ثمة حبر كثير هدر عن دور تركيا وموقفها من الأزمة السورية، ولعل سبب ذلك هو سلوك القيادة التركية نفسها التي أوحت في أوقات كثيرة أنها قاب قوسين أو أدنى من التدخل العسكري في سورية ثم سرعان ما خب هذا الموقف خلف اعتبارات، فعندما بدأت الأزمة قبل أكثر من عام أعتقدت تركيا أن لديها ما يكفي من النفوذ لدى القيادة السورية لإقناعها بإحداث إصلاحات سريعة وجذرية،وعليه أرسلت العديد من الوفود السياسية والأمنية وعلى رأسهم وزير الخارجية أحمد داود أوغلو إلى دمشق لهذه الغاية، بل وصل الأمر إلى حد أن أوغلو حمل معه في احدى الزيارات برنامج حزب العدالة والتنمية كوصفة للإصلاح في سورية، ولكن سرعان ما اتضحت للقيادة التركية أنها في وهم، لتنتقل بعد ذلك إلى لغة التهديد والتلويح بالتدخل العسكري إلى درجة أن اردوغان الذي كان صديقا حميما للرئيس بشار الأسد أول زعيم طالبه بالتنحي ، رافعا شعار أنه لن يسمح بتكرار ما جرى في حماه. وحقيقة بين السعي التركي إلى تغيير النظام السوري والحرص من التداعيات بدا الدور التركي يتراوح بين صورة النمر الإقليمي الذي يتحرك كلاعب إقليمي خطر وبين العجز عن التحرك دون قرار أمريكي ودولي ، وهو ما وضع تركيا في امتحان مع المصداقية والذات، ومع هذا الامتحان يبدو أن حكومة ارودغان باتت تراهن على الزمن وعلى العاملين العربي (الخليجي ndash; الجامعة العربية) والدولي (الأمريكي) في تحقيق هدفه المذكور أي تغيير النظام السوري، وعليه اتجهت في الفترة الأخيرة إلى اتخاذ المزيد من الخطوات التي تعتقد انها ستساعدها على تحقيق هدفها، ولعل من أهم هذه الخطوات :
1- التنسيق التام مع الإدارة الأمريكية بخصوص الأزمة السورية، وقد كان لافتا في هذا السياق، الزيارة السرية التي قام بها مؤخرا رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي أي ايه) ديفيد بتيريوس برفقة مدير المخابرات الوطنية الأمريكية جيمس كليبر واجتماعه بأردوغان ورئيس الاستخبارات التركية حقاي فيدان واجراء مباحثات بشأن التعاون الأمني بين البلدين بخصوص تطورات الاوضاع في الشرق الاوسط وتحديدا سورية وإيران.

2 - المناورات الضخمة التركية ndash; الأمريكية التي جرت في منطقة ملاطيا بين الخامس من آذار / مارس الجاري ولغاية الخامس عشر منه ، وهي جاءت بديلا عن مناورات نسر الأناضول السنوية، وللمرة الأولى جرت هذه المناورات دون إشراك دول أخرى فيها كما جرت العادة سنويا حيث كانت تشارك فيها دول أعضاء من الحلف الأطلسي إضافة إلى إسرائيل، وقد تركزت هذه المناورات على كيفية مواجهة أنظمة الدفاع الجوي لدول المنطقة وتعطيلها دون هجوم مباشر عليها، وكذلك كيفية خوض حرب مشتركة ضد هذه الأطراف.

3- إستضافة تركيا مطلع الشهر المقبل لمؤتمر أصدقاء سورية الثاني كتتمة للمؤتمر الأول الذي عقد في تونس، وما رشح عن مؤتمر اسطنبول حتى الآن، هو أن أنقرة تسعى إلى تحقيق أمرين مهمين. الأول: جلب اعتراف دولي بالمجلس الوطني السوري المعارض كممثل وحيد للشعب السوري والذي ولد في أسطبنول. والثاني: تشكيل تحالف دولي ضد النظام السوري خارج مجلس الأمن الدولي بعد ان أصطدمت الجهود العربية والدولية في إصدار قرار في مجلس الأمن بالفيتو الروسي - الصيني ولمرتين.

4- اتخاذ سلسلة اجراءت جديدة، منها وقف حركة الشاحنات التركية إلى سورية وعبرها نهائيا على الرغم من الخسارة الكبيرة التي تلحق بالاقتصاد التركي،وزيادة وتيرة دعم الجيش السوري الحر وتدريبه وتسليحه وتأمين المأوى له داخل الأراضي التركية، والحديث عن إقامة سلسلة مخيمات إضافية جديدة للاجئين السوريين في المناطق التركية المحاذية لمحافظة أدلب السورية،في مؤشر إلى أن تركيا تعد لمرحلة جديدة من التصعيد.

5- عودة اردوغان إلى الحديث عن إقامة منطقة أمنية عازلة في المنطقة الحدودية.

6- دخول منظومة الدروع الصاروخية الأمريكية - الأطلسية التي نشرت على الأراضي إلى حيز العمل.

هذه المعطيات وغيرها تؤكد ان حكومة أردوغان ستواصل سعيها إلى إسقاط النظام السوري تحقيقا لأهدافها من جهة، وكي لا تفقد مصداقيتها في الداخل التركي من جهة ثانية. ولكن من الواضح ان الحسابات التركية قد لا تكون دقيقة، فالنظام السوري ورغم تجاوز عمر الأزمة سنة الا أنه في الداخل ما زال يبسط سيطرته على الأرض وماض في نهجه الأمني دون رداع ، بل وفي الحالة التركية وصل الجيش السوري إلى النقطة الحدودية مع الأراضي التركية بعد أن كان ذلك ممنوعا عليه بموجب الأتفاقيات الأمنية الموقعة بين البلدين، كما ان النظام السوري نجح في جعل الأزمة السورية الداخلية إلى أزمة دولية بإمتياز بعد الأصطفاف العالمي الذي حصل، فالمعسكر العربي الخليجي التركي الاوروبي الأمريكي الساعي إلى إسقاط النظام يقابله معسكر حلفاء سورية، أي إيران، وحزب الله ، الصين، وروسيا... وكل طرف له أسبابه ومصالحه واستراتيجيته التي تحشد لها الطاقات والجهود المختلفة، وفي لغة الحسابات والمصالح والاستراتيجيات فان مسألة شن الحرب ضد النظام السوري لإسقاطه تبدو مستبعدة نظرا للتداعيات الخطيرة المنتظرة من هكذا خيار في منطقة حساسة توجد فيها إسرائيل الأبنة المدللة للغرب. وهو ما يضع السعي التركي أمام امتحان صعب خاصة وأن تركيا لا تستطيع ان تتحرك بمفردها عسكريا تجاه النظام السوري،بما يعني أن مجمل الخيار التركي بشأن الأزمة السورية بات في أزمة عميقة وحقيقية. بين السعي التركي إلى تغيير النظام السوري والحرص أو الخوف من التداعيات يكمن أزمة الدور التركي إزاء الأزمة السورية، وهو ما وضع الحكومة التركية في امتحان مع المصداقية والذات، فإذا نجح النظام السوري في قمع الاحتجاجات ووضع نهاية لها على الطريقة الإيرانية فأن الموقف التركي سيصبح صعبا ولاسيما في الداخل، فيما إذا إنهار النظام فسيكون ذلك مكسبا كبيرا لسياسة حزب العدالة والتنمية وتطلعاتها تجاه العالم العربي.