حليم بن عطا الله

ينذر الإجراء الفرنسي التمييزي الأخير الخاص بكيفية منح تأشيرات دخول رجال الأعمال الجزائريين إلى فرنسا، بالتضييق على حركة المبادلات ونسف الدفء الظرفي الذي عاد قبل أشهر للعلاقات بين الدولتين. ويقول المسؤول الجزائري للجالية وكذا ممثل عن رجال الأعمال، فضلا عن المعارض البارز quot;موسى تواتيquot; في تصريحات خاصة بـquot;إيلافquot; إلى أنّ الخطوة تؤشر على إمكانية تحجيم المشروعات الجزائرية الفرنسية، ويشكّل بوجهة ما رغبة من الإليزيه للمناورة وإبعاد الجزائر عن الذهاب بعيدا في ترجمة مطلب تجريم الاستعمار.


يشير حليم بن عطا الله، كاتب الدولة الجزائري المكلف بالجالية الوطنية بالخارج، أنّ الإجراءات الفرنسية المتعلقة بمنح تأشيرة الدخول لرجال الأعمالالجزائرين إلى فرنسامست بشدة رجال الأعمال وكرامة جميع الجزائريين وبالتأكيد أن هذا سيصبح إشكالا، خصوصا وأنّ الاستمارات التي يتعين على طالبي التأشيرات ملؤها، تتضمن أسئلة محرجة تجعل كل جزائري حتى وإن كان ميسور الحال ينظر إليه على أنه مشروع مهاجر محتمل.

وإذ جدّد التأكيد على انطواء الخطوة على quot;عدم تنسيقquot; وquot;عدم استشارةquot;، سجل كاتب الدولة بلهجة ذات مغزى:quot;العراقيل الجديدة ستترتب عنها صعوبات جديدةquot;، ويوعز المسؤول ذاته إلى أنّ هناك quot;إجماع تامquot; بين السلطات ورجال الأعمال الجزائريين برفض هذه الإجراءات التمييزية.

وبمقابل تحاشيه الخوض في كيفية تعاطي الجزائر مع الخرجة الفرنسية المثيرة للجدل، فإنّ عطا الله حذر مما سيترتب عن شدة القيود التي تنطوي عليها التدابير الفرنسية المستحدثة، من تحجيم في حركات الأعمال، علما أنّ الخارجية الجزائرية في بيانها الأخير، اعتبرت أن ما أقدمت عليه السلطات الفرنسية من شأنه نسف اللقاء القنصلي المقبل بين البلدين بشكل مسبق.

بدوره، ينتقد عبد الوهاب بن زعيم رئيس رابطة المستثمرين الجزائريين، القرار الفرنسي التمييزي واستهدافه لمواطنيه دون سواهم، ويرى بن زعيم أنّ سلوكا كهذا سيلقي بظلاله على حراك رجال الأعمال الجزائريين خارج البلاد، مثلما يصفه بـquot;الإهانةquot; التي تمس بكرامة ومكانة رجال الأعمال، انسياقا لإجبارهم لدى طلب التأشيرة بعدم المطالبة بشهادة إقامة أو الاستفادة من خدمات اجتماعية أو طبية، وتقديم تصريحات شرفية بذلك.

ويعطي بن زعيم انطباعا قويا أنّ الأيام القادمة ستشهد تشاورا بين هيئته وكذا منظمات أرباب العمل وكونفيدرالية الصناعيين والمنتجين الجزائريين، لبحث القرارات اللازمة لدفع السلطات الفرنسية للتراجع عن خطوتها، لاسيما وأنّ ما اعتمدته باريس يخالف رأسا بنود اتفاق الشراكة الجزائرية الأوروبية الذي يدخل عامه السادس، وينص في خطوطه الكبرى على تكريس حرية تنقل الأشخاص والرساميل بين ضفتي البحيرة المتوسطية.

من جانبه، يربط موسى تواتي رئيس الحزب المعارض quot;الجبهة الوطنية الجزائريةquot;، بترسبات قديمة مرتبطة بعدم قيام حكومة بلاده بأي شيئ ردا على إقدام الفرنسيين بفرض التأشيرات على عموم الرعايا الجزائريين وبشروط معقدة، معتقدا أنّ الجانب الفرنسي عندما رأى غياب أي رد فعل من الجزائر على الشروط المجحفة التي فرضتها باريس إزاء الجزائريين quot;العاديينquot;، تمادى في تصرفاته بإقرار الإجراء الجديد ليمس من يسميهم تواتي quot;رجالات المصالحquot;.

ولا يهضم صاحب المركز الثالث في رئاسيات أبريل/نيسان 2009، الضجة المثارة من لدن السلطات الجزائرية عندما تعلق الأمر برجال الأعمال، ومن يصنفهم في خانة quot;مواطني المكانة السلطويةquot; وصورتها على أنّها quot;احتقاراquot;، كما لو أنّ الاحتقار الذي مسّ مواطنيه البسطاء لا يمثل أي قيمة.

