أثار قرار الإمارات باغلاق مؤسسة quot;كونراد أديناورquot; الألمانية ومكتب المعهد الوطني الديمقراطي الأميركي جدلاً أميركيًا وألمانيًا واسعًا، لكن تلك الخطوة حظيت بتأييد داخلي على مستوى النخب السياسية والثقافية، إثر تفنيد حقيقة نشاطات تلك المؤسسات التي اعتبروها تستهدف استقرار البلاد.


أثار قرار دولة الامارات أخيرًا بإغلاق مكتب مؤسسة quot;كونراد أديناورquot; الألمانية في أبوظبي، ومكتب المعهد الوطني الديمقراطي الأميركي في دبي، موجة غضب ألمانية أميركية تجاه الدولة، تلتها إدانات حقوقية من منظمة هيومن رايتس ووتش والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شن الإعلام الأميركي والألماني هجومًا على الإمارات ضد إغلاق مكاتب هذه المؤسسات على أراضيها، في وقت يتحدث إماراتيون أنه ثبت للدولة حقيقة ممارسة نشاطاتها داخل الإمارات بشكل خاص، ودول الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام.

وبالنظر إلى حقيقة النشاطات التي ينفذ معظمها خلافًا لاختصاصاتها المعلنة، يرى متابعون لعمل هذه المنظمات التي تعمل بشعار quot;غير حكوميةquot;، بأن تمويلها يتم عبر جهات ومؤسسات حكومية، فضلاً عن أن رؤساء تلك المنظمات هم عناصر مؤثرة في صنع قرار السياسة الخارجية سواء في الولايات المتحدة أو ألمانيا.

ولا يقتصر نشاط تلك المنظمات على الدولة الموجودة فيها فحسب، بل يمتد إلى دول مجاورة أبرزها السعودية والكويت والبحرين التي لا تمنح تراخيص لمثل هذه المنظمات فتلجأ إلى ممارسة نشاطها من خلال السفارات والقنصليات تحت ستار ورش عمل ومحاضرات وزيارات أكاديميين من الدول التي تنتمي إليها تلك المنظمات.

وكانت البحرين قد أغلقت مقر المعهد الوطني الديمقراطي الأميركي في العام 2006، ورحلت القائمين عليه بعد أن ثبت لها بأن للمعهد أهدافاً مشبوهة وغير معلنة.

وفي العام نفسهأوقفت مصر عمل المعهد الجمهوري الدولي بسبب الدور المشبوه الذي كان يمارسه، وفي العام 2011 أعلنت السلطات المصرية أن التحريات السرية أثبتت أن المعهدين الجمهوري والديمقراطي الأميركيين يعملان لدعم مصالح الولايات المتحدة في مختلف دول العالم مستغلين منظمات المجتمع المدني للحصول على بيانات ومعلومات، ويمولان القوى السياسية التي تخدم مصالح واشنطن للضغط على النظام السياسي، وأن تلك المعاهد تدعم بعض الأحزاب والقوى السياسية.

وقال إماراتيون مطلعون على حقيقة نشاطات المنظمات التي أغلقت مكاتبها في الدولة، أن برامجها تتمحور في تدريب مواطنين على قلب أنظمة الحكم في دول خليجية وعربية.

وفي التفاصيل تستهدف هذه المنظمات التي لها فروع في مختلف أنحاء العالم، فئات معينة من المجتمع وهم الطلبة والشباب وسيدات المجتمع والناشطون الحقوقيون والعناصر المعارضة وعناصر الأحزاب السياسية، وتعمل على تدريب العناصر المعارضة والناشطين الحقوقيين والأحزاب السياسية على أساس الحريات والضغط على الحكومات، بالإضافة إلى تثقيف واحتواء فئة من الشباب وتأهيلهم، وزرع بعض الأفكار التي من شأنها أن تخدم أجندة الدول الداعمة لتلك المنظمات.

وأوضح متابعون إماراتيون أنه قد تعتبر هذه المنظمات عيونًا للمخابرات الغربية وأداتها التنفيذية من أجل تنفيذ أجندات خطيرة تهدداستقرار الدول المضيفة لها.

موقف الإمارات

وكانت الإمارات أوقفت أخيرًا عمل عدد من المؤسسات الأجنبية العاملة على أراضيها لمخالفتها شروط الترخيص، وهو ما أكده مساعد وزير الخارجية الإماراتي للشؤون القانونية عبد الرحيم يوسف العوضي بأن بعض المؤسسات الأجنبية التي كانت تعمل في الإمارات خالفت شروط ترخيصها، مشيرًا إلى أن بعضها كان يعمل من دون ترخيص ما اضطر الجهات القانونية إلى إصدار قرار وقف عمل هذه المؤسسات.

