قصيرة هي الحياة إنها لقصيرة أكثر مما تتصور بكثير، أطرح السؤال على نفسك كلما وقفت على ماهية وجودك وركبت حصان تخمينك لأي دور سيوكل لك في مضمار سباق الحياة؟ إنك أحيانا كثيرة لقلق تريد فعل أشياء كثيرة، تنبهر بأعمال ووظائف قد تكون خارقة، تتمنى في أحلامك لو تصل إلى ماهو خارق للعادة لو استطعت لذلك سبيلا. تريد تكوين أشياء كثيرة في وجودك، أن تحقق مِهَنًا، تستمر في بحثك متعبا عن تحقيق الشاهد الذي يرفعك درجة فوق درجات الآخرين، يستهويك السير مفتشا عن مداخل لمدن الفضول، إلهامك في الأخير يقودك إلى الحقيقة النسبية، تنتظرها لأنه غيب الله. لا أحد يختار ماذا يكون في الحياة، مخترعا عبقريا أو راعيا للغنم أو بائعا متجولا في الأسواق يحمل كيسه على كتفه قاطعا المسافات مستلذا بعناء البكور شاكرا برضا قلب وخاطر ما اختاره الرب. إن الأحلام الكثيرة التي تكبر معنا في حياتنا القصيرة منحتها لنا الأمهات لما حبلن بنا، قد تحلم الأم الفقيرة المظلومة أن تلد ابنا يرفع الغبن عنها حين يكبر ويصير رجلا، أن ترسم في مخيلتها جماله بما يشبه القمر، أن يتزوج من ابنة رئيس البلاد ومليكها ويغدو أكثر شهرة من حاتم الطائي، ربما تتمنى له أن يصير كاتبا أو شاعرا يبهر العقول ويخطف القلوب من أصحابها؛ ربما تكبر الأمنية لتتمناه جنرالا قائدا للجيوش ولا يهمها في كل هذا و في تلك اللحظات بالذات لا يهمها إن كان مفسدا أو طاغية أو جبارا شقيا...قليلات من تتمنى أن يكون ابنها محبوبا عند كل الناس. قصيرة هي الحياة وقليل من يفكر في رد دين الأحياء و الأموات الذين منحونا أشياء كثيرة على حساب حياتهم، أطرح السؤال على نفسك: كم نحن مدانون بحياتنا لأولئك الذين ساعدوا في خروجنا للحياة؟ إن وظائفهم كانت دينا حقيقيا في أعناقنا يجب إرجاعه بخدمة أجيال كثيرة آتية متلاحقة، أسأل نفسك ماذا ستقدم لهؤلاء؟ في نهاية كل حدسك ما سيكون دورك في الحياة تقنع بأن كل مخلوق لما يسر له من عطاء إلهي. إن الإنسان لن يكون إنسانا إلا إن كان كله لأخيه الإنسان كما جاءت به الكتب السماوية ــ قبل أن تزيغ الإنسانية وتعمل على هلاكها وفنائها و هي لا تدري ــ إن القوانين البشرية لعبة أطفال مسلية حين تخالف الدين وفلسفة الحياة الحقيقية وما فلسفة الحياة الحقيقية غير منطق الخير واستعمال العقل لتحديد مهام كل واحد وتوزيع مسؤولياته داخل النسيج العام للإنسانية، الإنسان لأخيه الإنسان ذلك وحي الله للأنبياء وتعاليم الأنبياء للتابعين ودعوة الأسلاف لمن بعدهم. أسأل نفسك: أي معنى لسعادة الإنسان إن لم تتوقف سعادته و ابتسامته وفرحه وهنائه على ابتسامة وهناء الآخر؟ إن جنكيز خان أرهبته الأم المفجوعة في ولدها، لقد تحدت حرسه القساة القلوب بلا رحمة، حينها كان القائد العظيم فرحا مغمورا مزهوا بالنصر المحقق؛ لقد تحول فرحه إلى لحظة ضعف أمام إحساس حزن أم باكية، لقد أعطى الأمر بأن يرد لها ابنها و لو كان في أقصى الدنيا المهم أن يكون حيا. نخطأ حين نطلق أحكامنا المطلقة على الناس ربما يستيقظ الضمير والإحساس فيهم بألم يأخذ طريقه إلى قلوبهم.