ينتشر الاتجار بالأوسمة والنياشين العراقية، إلى جانب تذكارات أخرى من ملابس عسكرية وخوذ وعُدد أخرى تؤرخ للحروب التي مر بها العراق، بعدما صارت تذكر العراقيين بحقبات عسكرية يريدون نسيانها.


وسيم باسم من بغداد: ما زال العراقيون يحرصون على الاحتفاظ بالكثير من الذكريات وإن كانت محزنة، لارتباطها بفترات الحروب ومآسيها. فهم يقتنون الرموز المادية لتلك الحوادث، في محاولة لتوثيق زمن مضى أو للاحتفاظ بذكريات قديمة. لكن هناك من يجد في رموز الحرب التي احتفظ بها لفترة من الوقت عبئًا عليه، لأنها تذكره بماضٍ مؤلم وأحداث مأساوية، فيسعى إلى التخلص منها عبر بيعها أو إهدائها إلى آخرين يهتمون باقتنائها.

صور مع سجّانيه

يقول المدرس احمد الهاشمي: quot;المقتنيات التي نتحدث عنها والتي اضحت رمزًا لأحداث ماضية هي عدد وآلات وأجهزة عسكرية ومدنية، كالملابس والكتب والخرائط والوثائق الرسمية والصور الفوتوغرافية الشخصية وصور القادة والزعماء ومواقع الاحداث والنياشين وأنواط التكريم.

عصام حسين، الذي كان أسيرًا لدى القوات الأميركية وقضى سنتين في سجن بوكا للجيش الأميركي في محيط مدينة أم قصر في جنوب العراق، يعلق في غرفته صورًا له مع سجانيه من الجنود الأميركيين. يقول: quot;لم يكن سهلًا التقاط صورة معهم، لكن ما حدث كان محض مصادفةquot;.

ويحتفظ حسين بعلب سجائر أميركية فارغة وقوارير مشروبات حملها معه من السجن، اضافة إلى صورة مع سجناء كانوا معه، مؤكدًا أنها ستصبح ذات قيمة يومًا ما.

وسيلة للربح

يجد بعض العراقيين أن ما يملكونه من إرث مادي من الزمن الماضي عبء ثقيل، فيسعون إلى التخلص منه أو بيعه والانتفاع بثمنه. يقول محسن عبدالله، وهو تاجر في الانتيكا والملابس القديمة والعدد المستعملةquot; quot;إنتشرت المتاجر التي تبيع تجهيزات عسكرية قديمة مثل النواظير والعصي والسكاكين والنياشين والاوسمة، وحتى الاحذية والقمصان، لأن الاتجار بها اصبح شائعًا، لا سيما أن البعض اتخذ منها وسيلة للربحquot;.

في بسطة الحاج أبو رؤوف في الباب الشرقي في بغداد عشرات السلع التي تعود إلى فترة الحرب العراقية الايرانية، بين العامين 1980 و1988، اضافة إلى صور تذكارية لجنود مجهولين وخوذ واسلحة بيضاء كان يستخدمها الجنود في العراق.

يرى الحاج ابو رؤوف أن توافر هذه السلع بشكل مستمر يشير إلى كثرة الحروب التي خاضها العراق والارث المادي الكبير الذي تركته. كما يشير إلى أن زبائنه نوعان: quot;الأول يسعى إلى التخلص من كل ما يذكّر بزمن صعب عاشه فيسعى إلى بيع ما بحوزته، والثاني يسعى إلى الربح عبر تداول السلع التي اكتسبت قيمة تاريخيةquot;.

لا يعرف ابو رؤوف كيف حصل على ثلاث بدلات لجنود أميركيين في أيام خدمتهم في العراق، وعلى خمس صور لمجندات أميركيات مع عراقيين أثناء خدمتهن في العراق. يتابع: quot;كل المواد المعروضة ترتبط بذكريات أليمة عاشها الناس، لذا ترى أن الكثير منهم يتمعن تلك السلع المعروضة حتى وان لم ينوِ شراءها لانها تذكره بحروب شهدها او شارك فيهاquot;.

عسكرة وخلاص من الألم

يقتني حسن الدراجي خوذة جندي غنمها معه في معارك نهر جاسم اثناء الحرب العراقية الايرانية، حيث يروي ذكرياته التي تمنى لو انه نسيها، قائلًا: quot;كنت جنديًا في الفرقة 11 حين تغلغل الايرانيون داخل الاراضي العراقية، واقتربوا مسافة 13 كيلومترًا في البصرة.

كثيرون قُتِلوا في تلك المعارك من الجانبين، وفي لحظة انسحابي من القتال فكرت بأخذ خوذة جندي مرمية على الارض كذكرى، وأحتفظ بها منذ ذلك الحينquot;.

في الديوانية، يعرض أحمد الجبوري سيف قادسية صدام، الذي وزعه صدام أثناء الحرب العراقية الايرانية، تكريمًا للضباط الذين تميزوا في المعارك. وفي الباب الشرقي في بغداد، يبيع أحمد سالم عشرات من أنواط الشجاعة، التي وزعها صدام ايضا في الحرب على المقاتلين.
احمد الكلابي احد الذين باعوا ذكرياتهم، مؤكدًا انها لم تعد تعني له شيئًا. يقول: quot;بعت ثلاثة انواط شجاعة بنحو اربعين الف دينارquot;، مؤكدًا انه لم يندم على ذلك بل تخلص من ذكريات مريرة.

لكن احمد حسن، الذي يمتلك ثلاثاً من شارات حزب البعث المحظور منذ العام 2003، يؤكد انه يعلقها في بيته كذكرى للأجيال القادمة لانها توثق مرحلة مهمة مر بها العراق. وهو كان حصل على هذه الاوسمة بسبب تميزه في تنظيمات الحزب في ذلك الوقت. لكنّ كثيرين يرون غير ما يراه حسن، يتاجرون بشارات الحزب وأنواط الشجاعة بالجملة.

لا فخر بالأوسمة

يحتفظ الكثير من الشعوب برموز الحروب والأحداث العظيمة التي مرت بها، وفي الوقت نفسهلا يود كثيرون من الناس ذلك، لانها تذكرهم بأحداث حزينة.

لكن الاكاديمي في علم الاجتماع عيسى موسى يؤكد انه لم يرَ عراقيًا يفتخر بوضع الأوسمة وانواط الشجاعة على صدره، على الرغم من مضي فترة طويلة على تلك الاحداث، كما تفعل الكثير من شعوب العالم.

ويعلل موسى هذه السلوك كتعبير عن رفض جامع للحروب التي عصفت بالمجتمع العراقي واسبابها، اضافة إلى ما جرته من ويلات على العراقيين.