اتهمت أطراف في المعارضة السورية، جامعة الدول العربية، بمنح نظام بشار الأسد المزيد من الوقت لقمع الاحتجاجات المطالبة برحيله، ويأتي ذلك غداة اجتماع ستعقده الجامعة يوم السبت المقبل للتباحث في عدم تطبيق هذا النظام للمبادرة التي تنصّ على وقف العنف والجلوس على طاولة الحوار الوطني.


قذائف يقول نشطاء إن قوات الأمن تستخدمها ضد المتظاهرين

ما زالت التظاهرات المناوئة للنظام السوري مستمرة والقمع كذلك، في معادلة تفرض على طرفي الصراع اختبار كل ما لديهم من إمكانيات وأساليب لتحقيق المكاسب ودرء المخاطر.

وقد تعقد المشهد مع المهل الزمنية المتتابعة التي تمنحها الجامعة العربية للنظام في دمشق، والتي تعتقد المعارضة أن الأسد يستخدمها للضغط على المحتجين من أجل إخماد ثورتهم، التي بات سقف مطالبها لا يقف عند حل المطالبة بإصلاحات، وإنما الدعوة إلى رحيل الرئيس، بلوحتىإعدامه.

ومع استمرار الثورة في سوريا، يرى مراقبون ونشطاء ومعارضون أن الثورة نجحت حتى الآن في تحقيق سلسلة إنجازات يمكن تحديدها في الآتي: تأسيس المجلس الوطني الإنتقالي، الذي تنضوي تحت رايته غالبية أطياف المعارضة، وكذلك تشكيل ما بات يعرف باسم quot;جيش سوريا الحرquot;، إضافة إلى كسر السوريين حاجز الخوف والتمسك في مطالبهم.

وقدوجد العرب أنفسهم في موقفصعب أمام ما يجري في سوريا من تطورات متلاحقة، فلا يجدون في جعبتهم الكثير من الخيارات بسبب موقع سوريا الإستراتيجي وقربها من إسرائيل وعلاقتها مع إيران وحزب الله وفصائل فلسطينية، وبعد جهود متواصلة تمكنوا من بلورة مبادرة تقضي بالدعوة إلى حوار وطني في سوريا، لكن هذه المبادرة يؤخذ عليها عدم تحديدها لسقف معين لهذا الحوار، وتعّقد المشهد أكثر فأكثر مع استمرار القمع، الذي يتبعه النظام ضد المتظاهرين، وهو ما دفع الجامعة العربية على ما يبدو إلى انتقاد النظام السوري، والدعوة إلى إجتماع إضافي على مستوى وزراء الخارجية يوم السبت المقبل.

عدم تمخض الجامعة العربية عن موقف حاسم تجاه النظام السوري، جعلها في مرمى انتقادات المعارضة، فقد قال شلال كدو القيادي في الحزب اليساري الكردي في سوريا إن الجامعة العربية منحت مهلة جديدة لنظام بشار الأسد عندما أجّلت اجتماع وزراء الخارجية العرب حتى السبت المقبل، معتبرًا أنها quot;من دون شكمهلة جديدة للنظام وستتبعها مهل أخرى بكل تأكيدquot;.

وحول أسباب ذلك، رأى في تصريحات خاصة لـquot;ايلافquot; quot;أن الجامعة العربية ليست مهيئة الآن لتعمل على تدويل الملف السوري، وهي منهمكة في منح النظام مهلة تلو الاخرى، لأنها لا تستطيع الوقوف حتى هذه اللحظة في وجه النظام السوري صراحة، فهي تعتقد بأن النظام يمتلك العديد من أوراق القوة الداخلية وكذلك الإقليميةquot;. وكانت قطر دعت إلى عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب يوم السبت بشأن مناقشة التطورات الجارية في سوريا.