وبشأن ردّات الفعل عن quot;الاستفزاز الفرنسيquot;، يقدّر تواتي أنّ الإجراء من المفروض أن يدفع الجزائر لتكثيف علاقات اقتصادية مع دول أوروبية تحسن معاملة الجزائريين ولا تفرض بحقهم أي إجراءات تمييزية، وهو ما سيضر بفرنسا كثيرا، لأنّ باريس هي من لها مصالح مع الجزائر وليس العكس، في صورة ارتباط مجموعاتها بعديد المشاريع في الجزائر.

ويشدد تواتي على حتمية عدم إعطاء الأهمية القصوى للخطوة الفرنسية التي قد تنقلب على من اتخذها بمجرد قيام الجزائر برد فعل حازم ضد المصالح الفرنسية بالجزائر، وهو ما سيضعف فرنسا ويجردها مما تريد المناورة به، على حد تعبير محدثنا.

ويدعو تواتي الرسميين في الجزائر إلى مراجعة أنفسهم والتحدث بلغة أخرى مع الطرف الفرنسي، بدل السعي لحل مشكلة ليست كذلك بنظره، والرد بحسبه يكون بالكف عن إيداع الأموال الجزائرية الهائلة في فرنسا، واستثمارها في دول أخرى، وهي بمثابة quot;مقاطعةquot; ستجعل فرنسا هي الخاسرة في نهاية المطاف.

لكن تواتي يستبعد إمكانية إقدام السلطات الجزائرية على هكذا خطوة، رغم حساسيتها على صعيد كسر شوكة الفرنسيين والإضرار باستثماراتهم في الجزائر، مبرزا أنّ المجموعات الفرنسية أريد لها أن تتحول بقدرة قادر من مفلسة إلى شركات فاعلة في قطاعات المياه والنقل والخدمات بالجزائر على غرار سويز وغيرها التي يعود الفضل في إنعاشها إلى الحكومة الجزائرية وهو ما انجر عنه كسب فرنسا لمليارات الدولارات، رغم أنّ تلك المجموعات لم تقدم شيئا للجزائر، ومع ذلك استفادت من تمديد عقودها كما لو أنّ الجزائر تفتقد إلى مجموعات مقتدرة.

ويذهب تواتي إلى أنّ الإجراء الفرنسي التمييزي له صلة بضغوطات تريد باريس ممارستها من أجل زيادة المكاسب، على أهبة انتهاء عقود المجموعات الفرنسية بالجزائر، والرغبة في الظفر بصفقات جديدة لامتصاص الأموال الجزائرية الضخمة التي تسيل اللعاب على غرار الـ286 مليار دولار المرصودة للمخطط الإنمائي الممتد إلى العام 2014.

وعن آثار القرار الفرنسي على المحادثات القنصلية الوشيكة، ينفي المعارض الجزائري أي انعكاس، ويقول إنّ ما يُراج غير صحيح من حيث الجوهر، الذي يبقى بمنظوره يتصل رأسا بمسألة تجريم الاستعمار والاعتراف بحق الجزائر في تجريم أفعال المحتل القديم، وتريد فرنسا بحسب تواتي إبعاد الجزائر عن تجسيد هذا المطلب التاريخي، من خلال الدفع بمستعمرتها القديمة للتخبط في فلك التأشيرات وما يتعلق بها من شروط.

وبشأن من يقف وراء زيادة التوتر بين العاصمتين غداة كل تقارب، يتصور تواتي أنّ مسألة الدفء ونقيضه تخفي مراوغات وسيناريوهات تطبع فلك العلاقات بين الدولتين، مسجلا أنّ هناك أتباع لمصالحهم وضعفهم أمام كل ما هو فرنسي، يدفعون بانتظام إلى التوتر.

ودأبت فرنسا في الأعوام الأخيرة على quot;افتعالquot; عديد الأزمات على غرار احتجاز أحد الدبلوماسيين الجزائريين وما تعلق بملف الرهبان الفرنسيين السبعة، وغيرهما، وعادت باريس في كل مرة لتخفف من حدة لهجتها، والتنصل مما سعت للمناورة به عبر مراجعة حساباتها وركوب قطار التهدئة، وهو ما يفسّر الرسائل التي بعث بها quot;بيار رفارانquot; المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي quot;نيكولا ساركوزيquot; إلى نظيره الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مؤخرا.
كما شهدت الفترة ما بين 2005 و2007، تصعيدا كلاميا لافتا من الجانب الجزائري بغرض حمل الطرف الفرنسي على quot;احترام واجب الذاكرةquot;، لكن الإليزيه لم يأبه بما كان، ووصل الحد بالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى حد إسقاط أي اعتذار، جازما بـquot;استحالة مطالبة الأبناء بالاعتذار عما اقترفه الآباءquot;، وتذرع في تصريحات موسومة بـquot;الاستفزازيةquot; وquot;المتجنيةquot; على الذاكرة الجمعية الجزائرية، بكونه quot;لا يقبل أن يتسبب في جرح مشاعر الفرنسيين''، زاعما أنّ الندامة مفهوم ديني ولا مكان لها في علاقات دولة مع أخرى.