كفتارو الابن- مدير مؤسسة مفتي الجمهورية السابق أحمد كفتارو

على الرغم من اعتماد نظام البعث في سوريا على صيغة علمانية، بحسب زعمه، لإدارة بلاد تتكون من نسيج مذهبي وطائفي وديني أقرب في الشبه إلى اللوحة الفسيفسائية، فإن ممارسات النظام السوري وتعامله مع الأديان ورجالاتها لا يوفر أي فرصة لاغتنام الرصيد المعنوي لأي رجل دين، ومهما كان مذهبه أو فكره أو طائفته، لدعم حكمه وترسيخ هيبته ومرجعيته السياسية (الأحادية).


المشهد الديني في سوريا على تنوعه إلى درجة التعقيد، لا يكاد يخفي تراجع النظام إزاءه عن ممارسة العلمانية المتطرفة، بحسب فقهاء السلطان، الذين توّجوا الراحل (حافظ الأسد) حاكماً أبدياً للشعب السوري، وصولاً إلى ابنه الغريب عن تعاليم الدين، والدائم التساؤل عن تفاصيله، بحسب ما نقل عن كثير من الشيوخ، الذين التقوا بالرئيس الحالي بشار الأسد.

من مفتي الجمهورية السابق (الكردي الأصل) الشيخ أحمد كفتارو، الذي بسط مؤسسة دعوية دينية على امتداد البلاد وخارجها، واستقبلت مؤسسته، نظير الدعم الرسمي المعلن لنظام الحكم، آلاف الطلاب الأجانب لتعليمهم اللغة العربية وتعاليم الدين، مخالفين بذلك أنظمة التعليم الرسمية وقوانينها، ومكرّسين الفكر الصوفي الزاهد في السلطة، والناظر إلى من يخوض فيها نظرة (المتنجس) و(غير الطاهر)، إلى الأكاديمي quot;المتنورquot; الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، الأستاذ في كلية الشريعة في جامعة دمشق، والذي كان من أوائل من عارض الدكتور مصطفى السباعي، مؤسس كلية الشريعة الوحيدة في كل البلاد، حتى وقت قريب، في مجلته وكليته، لمجرد حبّ الظهور ومحاججة زعيم التيار السياسي الأكبر في البلاد، والأكثر نفوذاً داخل الحكم في ذلك الوقت.

البوطي

البوطي المعروف بنزعته الصوفية، أوكل إلى نفسه مهمة الدفاع عن نظام السلطان، ولم يجد حرجاً من الشهادة أمام الناس بحسن طويته وإخلاصه لـ(الأسد الأب) حتى بعد انكشاف جرائمه وانبعاث رائحة فساد نظامه آخر حياته، في كتابه (هذا ما قلته أمام بعض الملوك والرؤساء العرب).

الطريف في الأمر أن العاملين في الحقل الشرعي يعلمون حجم ممالأة البوطي الأب (نظير الأسد الأب) لنظام البعث الحاكم، ويروون عنه طرفة سياسية، وهو أن الأسد الأب لجأ إلى البوطي الأب (محمد سعيد رمضان) لتمرير توريث حكم الأسد الابن (بشار) من الناحية الشرعية والشعبية، فما كان من البوطي الأب سوى مقايضة الأسد الأب على ذلك من خلال طلب إصدار مرسوم جمهوري خاص وسرّي (في ذاك الوقت) لتمرير قبول ابن البوطي الأب (توفيق) في جامعة دمشق بعدما تجاوز السن القانونية لتعيينه في الكلية، وتأمين وصايته على الكلية من بعده، الأمر الذي تم مستفيداً منه وحده مع أحد الدكاترة البعثيين والمعروفين بقربهم من النظام ووشايتهم بزملائهم!؟. وممارسات الرجل في كلية الشريعة في جامعة دمشق إلى اليوم تشهد quot;باحتلالهquot; لسلطات ونفوذ والده البوطي الأب، وتأكيده على حق السلطان في وزع الرعية دونما رادع أو ارتداع!؟.

من عاصمة البلاد إلى نظيرتها في الشمال (حلب)، حيث يتحدر مفتي الجمهورية الحالي، الصوفي النشأة، أحمد بدر الدين حسون، الذي لم يخرج عن حظيرة العلماء quot;المسلطنينquot;، فبعد عقد من معارضة النظام والتضييق عليه جراء خلاف شخصي مع مدير أوقاف حلب السابق، صهيب الشامي، والمعروف بفساده وقربه من النظام، والذي يخرج أخوه على شاشة الإعلام (أنس الشامي) بصفة النائب في مجلس الشعب السوري المنتهية ولايته، ليدافع عن النظام، انقلب فجأة المفتي في مواقفه، وتدرج في هرم السلطة الدينية، وعيّن مفتيًا لحلب في العام 2002، وعضواً في مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا، وعضو مجلس الشعب للدورتين التشريعيتين السابعة والثامنة، وخطيباً في جامع الروضة في حلب.