وحول تصعيد حدة القتل والاعتقالات من طرف النظام، أشار كدو إلى أن quot;التصعيد المستمر من قبل النظام ضد المتظاهرين العزل، ولا سيما في أول أيام العيد الأضحى المبارك، إن دل على شيء، فإنما يدل على أنه غير آبه بمقدسات الشعب السوري البتة، وهو ماض في خيار القمع والتنكيل بالناس العزل، والذي فضّله على الخيارات الأخرى منذ الانطلاقة الأولى للثورة السورية، رغم موافقته التكتيكية على مبادرة الجامعة العربية، التي لم يجف حبرها بعد، ولم تتوقف في الوقت عينه آلة القتل ولو لبرهة واحدةquot;.

وكان قتلى مدنيون قد سقطوا في أول أيام عيد الأضحى المبارك في أكثر من محافظة سورية.

فيما أكد القيادي الكرديquot;أن النظام السوري يسعى إلى كسب الوقت وشرائه بأغلى الأثمان، ليتسنى له قمع المظاهرات والاحتجاجات، في محاولة للسباق مع الزمن بسبب خشيته من تدويل الأزمة، وبات يعلم الآن أكثر من أي وقت مضى، بأن تعريب المسألة السورية خير من تدويلها، لأن النظام العربي الرسمي لا يزال في غالبيته يسعى إلى إنقاذ النظام، ويضمر له دعماً أكيداً، الأمر الذي يفسر مبادرات الجامعة العربية الخجولة ومواقفها الداعمة للنظامquot;.

من ناحية أخرى، قال كدو quot;إن الشعب السوري شبع من الوعود الوهمية التي يطلقها النظام بين الفينة والأخرى، ولا يوجد هنالك من يثق بوعوده في الإصلاح أو الاحتكام إلى لغة الحوار أو إجراء إصلاحات، من شأنها أن تؤدي إلى تراخي قبضتة الحديدية، فضلاً عن أنه لا يؤمن بضرورة وجود المعارضة من الأساس، لذا فإنه يراوغ بحنكة ودهاء شديدين لكسب مزيد من الوقت، لعله يتمكن من إخماد الثورة المستمرة ضده، لكن هيهات أن يفلح في مساعيه، لأن الجماهير الثائرة لا يمكن أن تتراجعإلى الخلف بعد ثمانية أشهر من إراقة الدماءquot;.

وأضاف quot;إن تشتت المعارضة السورية بين مجالس عدة، وعدم وضوح رؤيتها تجاه سوريا المستقبل، وفشلها حتى هذه اللحظة في توحيد صفوفها وفي تقديمها البديل الديمقراطي التوافقي بين مختلف مكونات الشعب السوري، يمنح النظام قوة أكثر، ويوفر له الذرائع للمضي قدماً في سلوكه الأرعن تجاه المتظاهرين.

مضى قائلاً: quot;في هذا المضمار رأينا كيف أن بعض رموز المعارضة، ولا سيما قادة المجلس الوطني الأخير، يترجمون حرفياً سياسات بعض الدول الإقليمية، وكأنهم لسان حال تلك الدول، حينما أجهروا بمواقفهم ضد الكرد، ليس في سوريا وحدها فحسب، وإنما في أجزاء كردستان الأخرى أيضاًquot;.

وشدد على quot;أن الأكراد السوريين ثاني أكبر مكون رئيس بعد العرب في البلاد، ولا بد أن تعي المعارضة السورية هذه الحقيقة الساطعة، وأن تنطلق في كل مشاريعها المستقبلية من حقيقة أن سوريا بلد يتشارك فيه شعبان رئيسان، هما العرب والكرد، إضافة إلى المكونات الأخرىquot;.

موضحًا أنه quot;لا يمكن أن يدّعي هذا المجلس أو ذاك تمثيل الشعب السوري، إذا غُيّب عنه المكون الرئيس الثاني. من هنا فإن أفضل الحلول هو أن يتوافق الجميع على سوريا ديمقراطية علمانية برلمانية تعددية اتحادية، يحصل فيها كل ذي حق على حقهquot;.

