"لو كان في شغل هنا في القرية، ما كانش زياد وغيره سافروا ساعة ونص يومياً ولاقوا مصيرهم ده".
بهذه الكلمات يروي عصام أحمد مأساة فقدان ابنه زياد.
زياد، 14 عاماً، كان واحداً من أطفال قرية معصرة صاوي بمركز طامية في محافظة الفيوم، جنوب القاهرة، الذين خرجوا للعمل في جني محصول الطماطم. كانت المزرعة تبعد أكثر من 150 كيلومتراً عن منزلهم، وكان يتقاضى أجراً يومياً قدره 150 جنيهاً، أي ما يعادل نحو 3 دولارات، مقابل 8 ساعات عمل.
في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2025، لقي زياد مصرعه مع سبعة آخرين، بينهم خمسة أطفال، إثر انقلاب واحتراق سيارة غير مهيأة كانت تقلهم أثناء عودتهم من العمل.
يقول والده: "خرجوا علشان لقمة العيش. ابني وزوجتي كانوا متعودين يشتغلوا في المناطق دي من سنتين، يطلعوا بعد الفجر ويرجعوا آخر النهار".
وبحسب الأب، نجا زياد في البداية من الحادث، لكنه عاد وسط النيران لمحاولة إنقاذ والدته، فأُصيب بحروق بالغة، نُقل على إثرها إلى المستشفى، حيث توفي بعد يومين.
ويُظهر آخر مسح حكومي شامل، أُجري عام 2021، أن هناك نحو 1.3 مليون طفل عامل في مصر، بينهم حوالي 900 ألف طفل يعملون في بيئات خطرة.
كما تُقدّر منظمة اليونيسيف، في تقرير صادر عام 2025، عدد الأطفال الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد في مصر بنحو 6.6 مليون طفل.

حوادث متكررة
بعد أيام من حادث الفيوم، في 21 ديسمبر/ كانون الأول 2025، لقي خمسة أشخاص مصرعهم وأُصيب 18 آخرون، بينهم أطفال، في تصادم أثناء توجههم إلى العمل في محافظة المنوفية في دلتا مصر.
وفي حادث سابق، بتاريخ 27 يونيو/ حزيران 2025، لقي 19 شخصاً مصرعهم، غالبيتهم فتيات مراهقات، في شمال مصر، في الواقعة المعروفة إعلامياً بـ"حادث فتيات العنب"، حيث لم تتجاوز اثنتان منهن الرابعة عشرة.
ويقول مختصون تحدثوا لبي بي سي إن تكرار هذه الحوادث يسلط الضوء على استمرار تشغيل الأطفال في أعمال شاقة، بالإضافة إلى الاعتماد على وسائل نقل غير آمنة.
وأظهر تقرير صادر عن مؤسسة مجتمع مدني مصرية أنه خلال الفترة من 1 يناير/ كانون الثاني إلى 23 أبريل/ نيسان 2025، رُصدت 25 حادثة طرق تعرض لها عمال الزراعة، نتج عنها 44 حالة وفاة، بينهم 12 قاصراً.
وبحسب التقرير الذي أعدته مؤسسة المرأة الجديدة، أسفرت هذه الحوادث عن 305 إصابات بين عمال وعاملات الزراعة، بينهم 81 قاصراً، تنوعت بين كدمات وكسور ونزيف داخلي وارتجاج في المخ.
من هم الأطفال الأكثر رفاهية في الدول العربية؟

