السمك المشوي على ضفاف نهر دجلة في بغداد

يؤدي رفع المزيد من الحواجز الاسمنتية من شوارع بغداد وبعض مدن العراق الى انسيابية واضحة في حركة المرور، الى جانب ازدهار الفعاليات الاجتماعية لاسيما التنزه وارتياد الساحات العامة ومراكز المدن والشوارع الرئيسية، لاسيما التجارية منها أو التي تحتوي على اماكن ترفيه .


بغداد: تدبّ الحياة بشكل جلي في منطقة المنصور الراقية في بغداد، حيث يقضي سرمد الحسني أوقاته في جلسات سمر في الكازينوهات والساحات الرئيسية حتى وقت متأخر من الليل .
ويقول سرمد وهو ينصب النرجيلة إن الحياة بدت اليوم في بغداد طبيعية اكثر من أي وقت مضى لكن الحذر مطلوب .

وفي الوقت نفسه، يستعد امين قدوري وأسرته للذهاب الى شارع ابو نؤاس لتناول اكلة السمك الشعبية (المسكوف). ويؤكد أن غلق البيوت في المساء انحسر بشكل كبير مع استتباب الأمن، لكننا نحتاج الى المزيد .

صور الحياة اليومية

كما يقضي رحيم مصطفى اماس جميلة في لعب البلياردو مع الأصدقاء حتى وقت متأخر من الليل . وبحسب مصطفى، فإن الظروف الأمنية في السنوات الماضية لم تكن تسمح بأداء الكثير من الفعاليات الاجتماعية .
وتبدلت صور الحياة اليومية كثيرًا في بغداد والمدن الأخرى، فمن منظر شبان يحملون الأسلحة والبنادق، الى شباب يبحثون عن الحرية والمتعة وقضاء الأوقات الممتعة .

وتفترش اليوم الكثير من الأسر موائدها في متنزه الزوراء في العاصمة أو الأماكن في شارع ابي نؤاس بين جسري الجمهورية والمعلق، حيث بدأ ليل بغداد يجذب الزوار كل ليلة .
ويرى الباحث الاجتماعي فيصل لعيبي في ما يحدث، تحديات اجتماعية واقتصادية هائلة، فإلى جانب البناء والتطوير، هناك كم كبير من فساد يثير الاستياء والسخط.

ويشير رامي حسن الى أنه حمل في يوم ما اسلحة وشارك في مناوشات في المكان نفسهالذي يسير فيه الآن، وهو شارع الكفاح في بغداد. ويتابع: لا أعرف كيف حصل ذلك كنا مندفعين، وكانت لدينا افكار أخرى غير التي تسيطر الآن على سلوكياتنا .
ويعترف حسن أنه يشعر بالندم، فقد كانت الصورة المرسومة في ذهنه في ذلك الوقت أنه يقاتل الاحتلال، لكن الأمر لم يكن كذلك في كل الاحوال. وعلى الرغم من أن حسن يسعى الى الحصول على وظيفة بدخل ثابت الا أن عمله كسائق تاكسي، يتيح له الحصول على دخل مقنع .

ويقول حسن إنه يقضي اوقاتًا جميلة في المساء مع الاصدقاء في سهرات تمتد الى منتصف الليل، كما أن الكثير من اصدقائه المسلحين في السابق، قد تركوا الأعمال المسلحة وانخرطوا في البحث عن لقمة العيش .

السمك المسكوف

ويستعد سعيد الجبوري من بابل (100 كم جنوبي بغداد) لزيارة شارع ابي نؤاس في بغداد ايضًا، بعدما نقل له اصدقاؤه اخبار مطاعم السمك المسكوف (المشوي) التي تقدم أنواعًا شهية من اسماك الكطان والبني والشبوط .
وفي هذا الصدد، يشير الجبوري الى أنه لم يزر الشارع منذ ما يقارب العشرين سنة، وأنه آن الآن لزيارة بغداد والتجول في ساحاتها ومراكزها التجارية .
ويحصي كريم ناصر (صاحب مطعم) ما يقرب منأربعين مطعماً تمتد في المنطقة بين ابو نؤاس والكرادة تقدم اغلبيتها السمك المسكوف كوجبة رئيسية .

وبدت أغلب المراكز التجارية في بغداد والمدن زاخرة بالحركة البشرية، بينما توحي لك الدكاكين المترفة، أن هذا البلد لم يصادف الحرب يومًا .
كما تشير مناظر المصابيح الغزيرة الاضواء التي يستخدمها اصحاب المتاجر بشكل مفرط لجذب الزبائن وكأنّ لا أزمة طاقة في العراق.
ويؤكد كامل حسين، أن الكثير من العوائل لم تعد تطيق البقاء في البيت، حيث أصبح جلوس أفرادها أمام التلفاز لمشاهدة القنوات الفضائية امراً مملاً ولا بد من الخروج الى متنزه أو مطعم .

وما يحلم به حسين فقط اليوم هو تحسن الطاقة الكهربائية والاستغناء عن المولد في يوم من الايام .
كما يدعو حسين الى اعادة الحيوية الى المسارح ودور السينما لكي تكتمل دورة الحياة في بغداد .
ويشير محمد البياتي صاحب مطعم الزهرة في المنصور، الى أن المتاجر والكازينوهات لم تعد تُغلق في وقت مبكر من الليل، مع رفع الحواجز الكونكريتية وانخفاض مستوى التفجيرات، ومع زيادة حركة الناس في المساء .

