قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

ستزداد الخُطورة على الثورة اللبنانية بسبب قرارات إيرانية وروسية تنوي إجهاض انتفاضة اللبنانيين على "حزب الله" وتعتزم نصب الحزب "وكيل الاستقرار" في لبنان دون غيره. ما لم يكن أبناء هذه الثورة الراقية والرائعة جاهزين للتضحية بالأرواح والمُثابرة لزمن طويل بالرغم من العناء والدماء، ستُعلن القيادات الإيرانية الانتصار وستبلّغ الى القيادة الروسية انها حقاّ نفّذت الوعود التي قطعتها لها بأنها ستوقف المظاهرات اما بالقوّة أو بالإنهاك أو بالاستنزاف.ظاهرياً، تزعم طهران وموسكو ان هذه الثورة ليست ضد "حزب الله" بل هي ضد الفساد. انما ضمنياً وواقعياً، تعي العاصمتان تماماً أن هذه الانتفاضة لا تَعفي "حزب الله" من المحاسبة ولا تستثنيه من تهمة الفساد. والأهم، انها ثورة وطنية سلّمية رفعت الأعلام اللبنانية فقط لتشدّد على استعادة القرار في شأن مستقبل لبنان ليكون حصراً لبنانياً وليس إيرانياً كما هو الحال وكما تقرّ قيادة "حزب الله" بنفسها بإعلانها الولاء لمرشد الجمهورية الإسلامية وإقرارها بأن أموال "حزب الله" وسلاحه وصواريخه وعتاده، كلّها من الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبفضلها. طهران اتخذت قرار منع سقوط "حزب الله" ضحيّة للثورة اللبنانية بأي ثمن وكيفما كان، وهي عازمة، كما أبلغت القيادة الإيرانية الى الروس، على استخدام الوضع الراهن لمضاعفة نفوذ "حزب الله" وتعهّدت أنها ستعيد لبنان الى "الحياة الطبيعية" حتى لو "اتخذ النفوذ شكل القوة" من أجل "فرض القانون والنظام". بكلام آخر، ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعتزم كسر شوكة الانتفاضة اللبنانية بالقوة لأنها لن تسمح تحت أي ظرف كان أن تخسر نفوذها وتسلّطها على لبنان. اضافةً، انها تنظر الى لبنان كساحة مهمة في المبارزة بين طهران وواشنطن وتعتبر "حزب الله" أغلى ورقة لديها لن تفرّط بها مهما كلّف الأمر. هنا تزداد الخطورة على ثورة الأجيال المتداخلة التي انتفضت على فساد الطبقة السياسية والطبقة الحاكمة في لبنان بما فيها "حزب الله". انها أمام مشروع اقليمي ضخم لن يسمح لها أن تكون عثرة في طريقه أو أن تنضج لدرجة الإطاحة بإنجازاته. وبالتالي لا مناص لهذه الثورة من أن تدرس بعمق الأبعاد الإقليمية والدولية وأن تتبنّى خطوات استراتيجية وتكتيكية لضمان استمرارها، والاستفادة من إنجازاتها، ووضع آلية براغماتية لتنفيذ مطالبها بتدريجية وبتماسك. لا يجوز لهذه الانتفاضة أن تنطفئ، كما يراهن "محور الممانعة" لأسباب وجودية ويراهن كل فاسد في الطبقة السياسية الجشعة. فإذا كانت حقاً ثورة، انها لمسيرة صعبة وطويلة ودموية، وأول أبطال هذه الثورة هو علاء أبو فخر الذي أسقطته رصاصة اغتيال الثورة، فبات أيقونةً لها.

الولايات المتحدة ليست من أطلق الحراك الوطني التلقائي في لبنان وإنما تمعّن القادة السياسيين في نهب البلاد بلا حياء أو تردد هو الذي أطلق الحراك. انه انقلاب على وقاحة الطبقة الحاكمة وليس إملاءً من واشنطن، كما يريد البعض أن يثرثر.

أما وأن الانتفاضة تحوّلت الى مسيرة ثورة جديّة على حكومة التسوية التي فرضها "حزب الله" تفاهمياً مع رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري بتنسيق مع رئيس الجمهورية ميشال عون، فإن ذلك بالطبع أمر تُرحب به واشنطن لأن سياستها العلنية هي تضييق الخناق على "حزب الله" عبر العقوبات وتوسيع العقوبات لتشمل مَن يوفّر له الغطاء السياسي. فلا عجب أن تصفّق واشنطن لانتفاضة اللبنانيين أخيراً على وضعٍ غير طبيعي ان كان لجهة الانصياع للصمت على الفساد أو الانصياع للقبول بسيطرة "حزب الله" على لبنان. إنما واشنطن لم تصنع الثورة في لبنان، كما يثرثر الذين أُصيبوا بالهلع من ولادة الثورة ومن استمرارها. ان هذه الثورةصناعة وطنية.

لذلك، لا يليق بروسيا أن تنظر الى الثورة اللبنانية بهذا القدر من التحقير وكأن الشعب اللبناني دُميةً أو نكتةً للسخرية، ولا يجوز لها تحجيم الناس ومطالبهم الى مجرد حجر في ألاعيبها الإقليمية.