إن سعادتنا وهنائنا في الحقيقة يتوقف على سعادة الآخر، تلك هي أسمى درجات الغبطة في النفس حين يتحول ألم الآخرين إلى غبطة وغبطتك ألم. إن تبادل الأدوار هو ما يجعلك تقدم يد المساعدة وتتنازل عن تلك اللحظات لأجل غيرك فيتحول ألمه وألمك إلى فرح متبادل. من أبكى خليفة المسلمين عمر رضي الله عنه وحوّل ألمه إلى سعادة حينما شبع الصبية وناموا، لقد حآج نفسه وبخها على أمر لا إرادة له فيه؛ إنه الوقوف على سعادة الآخرين وفرحهم. إنه الوقوف حتى على سعادة الحيوان ومن منا لا يعرف شكوى الجمل للرسول صلى الله عليه وسلم، إنه الوقوف على سعادة الحشرات حين يأمر نبي الله سليمان جيشه الحذر من تحطيم مملكة النمل. لم يختار الأنبياء عليهم السلام ومن خلفهم عملهم ليكون موضع فتنة الاختبار. الإنسان للإنسان و المصائر مرتبطة بعضها ببعض والكل هالك إن تخالفت وتضاربت وتصادمت. لا شيء يجعلها متبادلة متماسكة غير رباط التعاطف و المنفعة المتبادلة. إن التفاضل سمة الطموحين لخدمة الأهداف السامية، هؤلاء نحن مدانون لهم بأشياء كثيرة؛ الطموحين بتنافس شريف شرعي لا يستهجنه الدين و لا يعاقب عليه القانون. إن المصائر مرتبطة بعضها ببعض و الإنسان لا يملك الحرية ما لم يساعد نفسه لطموحها أو يساعد أخاه في طموحه المشروع، لن يكون عاقلا ما لم يكن في خدمة الإنسانية جمعاء، فالأنانية صفة ذميمة تفسد النفس و العائلة و المجتمع و الأنظمة. لن يكون عاقلا من فكّر في نفسه فقط ليتحول إلى حيوان كباقي الحيوانات التي تملأ الغابة، إن لفي الحيوان تقاسما للمنفعة مع القطيع المنتمي إليه، في الأخير هو لا يلام لأنه مطبوع على الغريزة التي وضعها الخالق فيه، إنه التفرد في كل خلق. أسترشد بالأحكام الملهمة من خير وجمال وحق، إن المثل دليل راحة داخلية ومستقر اطمئنان، إنها الناقل الوحيد لبر الأمان. لقد أستطاع غاندي أن يواجه بقوة المثل قوة السلاح وينتصر في الأخير للحرية و الاستقلال. الكل له الحق في اعتناق المثل التي يريد الاسترشاد بها في حياته إن كانت كلها تصب في خدمة الإنسان فالبحث عن الراحة و السعادة هدف الجميع، لكن كيف تحققه؟ أطرح السؤال على نفسك لتكتشف كم من بحار الدم سفكت في تاريخ الإنسانية المرير؟ كم من ممالك دمرت وكم من خلق قتل ودفن و أحرق وصلب على مداخل المدن؟ إن تاريخ الإنسانية مفجع أكثر منه مريح، هو لا يبعث على التفاؤل كلما تصفحت أوراقه تتمنى لو أنك تعيش اللحظة لا غير و لا يربطك بالماضي أي صلة تنغص عليك عيشك؛ لا شك هناك في التاريخ صفحات ناصعة وتضحيات كبيرة هي أوقفت الإنسان لتصفحها والارتباط بماضي الحضارات. تستهوينا قراءة التاريخ حين نغرف من معين صناعة الخير لأولئك الذين رفدوا معاني الإنسان إلى مراتب الكمال والعزة ــ لو استطاعواــ. إن الإنسان ليحفر عن السعادة و الراحة في البحث عن أنظمة كثيرة تتطلع إلى رقي الإنسان بمنحه الكثير من التصرف في حياته وحريته، أنظمة يسعى من خلالها التعبير عن نفسه فالنظام الواحد وحده نظام الأنعام مرعى وعلف وذبح في المسلخ.