ويقول مواطنون إماراتيون إنهم فوجئوا بوجود هذه المكاتب ولم يكونوا على علم بنشاطها، ولفتوا إلى أنها مراكز مشبوهة كونها تعمل في الخفاء بعيدًا عن الأضواء، وأن أهدافها الحقيقية غير معلومة، ما يتعارض مع مصالح الدولة على حد تعبيرهم.

ويؤكد هؤلاء أن نشاطات هذه المنظمات تمتد إلى دول خليجية وعربية أخرى، وبلغت حد التدخل في سياسة الدول عبر محاولات إفساد عمل أجهزة حكومية مهمة، والتحريض على نشوء اضطرابات وعمليات تخريبية داخل الدولة.

المعهد الديمقراطي الأميركي

شهدت قضية إغلاق المعهد الديمقراطي الأميركي في الإمارات فصلاً تصعيديًا كبيرًا منذ بداية الاعلان عن إغلاقه ومركز آخر هو مؤسسة كونراد أديناور الألمانية

وردت وزارة الخارجية الأميركية على لسان المتحدث باسمها نويل كلاي: quot;نفهم أن حكومة دولة الإمارات أغلقت مكتب المعهد الوطنيالديمقراطي في دبيquot;، وذهبت واشنطن إلى حد التعبير بأن المعهد الديمقراطي الأميركي quot; منظمة تحظى باحترام وتعمل عبر المنطقة، وفيما وراء ذلك لتشجيع المجتمع المدني والتنمية والقيم الديمقراطية، ووزارة الخارجية أحد المؤيدين بحزم لأنشطة المعهد الوطنيالديمقراطي quot;.

من جانبها، أبدت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون قلقها بشأن قرار دولة الامارات إغلاق المعهد الأميركي، وقالت على هامش اجتماع في الرياض مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي: quot;نشعر بأسف كبير على إغلاق مكتب المعهد الوطنيالديمقراطي في دبي ... إننا كما تعرفون وكما يعرف أي شخص زار الولايات المتحدة نؤمن بقوة بمجتمع مدني نابض بالحياةquot;، ملوحة بأن quot;المناقشات ستستمر بشأن هذه القضيةquot;، ومشيرة إلى أنها ناقشت القضية مع وزير الخارجية الاماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان.

فيما ذكر ليس كامبل، المدير الإقليمي للمعهد الوطنيالديمقراطي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن quot;الولايات المتحدة على اتصال بسلطات دولة الإمارات بشأن إغلاق مكتب المعهد الوطنيالديمقراطي quot;، وجادل دفاعًا عن السماح لمثل هذه الجماعات بالعمل، وقال: quot;أوضحنا أن السماح للمنظمات غير الحكومية بالعمل بشكل علني وحر مهم لدعم التنمية السياسية والاقتصاديةquot;.

وزاد أن quot;جهات رسمية لم تعلن عن هويتها داهمت مقر المعهد في دبي وأبلغته أن رخصته قد انتهت، وأمرته بأن يطبق قرار الإغلاق بشكل فوري، هذا على الرغم من أن المعهد لا ينفذ أي برامج داخل الإمارات بل هو مركز إقليمي يخدم البرامج في الكويت وقطر وغيرهما من دول المنطقةquot; على حد تقديره.

ويصر مسؤول إماراتي رفيع أن سياسة بلاده بخصوص إغلاق المراكز الغربية غير المرخصة quot;واضحة للعيان، ولا تقبل أبو ظبي بأي نشاط يتعارض مع مصالحها الداخلية، أو يمس أياً من قواعد استقرار الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجيquot;.

وكانت مجلة فورين بولسي الأميركية هي أول من أثار القضية، موضحة أن الإمارات أعلمت المعهد الوطني الديمقراطي وهو من المنظمات الأميركية وثيقة الصلة بالحزب الديمقراطي الأميركي، أنه سيتم توجيه اتهامات جنائية ضد موظفيه الأجانب في البلاد إزاء التدخل في الشؤون السياسية، وأن مسؤولاً في وزارة الخارجية الأميركية قال إنهم يبحثون عن معلومات من حكومة الإمارات حول هذا الشأن.

ونقلت المجلة عن مسؤول في المنظمة قوله: quot;عملت في دبي لمدة أربع سنوات وكانت لدي رخصة في مجال الاستشارات التدريبية، ومعظم نشاطنا كان متعلقًا بحقوق المرأةquot;.