القيادة الروسية على مستوى رئاسة الجمهورية وكما يعبّر عنها وزير الخارجية سيرغي لافروف تُعطي الانطباع بأنها ضد الناس في الثورات العربية. انها ضد الناس في لبنان، تتهكّم على مطالبهم باسترخاء وبتدخّل فاضح مع طرفٍ في الحكم، ضد الناس. هكذا بدا سيرغي لافروف وهو يرد على سؤالٍ لي أثناء جلسة في "منتدى باريس للسلام" عندما استهزأ بالمطلب الأساسي للثورة وهو تشكيل حكومة تكنوقراطية من غير السياسيين الحزبيين معتبراً أنه مطلبٌ "غير واقعي" داعماً بذلك موقف "حزب الله" الذي يصرّ على حكومة سياسية جوهرياً حتى وان تم تطعيمها ببعض الأخصائيين من التكنوقراط.

تقول المصادر الروسية أن موسكو تنظر الى "اللااستقرار" في لبنان كمصدر تهديد لجهودها داخل سوريا لضبط الأوضاع هناك سيّما وانها أمام مهمة معقّدة وغير مضمونة النجاح لصالح روسيا. خوفها أن يتطوّر اللااستقرار في لبنان لدرجة التأثير على سوريا. لذلك ان روسيا "لا تدعم المظاهرات"، وفي نظرها ان "الحكومة التكنوقراطية لا تملك الكفاءات والقدرات لضمان الاستقرار" وان "الحكومة غير السياسية ليس في وسعها ضبط الأمور" في لبنان.

"فقط حزب الله وإيران هما القادران على ضبط البلاد وفرض القانون وضمان الاستقرار"، قالت المصادر الروسية وتساءلت "مَن هناك غير حزب الله وإيران؟" وأضافت "ان روسيا تنظر الى المسألة من منظور ان بسط نفوذ حزب الله على لبنان أفضل من اندلاع حرب أهلية فيه لأن الأساس لها هو عدم انتشار اللااستقرار".

ماذا عن الجيش اللبناني كضامن للاستقرار والقانون والأمن واستقلال البلاد؟ يُجيب المصدر الروسي "الجيش موضوع آخر. الجيش يعني ان البلاد لن تتوصل الى الاستقرار. يعني الحكم العسكري. بالنسبة لنا، من الأسهل بكثير التعامل مع حزب الله وإيران من التعامل مع الجيش اللبناني".

لعل علاقة واشنطن مع الجيش هي التي تزعج موسكو. هذا شيء، إنما أن تدعم روسيا تمتين وتوسيع نفوذ إيران على لبنان، فإنها بذلك تنتهك مبدأ السيادة للبنان وتتعمّد تحقير الجيش اللبناني تحت ذريعة معارضة وهمّ الحكم العسكري. هذا لا يليق بدولة لها عضوية كاملة في مجلس الأمن تعهّدت الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين واحترام السيادة للدول.

"هكذا هو الأمر" It is as it is قال المصدر الروسي "ان هذا الحل هو مقبول لنا أكثر من خيار اللااستقرار في لبنان. وحدهماإيران وحزب الله هما القادران على فرض الاستقرار". أضاف "ان العنف يتزايد، وهمّنا الأول هو ألاّ ينمو اللااستقرار في لبنان".

ما كشفه المصدر هو ان طهران أعطت موسكو "وعداً بتهدئة الأوضاع واعادة البلد الى حالته الطبيعية وذلك عبر وضع نهاية للمظاهرات واستئناف الأمور والحياة الطبيعية". كيف سيحققون ذلك؟ بقوة السلاح؟ يجيب المصدر "وعدونا بأنهم سيسترجعون البلد من المظاهرات وسيستعيدون فرض النظام والقانون". وهل ستغض روسيا النظر اذا تم تنفيذ الوعود الإيرانية باستخدام القوة العسكرية؟ يضحك المصدر ضحكة السخرية ويقول "وعدونا. نحن لا نريد اللااستقرار. اللااستقرار في لبنان ليس في المصلحة الروسية".

هذه وصفة خراب، وهذا ما يجب على صنّاع القرار في موسكو أن يدركوه. رهانهم الآن هو على اندثار الثورة حتى لو كان ذلك نتيجة تخويف بهدر الدماء أو فعلاً نتيجة هدر الدماء. المواقف الروسية من الوعود الإيرانية تكاد تكون بمثابة إعطاء "الحرس الثوري" في طهران "رخصة قتل" للمتظاهرين في لبنان. فحذار. حذار أن يفوت ذلك شباب الثورة في لبنان. وحذار ألا تستدرك القيادة الروسية تداعيات استثماراتها السيئة في تدعيم النفوذ الإيراني في لبنان على حساب السيادة اللبنانية. حذار أن تمارس "الأسرة الدولية" هواية تجاهل مثل هذه الانتهاكات للسيادة اللبنانية سيّما وأن دعم روسيا لتوسيع إيران نفوذها في لبنان يعني عملياً دعمها للقضاء على ثورة شعبية لبنانية.

