مروة كريدية من ابو ظبي: ترتبط آداب الشعوب بتاريخها كون الأدب مرآة صادقة لانعكسات المراحل السياسية المتعاقبة والأحداث المفصلية وقد شكل الجزء الأول من القرن العشرين مرحلة حاسمة في الأدب الايطالي فبعد ان شهدت إيطالية انقسامات سياسية في القرن السادس حتى التاسع عشر فيما كان التطور الاقتصادي والاجتماعي يشهد نموا ترك أثرا لا يستهان به في الأدب والثقافة والفنون وميز أدب شمالي إيطالية عن جنوبيّها الذي ارتبط بالأسرة الحاكمة في صقلية وتلاشى بسقوطها، نجد ان مرحلة الفاشية حالت دون قيام كيان ثقافي مستقل.

وهو ما عبَّر عنه تشيزاري بافيزي عن بداية هذا العصر عندما قال عام 1949: laquo;ليس ثمة ثقافة إيطالية اليوم، بل ثقافة أوربية وحتى عالميةraquo; وضاقت من ثمّ دائرة المجتمع الأدبي وإن اغتنى في هذه المرحلة بروافد جديدة أخرى من التيارات الأدبية تجلت في المجلات الأدبية، فيما كان النظام الفاشي يبحث عن مؤيدين مخلصين له بين المفكرين فقد أخفق بسبب التناقضات التي كانت تعصف به.
فيما اتجه الأدباء المناهضون للفاشية إثر خيبة أملهم في النظام نحو التحرر متسلحين برؤية جديدة ذات آفاق سياسية واجتماعية رحبة.
ومن أبرز شعراء هذا الاتجاه أوجينيو مونتالي Eugenio Montale الذي صور في أبياته عِظام حبّار (1925) Ossi di Sepia والفرص (1939) Le Occasioni القلق الذي أصاب جيل العصر الذي كان يرى أن الحروب تهدد وجوده، والشيوعية تزيد مخاوفه والفاشية والنازية تسلبان حريته.
تعد ترجمة ديوان أوجينيو مونتالي الشهير quot;عظام الحبّارquot; من الإيطالية الى العربية من الإضافات المهمة والمميزة للثقافة، فمونتالي شاعر حائز على جائزة نوبل للآداب عام 1975، وهو ثالث ثلاثة شعراء إيطاليا الكبار إلى جانب كلّ من جوزيبي أونغاريتي (1888-1970م) وسلفاتوري كوازيمودو (1901-1968م)، الذين برزوا في الربع الأول من القرن العشرين، وقد استمرّ تأثيرهم في الشعر الإيطالي حتى يومنا هذا، وقد جاءت هذه الترجمة ضمن مبادرة التعاون quot;معهد الشرقquot; بروما مع مشروع كلمة في ابو ظبي

يعد مونتالي الأكثر تأثيراً في الشعراء الإيطاليين، فهو ليس شاعراً فذّاً وحسب بل هو أيضاً، مترجم وناقد أدبي وفني وصحفي محترف وقاص بارع وموسيقي واسع الاطلاع ورسام ومستشار إعلامي في التلفزيون، وقد عيّنه الرئيس الإيطالي جوسيبي ساراغات عام 1967 عضواً في مجلس الشيوخ مدى الحياة، تقديراً لمواهبه المتعدّدة ولمكانته المتفرّدة في المجال الثقافي.
وبفضل ما امتاز به مونتالي من كثافة وعمق، فإنّ شعره يشكّل واحدة من أسمى التعبيرات المعاصرة للالتزام الشعري.

هدهد
هدهد، أيها الطائر السعيد
هدهد، يا طائر الشعراء
السعيد المفترى عليه،
يا من انداح عرفك على مجثم
القن الهوائي، وتعطي وجهك للريح
متخذا هيئة ديك
ولأنّ الزمن، بالنسبة إليك يتوقف
أيها الهدهد يا رسول الربيع
فإنّ شهر شباط لن يموت بعد الآن
كما ينحني بعيدا في الخارج
على حركة من رأسك
عفريت مجنّح، فيما أنت تجهل ذلك.

ولد أوجينيو مونتالي في جنوة عام 1896، وتلقّى تعليما كلاسيكيا أثراه بمطالعاته الواسعة. وفي عام 1925 ظهرت باكورة أعماله quot;عظام الحبّارquot;، مع أنه لم يكن ينوي أن quot;يتخصّصquot; في الشعر، كما كان يقول. ففي تلك الفترة لم يكن الناس يعبؤون بالشعر بل بالسياسة، حتى أن ناشره استغرب عندما أرسل إليه ذات يوم مقالة سياسية، لأنّ الشعراء في رأي هذا الأخير، غير معنيين بالسياسة، ومع ذلك، فقد أصبحت هذه المجموعة الإنجيل الشعري لجيل بكامله. ولهذا الاحتفاء ما يبرّره: فبقطعه مع البلاغة السائدة كشف مونتالي، وبنبرة حميمية تكاد تكون منغلقة، عن حقيقة العالم.
ولعلّ ما يميّز مونتالي أكثر عن مجايليه والجيل الذي سبقه هو ثقافته الأنجلوسكسونية والفرنكفونية الواسعة مما جعل منه مواطنا أوروبيا قبل الأوان، وذلك في فترة انطوت فيها إيطاليا على نفسها...
استقرّ مونتالي في نهاية الثلاثينيات في فلورنسا، العاصمة الثقافية آنذاك، حيث عقد صداقات أدبية وفنية كثيرة. لكنّ النازيين فصلوه من عمله، فاضطرّ، لتوفير لقمة العيش، إلى الترجمة.

وفي تلك الفترة، ظهرت مجموعته quot;المناسباتquot; التي استقبلت، بدورها، بحفاوة بالغة من قبل النقاد. وقد تنبّأ الشاعر بوقوع الكارثة التي كانت تترصّد أوروبا.
وفي خضمّ الحرب (1943) صدر له في لوغانو بسويسرا ديوان آخر هو quot; فينيستيريquot;، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، استقرّ، عام 1948 في ميلانو حيث توزّعت أنشطته على أكثر من مجال: الصحافة والنقد الموسيقي والأدبي والسفر.

في الأثناء تتالت أعماله، فنشر ترجمة المختارات من الأدب الأنجلوسكسوني، ومجموعة قصصية، ومراسلاته مع إيتالو سفيفو، ومنتخبات من مقالاته وانطباعاته عن أسفاره (1969)، التي طغت عليها ذكرياته عن فرنسا.
ترجم ديوان مونتالي من الإيطالية إلى العربية كل من عز الدين عناية، الأستاذ بجامعة لاسابيينسا بروما، الذي سبق وأن نقل إلى العربية quot;أنطولوجيا الشعر الإيطالي المعاصرquot;، والشاعر التونسي محمد الخالدي الذي نشر عديد الدواوين منها: quot;قراءة الأسفار المحترقةquot; بغداد 1974، quot;كل الذين يجيئون يحملون اسميquot; بغداد 1978، quot;سيدة البيت العاليquot; تونس 2000، quot;مباهجquot; تونس 2001، فضلا عن أعمال روائية وترجمات. وقد سبق لعز الدين عناية أن تعاون مع الشاعر الخالدي في ترجمة ديوانه quot;المرائي والمراقيquot; إلى اللغة الإيطالية.