دمشق تتهم واشنطن

واتهمت دمشق واشنطن الأحد بـquot;التورّط مباشرةquot; في أعمال العنف التي تشهدها سوريا منذ منتصف آذار/مارس، مؤكدة أن دعوة الخارجية الأميركية الناشطين السوريين إلى عدم الاستجابة لعرض النظام بالعفو عنهم مقابل تسليم أنفسهم هي quot;محاولة لتعطيلquot; المبادرة العربية التي quot;تبذل دمشق كل الجهد لتطبيقهاquot;.

ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا عن وزير الخارجية وليد المعلم قوله إن quot;سوريا ترى في دعوة الخارجية الأميركية للمسلحين عدم تسليم أسلحتهم تورطًا مباشرًا للولايات المتحدة بإحداث الفتنة والعنف في سوريا، التي كلفت الشعب السوري جيشًا وشرطة ومواطنين الكثير من الضحايا الأبرياءquot;.

وأضاف أن quot;سوريا ترى في دعوة الولايات المتحدة هذه تشجيعًا للمجموعات المسلحة على الاستمرار في عملياتها الإجرامية ضد الشعب والدولة ونفيًا واضحًا لسلمية التحركات في سوريا، ورغبة وعملاً ومحاولة لتعطيل عمل جامعة الدول العربية ومبادرتها، التي تعمل على وضع حد للأزمة في سوريا واستعادة الأمن والاستقرار للمواطنينquot;.

وأشار المعلم إلى أنه وبعدما اتخذت سوريا quot;خطوة مهمة جدًا لوقف العنف بأن دعت حملة السلاح إلى تسليم سلاحهم، وأن يصار إلى إخلاء سبيلهم فورًا، فوجئتquot; بالدعوة الأميركية quot;إلى هؤلاء المسلحين بعدم تسليم أسلحتهم إلى السلطات السوريةquot;.

وكانت فيكتوريا نولاند المتحدثة باسم الخارجية الأميركية نصحت الجمعة الناشطين السوريين بعدم تسليم أنفسهم إلى النظام، بعدما عرض العفو عمّن يسلم سلاحه، وقالت quot;لا أنصح أحدًا بتسليم نفسه إلى سلطات النظام في الوقت الراهنquot;، معربة عن قلقها على سلامة من يفعل ذلك.

وأوضحت سانا أن المعلم وجّه رسائل احتجاجية على الموقف الأميركي إلى نظرائه في كل من روسيا والصين والهند وجنوب أفريقيا والبرازيل وكذلك إلى رئيس وأعضاء اللجنة الوزارية العربية والأمين العام لجامعة الدول العربية والأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن.

وأكد المعلم في رسائله أن quot;الحكومة السورية قد تعاملت بإيجابية مع مبادرة الجامعة العربية وتبذل كل الجهد لتطبيقهاquot;.

ودعا الوزير السوري الجهات التي راسلها إلى quot;أخذ العلم بتورّط الولايات المتحدة الفعلي بالأحداث الدامية في سوريا، وإدانة هذا التورط، وعمل كل ما يلزم لوضع حد له ومساعدة الحكومة السورية على توفير البيئة المناسبة من أجل تنفيذ الاتفاق الذي جرى بين سوريا والجامعة العربيةquot;.

وكان النظام السوري وافق الأربعاء على خطة عربية للخروج من الأزمة، تنص على وقف تام لأعمال العنف والإفراج عن جميع الذين اعتقلوا على خلفية الحركة الاحتجاجية، وسحب الجيش من المدن، والسماح بدخول مراقبين وصحافيين دوليين تمهيدًا لعقد مؤتمر حوار وطني بينه وبين كل أطياف المعارضة السورية.

لكن جامعة الدول العربية اتهمت دمشق الأحد بعدم تنفيذ الالتزامات التي وافقت عليها في الخطة العربية، بينما شدد نظام الرئيس بشار الأسد قمعه للحركة الاحتجاجية المطالبة بتنحيه، وقتل في أول أيام عيد الأضحى 19 مدنيًا على الأقل، غالبيتهم في حمص (وسط)، بحسب ناشطين.