"محور الممانعة" الذي تدعمه موسكو يسوّق أمامها أن كتلته البشرية أكبر من حجم المتظاهرين ضد الفساد والطائفية وعنجهية حُكم الطبقة السياسية. يقول هذا المحور ان شارع "حزب الله" إذا نزل الى الساحة، وشارع حليفه "التيار الوطني الحر" وحدهما يشكّلان زحفاً بشرياً أكبر.

ما لا تشكّله الكتلة البشرية هذه هو استقلالية القرار اللبناني واحترامه الجيش اللبناني. رئيس الجمهورية الذي لطالما تباهى باحتضانه الجيش اللبناني كأولوية إنما هو اليوم رهينة انتمائه الى محور هو عملياً ضد الجيش اللبناني. انه بصمته على المشروع الإيراني في لبنان ومباركته له إنما يقصف وطنيته ويغتال جيشه لأن مشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو أن تكون قوات "حزب الله" هي البديل عن الجيش اللبناني. ليس في بال قيادة إيران و"حزب الله" اعطاء القيادة للجيش اللبناني. فتصّرف أيها الرئيس على أساس هذه المعادلة قبل أيةٍ أخرى. تذكّر القسم الذي أديّته. فلا يليق بك لأي سبب كان أن تكون شاهداً على اغتيال ثورة شبابك المحقّة بقرار إيراني.

حذار ما تستثمره في عدم العودة عن قولك للبنانيين "هاجروا" ان لم يعجبهم حكمك. هذه آخرة لا يتمناها اللبنانيون لأي رئيس جمهورية. هؤلاء المتظاهرون من النساء والرجال، شباباً ومسنّين، عزّ عليهم كثيراً ما قلته لهم. عُد عن كلامك عبر أفعالك. طمأنهم أنك لست وكيل زعامة محور الممانعة في طهران وإنما أنت رئيس الجمهورية اللبنانية. افعل ما عليك أن تفعل لتستعيد الثقة، فواجب عليك أن تمنع تحوّل الثورة السلمية العادلة في لبنان الى مشروع "الحرس الثوري" أساسه إنهاء الثورة بدمويّة بحجة تثبيتك في الحكم كرئيس للجمهورية اللبنانية.

لا يهم ماذا يدور في فلك العلاقة الأميركية – الإيرانية وما إذا كان في واشنطن توجُهاً نحو انقلابات عالمياً أو اسقاط أنظمة عبر عقوبات خانقة. المهم هو ما يدور في ذهنك وفلكك كرئيس للجمهورية اللبنانية.

واشنطن واضحة في عزمها على خنق إيران وأذرعتها اقتصادياً بهدف تغيير سلوكها نووياً وصاروخياً وإقليمياً لتكفّ عن التوسّع في الجغرافيا العربية وفرض نموذج "الحرس الثوري" في الدول السيادية. "حزب الله" هو النموذج الأنجح للجمهورية الإسلامية الإيرانية. ولذلك، ان الواقعية السياسية تدفع الى الاعتراف ان لبنان تحوّل الى ساحة توسّع ونفوذ إيرانية أساسية ومصيريّة للنظام في طهران الذي يعتبر الانتفاضة الشعبية خطيرة عملياً على مشروعه حتى وان كان هدفها الرئيسي محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين في الطبقة الحاكمة. بالمقابل، تنظر واشنطن الى لبنان بأنه محطة مهمة في عملية تطويق الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومشاريعها التوسعيّة سيما وأن خاصرتها ضعيفة الآن في العراق وسوريا واليمن وفي الداخل الإيراني حيث سيحدث الانفجار الكبير إذا انتفض الإيرانيون ضد النظام وضد الجوع والعزل الذي سبّبته العقوباتالأميركية وضد القهر الذي رافق سلطوية النظام.

الوضع الداخلي في إيران يُقلق حكّامها كثيراً وهم عازمون على التضحية بآخر لبناني ولبنانية لإنقاذ مشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من الانهيار داخلياً واقليمياً. حتى الآن، يتجنّب "حزب الله" اتخاذ إجراءات على نسق تشكيل حكومة من لون واحد، أي حكومة مواجهة، لأن ذلك القرار سيجرّه الى مواجهة مباشرة مع الثورة الشعبية. لكن قرار قمع الانتفاضة وبتر الثورة تم اتخاذه في طهران، إذا لم يندثر وينطفئ حراك التمرّد على الوضع الراهن في لبنان، من فساد حكّامه الى تسلّط "حزب الله" عليه بسلاحٍ إيراني.

أمام هذه المعادلة، ان الجيش اللبناني هو صمّام الأمان. فإذا اختار رئيس الجمهورية اللبنانية لبنان فوق إيران، أمامه ألاّ يخشى مما يسميه بـ"الحرب الرابعة" إشارة الى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بين المتظاهرين، بل ان ينقلب على عناده وتعاليه وتحالفاته السياسية ويفاجئ نفسه والناس. وإلاّ، ستتلطخ أياديه وأيادي كامل الطاقم السياسي الحاكم بدماء الشباب اللبنانيين كخدمة مجانية لإيران.