أطرح السؤال على نفسك كيف يمكن لكل صاحب صنعة في الحياة أن يستثمر حياته القصيرة في دائرة صنعته. إن الصنعة الذهنية لأكبر تحدي، كل الصناع رضوا بحد لمهاراتهم وإتقانهم، إنه الإعجاب و الرضا بما توصلوا إليه بمهاراتهم، إلا صاحب الصنعة الذهنية إنه الباحث إلى ما لا سبيل لبلوغه لأجل أن لا يصل إلى حقيقة رضا كلي بما حصّل من صنعة، لو اكتملت حقيقة الأشياء فما معنى للحياة؟ الحياة الطويلة الحقيقية هي الحياة القصيرة الغير خاوية من الهم المعرفي و الفلسفي و العلمي لما يخدم الإنسان، مع هذا الهم تكبر المسؤولية لرفض الحدود المرسومة من الأسرة و الأفراد في المجتمع والأنظمة، رفض الحدود المثبطة للعزائم و المبادرات، الحدود التي تكبح الطموح لأجل خدمة الإنسان، تلك الحدود هي مطامع المرتزقة و التجار الجبناء و الساسة مرضى النفوس؛ وحدهم من يكبحون إرادة التغيير والخير. أطرح السؤال على نفسك ما مصير الذين شبعوا من الجري وراء امتلاك النجاح الخارجي عن محيطك كما يصفه أينشتاين من شهرة ورغد العيش و امتلاك الأموال الضخمة و أرصدة في بنوك كثيرة و السيطرة على مصائر البشر. أطرح السؤال على نفسك ما مصير الذين لم يحتقروها؟ لقد عاشوا عبيدا لها و أفسدوا أيامهم وطبائعهم، لقد ساوموا حتى بشرفهم لأجل تحصيلها، باعوا الدين و المثل و الأخلاق حين باعوا أنفسهم جملة. لقد كانوا ضحايا جريهم المهلك، لا يعلم خلفائهم المنهمكون أن الحياة البسيطة هي الأفضل على الإطلاق للجسم و العقل، إنها حياة الأنبياء والصالحين و المبدعين و العظماء و الفلاسفة على مر العصور. المقتنعون بتلك الحياة هم من غرسوا منطق الإنسانية في الانتماء الوحيد. أختلط بأصناف الناس من كبير وصغير، عاقل ومجنون، ذكر و أنثى، إن الناس على مستويات ودرجات من الفهم و الحكمة، إن الحكمة لا تملك مكانا محددا دورها ليس مقتصرا على أشخاص بعينهم حتى الحمقى صاروا يشككون فيما يدور من حولهم، لقد ردوا بذلك رأي برتراند راسل المشهور. قد يمنحك الناس بصائر الأمور إنهم الدرس الملهم، امتزاج الفهم بآراء الناس يعطيك قابلية السرعة في الوصول إلى خط النهاية للإشكاليات المستعصية الفهم و الحل. أختلط بأصناف الناس فهم الوحيدون مصدر استخلاص العبر. كلما استهجنت فعلا قبيحا تراه دفعك لتقويم سلوكك، كلما سخّفت فكرة ورأي حاذرت في استنتاجاتك و تحليلاتك.إن الوحدة قاسية ومتعبة وفي امتزاجك بألوان لا تتلاءم مع طبيعتك تنفصل خصائص كيمياء تركيب لونك، إن حدوث الوحدة داخل النفس في ظل اختلاطك بالناس هو ما يجعلك مميزا، يحفّزك على شيء ما أو يجعلك موضع الشك و الاتهام، يجعلك هدفا للرميات المسددة بدقة، تكثر عليك الطلقات . تعيين خطوط السير داخل الحياة القصيرة بعث جديد، خالف سبينوزا حين يعتبر التعيين هو الفناء. أليس الانتماء إلى حلقة الإخلاص للأصدقاء امتزاجا كلي؟ حتى الأصدقاء حلقات تختلف كل حلقة عن الأخرى في الحجم و الشكل واللون والاتساع.إن الانكفاء على النفوس ينمو مع مر السنين كلما تضايقت حلقات الأصدقاء وفسدت الطبائع وكثرت مشاغل الدنيا ومطالب النفس و الأسرة، ينمو الشعور بالانكفاء على النفس كلما خاب ظننا في الآخرين بخاصة المقربين لنفوسنا أو أولئك الذين رسمنا لهم صورة جميلة داخل إطار حياتنا الداخلية حينها تصبح سعة البيت مطلب الضمير لأجل تدارك الأخطاء والخطايا الشخصية، إن الانكفاء لن يكون غير محكمة ذاتية وبكاء على ذنوب مقترفة في حق أنفسنا وفي حق الآخرين. لا شك الاعتزال شكله جميل ومذاقه مر على النفس و الروح و العواطف و الإحساس، لذا وجب تفهم المعتزلين الذين نبحث عن مخالطتهم، ألتمس لهم الأعذار لأنها في النهاية هي أعذارهم وقد تشبه أعذارك في مواضع كثيرة. إن تفهم عواطف الآخرين يقربك أكثر منهم مهما اخترت العزلة و الانكفاء. التفهم لحالتهم سيعتبرونه تعاطفا ايجابيا معهم هناك تعاطف سلبي هو ذاك الحامل لأسئلة تخص حياتهم و لا تعني لسائليها شيء. أحترم حتى الأذلاء ربما كانوا أعزة قومهم، أحترم المجانين ربما تضحياتهم جعلتهم يمزقون ثيابهم و لا يخجلون. أحترم الجميع في ظل امتزاجك، أحترم الأموات و الأحياء على حد سواء. لا تقدس شخصا بعينه مهما بلغ أمره مبلغا كبيرا فربما الإعجاب و التقدير المبالغ فيهما كثيرا يورثان الهم لو انكشفت الحقائق المزيفة أو غيّر أصحابها من سلوكياتهم و طبائعهم و لم يثبتوا . قد لا يستحق الشخص المقدس كل هذا، إنه النقص في فهم ما تحمله الطبيعة البشرية التي جاءت بها الأديان و الفلسفات لتأكيد ضعفها وهشاشتها أمام المادة وبريق الفتن. أطرح سؤالك على نفسك: كيف السبيل لبلوغ غاية ما داخل المجتمع أو الدولة أو في أي نظام؟ إن الفشل لحليف كل الذين يملئون الحياة ضجيجا فارغا ويرفضون قيادة الغير لهم، إن النجاح تتميز به المجتمعات التي اختارت شخصا واحدا وانتخبته ليفكر في كيفية قيادتها و أعانته على ذلك.أما التميزات الاجتماعية الزائفة التي يفرضها الأفراد داخل النظام الواحد تقوم كلها على مبدأ القوة، القوة أولا و أخيرا مهما حملت من مثل عليا و أخلاق مهما حملت من مفاهيم الديمقراطية. أطرح السؤال على نفسك لما المجتمعات تحيى في رفاهية و أخرى تعاني الويل و الأمرين، إن الفساد لصيق المنظومات الاستبدادية الممارسة للعنف لأن العنف و القهر لا يجذب إلا الدونيين لا محالة ومن أطاع عصاك فقد عصاك كما قال ميخائيل نعيمة، لن يخلف الطغاة المرموقين غير الأراذل المنبوذين و لن يخلف السفهاء غير الفسّاق. ولا شك أن الخير موجود في بقعة ما. الحياة قصيرة أكثر مما تتصور بكثير و امتزاجك في النهاية لن يكون بالرجوع إلا بالتدين الحقيقي لأنه الكمال لأن مصدره الله والرب وحده يريد الخير للعبد، وتأتي من بعده قوة الروح، أما الفكر فرسول بسراج. العاقل من عرف انتمائه في هذه الحياة القصيرة جدا.