القانون المصري
تُعرّف الأمم المتحدة عمالة الأطفال بأنها الأعمال التي تثقل كاهلهم، وتهدد حياتهم، وتنتهك حقهم في التعليم.
وتنص المادة 80 من الدستور المصري على اعتبار كل من لم يبلغ 18 عاماً طفلاً، وتُلزم الدولة بحمايته من العنف والاستغلال.
وأقرت السلطات المصرية أوائل العام الماضي قانوناً جديداً للعمل، حظر تشغيل الأطفال قبل سن 15 عاماً، مع السماح بالتدريب من سن 14، ومنع تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعرض صحتهم أو أخلاقهم للخطر. كما حدد القانون ساعات العمل بست ساعات يومياً، مع فترات راحة، ومنع العمل الإضافي أو في أيام الراحة.
لكن أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال، يقول إن الواقع مختلف: "صاحب العمل الذي يستغل طفل أقل من 13 أو 14 سنة ويحقق مكسب مادي يرتكب جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن خمس سنوات، وإذا تعرّض الطفل للخطر، العقوبة قد تصل إلى ستة أشهر".
الزراعة
تشير تقديرات رسمية إلى أن نحو 63 في المئة من الأطفال العاملين في مصر يعملون في قطاع الزراعة، الذي يعاني من ضعف الرقابة، خاصة في إطار العمل غير الرسمي.
ويوضح مصيلحي أن العمل في الحقول غالباً ما يتطلب ساعات طويلة تحت الشمس، ويتضمن التعرض للمبيدات والآلات الثقيلة، ما يزيد من خطر الإصابات والأمراض المزمنة لدى الأطفال.
ويضيف خلال حديثه مع بي بي سي: "عمل الأطفال في الزراعة من أسوأ أشكال العمالة، وقد يؤدي إلى وفاتهم سواء بالحوادث أو بالمخاطر الصحية".
وفي يونيو/ حزيران الماضي، دعا تقرير صادر عن الجبهة المصرية لحقوق الإنسان الدول المستوردة للمنتجات الزراعية المصرية إلى التأكد من عدم انتهاك حقوق الطفل خلال عمليات الإنتاج، قبل إبرام أي عقود استيراد.
كما أوصى التقرير بإدراج شروط واضحة للحماية والسلامة، خاصة للنساء والأطفال العاملين في القطاع الزراعي.

لماذا يعمل الأطفال؟
يرجع الخبراء أسباب عمالة الأطفال في مصر إلى عوامل اقتصادية بالدرجة الأولى، إلى جانب موروثات ثقافية ترى في عمل الطفل دعماً ضرورياً للأسرة.
وتشير بيانات 2021 إلى أن الأطفال في المناطق الريفية، خاصة في صعيد مصر، أكثر عرضة للعمل بضعف المعدل مقارنة بالحضر. كما يعمل 10 في المئة من الأطفال في الأسر الفقيرة، مقابل 1.5 في المئة فقط في الأسر غير الفقيرة.
وتقول الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة: "السبب الرئيسي هو الفقر وانخفاض دخل الأسرة، إلى جانب انتشار الاقتصاد غير الرسمي وصعوبة الرقابة عليه".
وتضيف السنباطي: "لدينا برامج وقائية لدعم الأسر الأكثر فقراً ومنع الأطفال من العمل، مثل تكافل وكرامة، وحياة كريمة، ونسعى لتوسيع نطاق التدخل ليشمل أكبر عدد من الأسر المستحقة".
عمالة القُصّر تضع مستقبل أطفال العالم في خطر

جهود حكومية
من جانبه، يقول سيد الشرقاوي، مدير عام إدارة التفتيش بوزارة العمل: "في السابق كان هناك قصور في التشريعات، أما اليوم فهناك توافق كامل مع معايير العمل الدولية، والمفتش قادر على رصد المخالفات واتخاذ الإجراءات اللازمة".
وتؤكد الحكومة المصرية تعزيز قدرات مفتشي العمل، والتعاون مع المؤسسات الدولية لتفعيل القوانين، من خلال الخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، إلى جانب مشروعات دعم الأسر الأكثر احتياجًا.
وتحتل مصر المرتبة 44 عالميًا في مؤشر حقوق الطفل لعام 2025 من بين 194 دولة، كما انخفضت نسبة عمالة الأطفال (من 5 إلى 17 عاماً) إلى 4.9 في المئة في 2021، مقارنة بـ7 في المئة عام 2014.
- حادث المنوفية: وفاة 19 شخصاً غالبيتهم "عاملات قُصّر"، ومصر تنعى "شهيدات لقمة العيش"
- برنامج "درس" من بي بي سي: كيف يمكن مساعدة الأطفال الذين لا يحصلون على التعليم؟
- العالم تعهّد بإنهاء عمالة الأطفال بحلول 2025، فلماذا لا يزال 138 مليون طفل يعملون؟

























التعليقات