المسببة لهذه القضية والمنتجة لها، لقد ورثتها لكنها فشلت بالتعامل معها.

للتاريخ، فإنَّ الخلاف حول عائدية هذه المحافظة وذاك القضاء وتلك القصبة تعتبر أهم الإشكاليات التي أنتجتها وتلاعبت بها الأنظمة المستبدة والتمييزية التي شهدها العراق منذ تأسيسه الحديث في 1921م، وبالذات إبان حكم نظام صدام حسين الذي عاث بالعراق فساداً من خلال اعتماده لسياسة أدلجة وتبعيض الديمغرافية السكانية على أساس إداري عرقطائفي، فكما قام بمحاولات تبعيث العراق فإنه قام بتقسيمه ديمغرافياً عرقطائفياً لأهداف السيطرة. لقد أوجد بذلك بنية مجتمعية سياسية ملغومة تهدد بنزاعات كارثية تهدد وحدة الأمة والدولة كلما أثيرت قضية إعادة النظر بالحدود الإدارية بين المحافظات أو حسم تابعية هذه المحافظة أو ذلك القضاء.

تقزيم القضية
يجب عدم تقزيم الخلاف على عائدية المحافظات والأقضية والنواحي وتصويره على أنه خلاف اجتهادات أو صلاحيات بين بغداد وكردستان، أو تصويره على أنه خلاف سياسي مصالحي بين نخب الدولة، أو تصويره على أنه قضية مفهومية تحل بمجرد ايضاح الملابسات لهذا الطرف أو ذاك، أو حتى تصويره على أنه خلاف مفهومي دستوري يحل على أساس من رأي حاسم للمحكمة الدستورية العليا،.. إنها قضية أكبر وأعقد من ذلك كله، قضية تتصل بطبيعة مشروع الدولة والقوى الفاعلة فيها والأجندات العاملة بها، وكلنا راقب ردود الأفعال المتشنجة والتي أخذت أبعاداً سياسية قومية طائفية خطيرة إثر مشروع قانون (إلغاء التلاعبات غير العادلة في الحدود الإدارية للمحافظات والأقضية والنواحي كافة) والذي تقدمت به رئاسة الجمهورية العراقية مؤخراً والهادف الى إلغاء جميع قرارات مجلس قيادة الثورة والمراسيم الجمهورية والاجراءات التي قامت بها السلطات العراقية خلال حقبة صدام حسين في تغيير خريطة الحدود الادارية (لأهداف سياسية وعنصرية تهدف لإحداث تغييرات سكانية في مختلف مناطق البلاد) ومحاولة العودة الى حدود المحافظات والأقضية والنواحي لعام 1968 تاريخ انقلاب حزب البعث ووصوله الى السلطة في العراق.

القضية قضية بنية دولة عانت وتعاني من غياب وحدة التصور والمشروع والإرادة الحازمة لحسم طبيعة الدولة المراد انتاجها، وقضية المناطق المتنازع عليها هي أهم ملف سيحسم طبيعة الرؤى والإرادات للعراق المراد انتاجه بعد 2003م، فالقضية في عمقها نزاعات سيادة على الأرض تختزن تعدد الرؤى وتضارب الإرادات العراقية العراقية.

نزاعات السيادة
نزاعات سيادة على الأرض، هذه هو المعادل الدلالي لمصطلح (المناطق المتنازع عليها) والتي أقرها الدستور العراقي الدائم 2005م في المادة 140، فالمصطلح يتعدى مفهوم الخلاف على تابعية إدارية الى مفهوم تابعية سيادية لأراض يدعي كل طرف بعائديتها التاريخية ويرى فيها جزء من كيانه السياسي السيادي القادم.

الذي يساعد على ترسيخ البعد السيادي في النزاع على الأرض بين القوميات والطوائف العراقية هو الدستور العراقي نفسه، فدستور 2005م رسم ملامح نهائية لبلد فدرالي يقترب الى الصيغة الكنفدرالية، وهذه الصيغة الفدرالية الكنفدرالية تستلزم أول ما تستلزم حسم قضية الأرض لإنجاز ملامح الفدراليات أياً كانت، لذا ستأخذ الخلافات الحالية حول عائدية بعض المحافظات أو الحدود الإدارية بين المحافظات بعداً سيادياً اليوم على كركوك وقضاء طوز وغداً على النخيب وسنجار ومخمور وخانقين ومندلي..الخ والعشرات من الأقضية والنواحي المختلف على عائديتها على قادمة خط الأزمة. إنَّ نفس اصطلاح (المناطق المتنازع عليها) هو اصطلاح يستخدم للإشارة الى نزاع حدودي بين كيانات سيادية ناجزة الإستقلال، رأينأ هذا المصطلح يستعمل للإشارة الى المناطق المتنازع عليها بين الهند وباكستان، الهند والصين، المغرب والصحراء الغربية، فلسطين وإسرائيل،.. وكان أول ظهور لهذا المصطلح في التقرير الذي قدمته لجنة من عصبة الأمم عام 1924م لحل عائدية مدينة الموصل بين بريطانيا وتركيا إثر الحرب العالمية الأولى. من هنا فإنَّ اعتماد الدستور العراقي لمصطلح المناطق المتنازع عليها هو اعتماد مقصود يتناسب مع البناء الفدرالي الكنفدرالي للبلد وفقاً لروح الدستور، لذا لا يمكن الفرار من استحقاقاته إلاّ بالتعديل الدستوري والذي هو أشبه بالمستحيل وفق آليات التعديل المنصوص عليها دستورياً والتي تشترط عدم رفض أغلبية ثلاث محافظات لأي تعديل.

نعم، هي نزاعات سياسية سيادية لكيانات تريد إعادة إنتاج هويتها ومصالحها من جديد في ظل غيبة شبه تامة لمشروع وطني وحدوي، لذا تأخذ جميع القضايا الإشكالية الموروثة والمنتجة بعد 2003م بعداً سياسياً سيادياً، وهذا هو الخطير الذي يهدد وحدة الأمة والدولة العراقية.

الخيارات
لا يمكن بقاء الحال على ما هو عليه اليوم في العراق، فالإنقسام المجتمعي والسياسي والسيادي واضح ومعلن بسبب بنية النظام العرقطائفي التوافقي الذي اعتمدته العملية السياسية بعد انهدام الدكتاتورية في 2003م، النظام التوافقي الذي قعّد البلاد على وفق مبادىء المكون والتوافق والمحاصصة فأمات الأمة السياسية للدولة وأنتج أمماً سياسية عرقطائفية متصارعة على الأرض والثروة والسلطة.

بصراحة متناهية، لا يمكن أن تصمد بنية دولة تأن من أزمات متشظية ومستنسخة وتصاعدية كما هي بنية الدولة العراقية اليوم، وهي وسط هذا الجمود السياسي والإنقسام المجتمعي والتصعيد العسكري أمام استحقاق لا مفر منه، خلاصته، إعادة إنتاج العملية السياسية (بما في ذلك الدستور والأنظمة والتوافقات) بما يتوافق مع إحدى الخيارات التالية: خيار دولة المواطنة المدنية الديمقراطية التي تعيد إنتاج الدولة كأمة سياسية وطنية موحدة، أو خيار التقسيم الناجز للدولة على أساس عرقي طائفي إثني، أو خيار الفدراليات الشاملة لكل العراق، أو خيار الكنفدرالية العربية الكردية،.. والخيار اليوم بيد نخب الدولة وقواها السياسية التي شاءت الأقدار أن تتسيد اللحظة العراقية الراهنة.

[email protected]