ثمة لحظات تاريخية تمر على الشعوب، تتسارع فيها خطى الأحداث، لتسقط أقنعة، فتكشف وجوها لم تعترف يوما، أنها وإن استطاعت أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، فهي لن تستطيع أن تكذب على كل الناس كل الوقت.

ولكي لا نجرح عذرية الوقت، ولا ندخل في مقدمات فلسفية طويلة وربما مملة، وبعيدا عن المشهد الإيراني الأخير المكلل بما صدر عمّا يسمى quot; مجلس صيانة الدستور quot;.. جدير بنا أن نبتعد قليلاً عن منصة التخدير، باتجاه الوقوف أمام الحقائق بتجرد قد يخرجنا من تأثيرات هلامية quot; المعتقد واللغة quot; نحو ما يفيد الوطن قبل الفئة، والقضية قبل الحزب.

إن ما تشهده ولا تزال منطقة الشرق الأوسط، سواء في لبنان أو فلسطين أو العراق أو السودان وحتى إيران، إنما يوضح بما لا يدع مجالاً للشك، أهداف ومخططات التيارات الراديكالية الإسلامية في المنطقة، والتي تنحصر جلها في الوصول إلى سدة الحكم، وإن كان عبر اتباع وسائل بعيدة بعد الأرض عن السماء عما يؤمنون به، والتغني بالديمقراطية أنموذجا حيا، ودليلا لا يقبل التأويل، خاصة وأن الديمقراطية بمفهومها العصري تعني فيما تعنيه فصل الدين عن الدولة.

وهنا نستطيع الوقوف على نموذج الإسلام السياسي في فلسطين للاستدلال.. ففي منتصف سبعينيات القرن المنصرم، حينما قال الرئيس الراحل quot; أنور السادات quot; مقولته الشهيرة quot; إن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا quot; أقامت التيارات الإسلامية الدنيا عليه ولم تقعدها، متهمة إيّاه بـ quot; الخيانة العظمى quot;.

واليوم نلحظ في خطاب السيد خالد مشعل في 25/6/2009 أنه يثني على لغة الإدارة الأمريكية الجديدة، ويمد لها اليد، مبديا استعداد حركته للتفاوض معها، حول إقامة الدولة الفلسطينية على حدود العام 67، مؤكدأ أن بيد الإدارة الجديدة يكمن الحل مستشهدا بالقول نصا quot; من يتابع التاريخ يعلم أن الرئيس أيزنهاور لم يقو على إلزام إسرائيل بالانسحاب rlm;من سيناء بعد العدوان على مصر عام 1956 إلا بعد أن تمرد على النفوذ rlm;الصهيوني في واشنطن quot;.. الأمر الذي يوضح بشكل جلي مدى تحول الخطاب الإسلامي الراديكالي المقاوم إلى خطاب مفاوض كان إلى زمن قريب منتقَدا من الحركات الراديكالية ذاتها.

ملحوظة آخرى نراها بوضوح كامل في خطاب السيد خالد مشعل، حينما تناول الشأن الفلسطيني الداخلي، حيث أكد على ضرورة ايجاد حل لعدد من القضايا الداخلية جاء من بينها:

ملف الاعتقال السياسي وضرورة إنهائه في الضفة الغربية.. على اعتبار أنه استئصال لحركة حماس وقوى المقاومة، بينما تمارس حركة حماس الاعتقال السياسي على أوسع نطاق وبكافة الأشكال، ليس فقط ضد حركة فتح ومنتسبيها، وإنما ضد كل من يخالفها الرأي، واعتقال قيادات من حزب التحرير وتعذيبهم مؤخرا بسبب البيان المعنون بـ quot; سلطة حماس تتبع سنن سلطة فتح شبرا بشبر وذراعاً بذراع quot; خير دليل.


والقضية الثانية التي أشار إليها مشعل في الشأن الداخلي ما أسماه quot; ضرورة تحييد الحوار الفلسطيني عن الالتزامات مع إسرائيل والشروط الخارجية quot; بينما نلحظ في المقابل أن حركة حماس تلتزم مجانا ودون التزام موثق بين طرفين بما يسمى بـ quot; التهدئة في قطاع غزة quot; لدرجة أنها إما تعتقل أو تغتال كل مقاوم يحاول تعكير صفو التهدئة بـ quot; صاروخ quot; عاش ردحا من الزمن مقاوما، ليصبح بقدرة قادر وفي يوم وليلة عبثيا وضد المصالح العليا للقضية والشعب معا، في تطابق كامل مع ما كانت تطرحه السلطة الفلسطينية وتنتقده بل وتهاجمه حركة حماس بشراسة وصلت في أحيان كثيرة إلى اتهام القائل بـ quot; العمالة quot;.. وبينما تشير حماس إلى ما أسمته بـ quot; الشروط الخارجية quot;، نراها تضع كامل الشأن الفلسطيني تحت تصرف اشتراطات بعض قوى الإقليم quot; إيران وسوريا quot;.

قبل الختام يجب علينا لفت الانتباه إلى أننا لا ننتقد التغييرات الجذرية في خطاب الحركات الراديكالية الإسلامية والتي يراها بعضٌ منا إيجابية إلى حد بعيد، وإنما نرفع الغطاء عن سر انتحار اللغة على مقصلة الخطاب الراديكالي، ونسوق للقارئ والمتابع بعض الأمثلة على سبيل الاستدلال، وليس نصبا للكمائن كما يفعل كتاب التدخل السريع من لندن إلى عمان، ومن مقال quot; لا جديد في خطاب مشعل quot; إلى مقال quot; لا جديد في كلمة مشعل quot; ويا للمصادفة الهائلة التي كادت تصل حد البلاغة في التطابق.

أخيرا إن ما يطلق عليه بعضنا تخبطاً واضحاً وضوح الشمس في المشهد الراديكالي الإسلامي على مستوى الأقوال والأفعال، إنما نراه من وجهة نظرنا لا يخرج عن نطاق سياسة مبرمجة، باتجاه تحقيق هدف واضح ومعلوم، وإن اتهمت تلك الحركات الراديكالية، بمثل ما اتهمناها نحن به في عنوان مقالنا هذا quot; الشوزفرينة quot; وهي التي أحيانا تُستخدَم عمدا كشكل مخفي من أشكال البراغماتية السياسية.

أحمد زكارنة