وتشهد المطاعم السياحية وأماكن شواء السمك على طول نهر دجلة، حركة بشرية لم تألفها المدينة منذ سنوات عديدة .
ويعترف ليث الطائي أنه يشعر بحرية اكثر مما كان عليه الأمر حتى قبل عام 2003 حين كانت مخابرات النظام السابق تترصد حركة وكلام المواطنين. ويتابع: اذا استتب الأمر بشكل كامل في ابي نؤاس، سيصبح ملك الناس فعلاً بعدما اصبح رهينة مخابرات نظام صدام في السابق ورهينة التفجيرات والأعمال المسلحة بعد عام 2003 .

مدينة مازال الخوفيحكمها

ويسمي كريم الطائي العائد من الدانمارك منذ نحو اشهر، بغداد بالمدينة الواعدة، ويقول إنه يشعر بالدفء والحياة اكثر مما يشعر به في غربته في الدانمارك. ويوضح كيف أن بغداد تبدو اليوم رائعة في المساء لكنها مدينة مازال الخوفيحكمها في بعض جوانبها بسبب التفجيرات التي تحدث بين الفينة والأخرى .
وفي كل ليلة يتنزه الطائي في مناطق بغداد المختلفة في شارع ابي نؤاس والكاظمية والمنصور، متمنيًا أن تنتهي أعمال الإعمار في ابي نؤاس بسرعة لكي يعود الشارع بأناقته المعروفة يسحر الزائرين .

وكان الطائي يتوقع وقتًا طويلاً قبل أن تعود الحياة الى بغداد، لكن الأمر حدث بأسرع مما هو متوقع وأن عليه اليوم الاستعداد للعودة النهائية الى بلده بعد غربة عشرين عامًا .
ويستعيد ثائر حسن الذي يمتلك متجرًا للملابس في شارع النهر، ايامًا جميلة مضت لكنها تعود اليوم، فلم يعد يبكر في اغلاق محله، كما أن حركة الزبائن تزداد وتيرتها لتحقق له ارباحًا جيدة .

ويتذكر ثائر كيف أن ايامًا عصيبة مرت على هذا الشارع المهم، تمثلت في أعمال سلب وسرقة وتفجير واغتيال . اما اليوم، فإن السوق تضع قدمها مرة أخرى على عتبة الأمان والاستقرار والإزدهار .

جمال الأناضول في بغداد

وعلى طول شارع أبو نؤاس الذي يمتد بمحاذاة نهر دجلة من الجانب الشرقي، تلمح الكثير من اعمال الاعمار التي توحي للناظر كيف سيكون شكل الشارع في المستقبل، والذي تعمل على تأهيله شركة تركية تضم اضافة الى كادرها مهندسين وعمالاً عراقيين .
ويطمح سعيد كامل (موظف) ويسكن في منطقة محاذية للشارع أن يتزين الشارع بلمحات من جمال بلاد الأناضول حيث يعمل الاتراك على تحقيق ذلك بحسب ما رواه له احد المهندسين الاتراك .

وشارع أبو نؤاس يمثل ذاكرة ورمزًا تاريخيًا وحضاريًا في حياة العراقيين وسمي بهذا الاسم تخليدًا لذكرى الشاعر البغدادي الحسن ابن هاني المعروف بأبي نؤاس.
وينتاب المار في الشارع اليوم، الإحساس بالجمال على الرغم من أن الإعمار لم يكتمل في الشارع، كما تقفز الى أنف المستطرق رائحة السمك المسقوف وهو يُطبخ على نار خشب هادئة في العراء .

ويقول الشاعر العراقي باسم فراس الذي يزور العراق بعد فترة اغتراب دامت عشر سنوات في اوروبا أن الشارع هو رئة بغداد التي تتنفس بها، وهو يعني الكثير لأهل العراق العرب، وكانت أمسيات الشارع أحد معالم بغداد الجميلة منذ عقود .
وفي منطقة الكرادة في بغداد ايضًا، يشعر الناس بالفرح لعودة الحياة تدريجيًا الى المنطقة التي خربت جماليتها الحواجز والجدران التي بدأت تزول شيئًا فشيئًا .

ويتذكر حميد الخفاجي كيف أن شوارع الكرادة بدت وكأنها متاهات مغلقة. اما اليوم، فإنها تشهد حركة بشرية وتجارية افتقدها الناس منذ عقود .

العسكرة

وكانت الكرادة وكذلك شارع ابي نؤاس إضافة الى الساحات والشوارع الكبرى في بغداد قد بقيت لعقود في حالة انذار وطوارئ لأنها كانت نشاطًا ومركزًا لعمليات مخابرات النظام السابق ومقراته الأمنية والعسكرية، كما اصبحت بعد عام 2003 مقرًا لشركات الحماية الأجنبية التي استقرت في مبانٍ مطلة على الشارع .
وطيلة عقود، تحولت شوارع بغداد الرئيسية الى دهاليز متقاطعة بسبب حواجز كونكريتية لحماية المقرات من السيارات الملغومة .
ويقول ضابط الشرطة عماد الجميلي إن هناك عسكرة واضحة لمدن العراق منذ عقود لكنه يأمل أن ينتهي الامر بسرعة مع استتباب الامن وتقلص العمليات الأمنية الى داخل المقرات الرئيسية والمعسكرات .