عرفت عنه شطحاته الصوفية، التي لامه عليها المقربون قبل الخصوم، ويكفي لإدراك حجم الجهل المطبق لمفتي الجمهورية العام أن نعلم أنه يحمل إجازة في الأدب العربي، ودكتوراه في الفقه الشافعي من جامعة الأزهر؟، وأن تأسيسه العلمي كان اللغة العربية، ثم قرر بناء رسالة الدكتوراه عليها لتأمين الشهادة العلمية اللازمة، بصرف النظر عما قيل ويقال من شائعات حول سرقة الرسالة، وامتلائها بالأخطاء العلمية والشرعية القاتلة؟!.

أحمد بدر الدين حسون

مواقف الشيخ (الحسون) شابهت، لسخرية القدر، مواقف من يدافع عنه، فكان في كثير من الأحيان ما يلجأ إلى المقربين أو يضطر بنفسه لتبرير وتفسير ما قاله أمام الملأ، كما حدث معه عندما هدد أوروبا وأميركا بعمليات انتحارية، يقوم بتنفيذها أشخاص متواجدون بالفعل على أراضيهم، في حال تعرّض سوريا لأي قصف أو اعتداء.

قال حسون في مقطع فيديو تم بثه على اليوتيوب quot;مع انطلاق أول قذيفة صوب سوريا، فلبنان وسوريا سينطلق كل واحد من أبنائها وبناتها ليكونوا استشهاديين على أرض أوروبا وفلسطينquot;.

وأوضح حسون quot;أقولها لكل أوروبا، وأقولها لأميركا، سنعدّ استشهاديين، هم الآن عندكم، إن قصفتم سوريا أو قصفتم لبنان، فبعد اليوم العين بالعين والسن بالسن، والبادئ أظلم، وأنتم من ظلمتموناquot;.

وأضاف مفتي سوريا quot;سنقول لكل عربي ولكل إنساني لا تعتقدوا أن من سيقوم بالاستشهاد في أراضي فرنسا وبريطانيا وأميركا سيكونون عرباً ومسلمين، بل سيكون محمد درة جديدًا، وسيكونون كل الصادقين الجددquot;.

كما أثارت بعض كلمات ألقاها في خطاب له بعض الانتقادات، حيث قال: quot;لو طلب مني نبينا محمد، أن أكفر بالمسيحية أو باليهودية لكفرت بمحمدquot;. وquot;لو أن محمداً أمرني بقتل الناس، لقلت له أنت لست نبياًquot;. وقال في محاضرة في البرلمان الألماني عام 2007 quot;العلمانية ليست ضد الدين، وأنا مسلم علماني؟!quot;.

مدير أوقاف حلب السابق صهيب الشامي

أما آخر إبداعات المفتي الشهير، فهي تصريحه في ملتقى ما سمّي باللحمة الوطنية في منطقة عرنة قرب دمشق، إذ اعتبر مفتي سوريا أن بلاده laquo;تعيش لحظات يسطّر فيها الزمن ميلاداً جديداً لأمتناraquo;، متوجّهاً إلى القادة العرب بالقول: laquo;إن كشفتم عرض سوريا، فستسقط أعراضكم جميعاً!raquo;.

وعلى الرغم من كل هذه الممالأة للنظام، فإن رجالات السلطان في سوريا لا يأمنون غدر النظام بهم، والتضحية بهم على قربان التمسك بالسلطة، فلم يكد الشيخ أحمد كفتارو، مفتي الجمهورية السابق، يلاقي وجه ربه، حتى شنّ النظام حملة شعواء على مؤسسته وابنه، الذي كان يترأس إدارتها، بذارئع فساد مالي، ثم شرع في إغلاق ما كان مخالفاً للقوانين والأنظمة التعليمية، بعدما تمت مهمة الأب، من دون أي وفاء لماضيه في دعم أركان الحكم وتثبيته على مدى حياته الطويلة.

أنس الشامي- نائب في مجلس الشعب

النظام فاجأ الجميع بأن مكافأته لأقرب الناس إليه لا تتوقف عند حد العرفان بالجميل حال الحياة، والانقلاب على الشخص بعد وفاته أو استقالته، فما كان منه إلا أن ضحّى بابن المفتي الحالي (سارية حسون) على مذبح إثبات المؤامرة الخارجية، وهو ما شهد به مدير مكتبه المنشق أخيراً عبد الجليل السعيد، كاشفاً عن فساد مالي كبير في مؤسسة الإفتاء التي يتولاها المفتي العتيد.

اضطهاد الظالم شعبه بسيف استله من بينهم، يكاد يمثل الحال في سوريا هذه الأيام، إلا أن النظام الحالي مع استخدامه لكل الوسائل والسبل لتدعيم حكمه، لا يدع للمتواطئين معهم فرصة للتملّص من مصيرهم المحتوم، فإذا به يضحّي بهم على مذبح تثبيت حكمه، مستغلاً جشع وquot;سذاجةquot; في بعض الأحيان، من يقف معه من شيوخ السلطان.