وذكرت تقارير إعلامية أميركية أن سلطات مطار دبي كانت ألقت القبض على سيدة أميركية هي مديرة مكتب المعهد الديمقراطي في دبي ونائبها الصربي أثناء محاولتهما مغادرة الإمارات، في حين أوضحت السلطات في الإمارات أنها تحقق مع سلوبودان ميليتش نائب مديرة مكتب المعهد الأميركي في دبي، وهو موظف في جماعة أميركية مؤيدة للديمقراطية، بعد التحفظ عليه لفترة وجيزة بينما كان يحاول مغادرة الإمارات، وقال مسؤول إماراتي إن quot;ميليتش استجوب بشأن أنشطة المعهد الوطني الديمقراطي، وإن التحقيق مستمرquot;.

وفي السياق ذاته، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن السلطات الإماراتية أوقفت مديرة مكتب المعهد الديمقراطي في دبي باتريشيا دايفس، وهي أميركية الجنسية، ونائبها سلوبودان ميليتش الصربي أثناء محاولتهما مغادرة الإمارات، في حين سمح في النهاية لباتريشيا دايفس بمغادرة البلاد، بينما جرى احتجاز نائبها الصربي سلوبودان ميليتش لليلة واحدة، وأطلق سراحه، بينما منع من مغادرة الإمارات.

يشار إلى أن المعهد الوطنيالديمقراطي تأسس العام 1983 في واشنطن، ويتبع الحزب الديمقراطي، وترأسه مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية الأسبق، وتموله الوكالة الأميركية للتنمية الدولية التابعة لوزارة الخارجية الأميركية. يشابهه المعهد الجمهوري الدولي، وكلا المعهدين تمت مقاضاتهما في مصر، وهذان المعهدان هما جماعتان مرتبطتان بشكل فضفاض بالحزبين السياسيين الرئيسيين في الولايات المتحدة، واتهمت السلطات ناشطين يعملون في المنظمات غير الحكومية، من بينهم نجل وزير النقل الأميركي السابق راي لحود بالعمل في جماعات تتلقى أموالاً من الخارج بشكل غير قانوني ومنعتهم وقتها من مغادرة مصر.

مؤسسة كونراد أديناور الألمانية

بدورها، وصفت هانز جيرت بوترينج رئيسة مؤسسة كونراد أديناور الألمانية خطوة السلطات الإماراتية بإغلاق فرع المؤسسة في أبوظبي بأنها quot;دلالة تحذيرية على التطور الديمقراطي في الدول العربية. وذكرت بوترينج أن السفير الألماني في الإمارات استدعي للخارجية الإماراتية وأبلغ بأن على المؤسسة أن توقف أنشطتها. وتأسست كونراد أديناور العام 1952 في ألمانيا، وترأسها هانز جيرت بوترينج، ولها فروع حول العالم، وتموّل من قبل الحكومة الألمانية.

من جهته، طالب وزير الخارجية الألماني جيدو فيسترفيله الإمارات بالعدول عن قرار إغلاق مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، وقال quot;إن المؤسسات السياسية الألمانية تؤدي عملاً دوليًا رائعًاquot;. وبهذا الشأن اتصل فيسترفيله بنظيره الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، فيما أعربت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن أسفها إزاء هذه الخطوة الإماراتية، لكنها أكدت أن حكومتها ستحاول مواصلة quot;التعاون الوثيقquot; مع الإمارات.

يذكر أن مؤسسة أديناور كانت الوحيدة من بين المؤسسات السياسية الكبيرة التي لها فرع خاص في الإمارات، وافتتح مقر المؤسسة في أبوظبي العام 2009، وبذلك تكون الإمارات ثاني دولة عربية توقف أنشطة مؤسسة أديناور على أراضيها بعد مصر التي اتخذت إجراء مماثلاً قبل أسابيع.

وإزاء ذلك أبدت منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بالدفاع عن الحريات العامة وحقوق الإنسان قلقًا من إغلاق مركز أبحاث أميركي وآخر ألماني في الإمارات. وذهبت المنظمة الدولية إلى القول: quot;من الواضح أن قرار الإغلاق يندرج في إطار حملة ضد من يطالب بتغيير ديمقراطيquot; على حد تعبيرها.

واستاءت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان مما وصفته بـ quot;هجمةquot; دولة الإمارات العربية المتحدة على مراكز المجتمع المدني. وقالت الشبكة إن quot;على الإمارات أن تحترم عمل المجتمع المدني الذي ساعد على نشر ثقافة الديمقراطية والعمل التطوعي في البلدان العربية، وأن تمنح تلك المؤسسات وغيرها المزيد من الحرية للعمل المدني المشروع تحت مظلة قانونية تحميها من مثل تلك الهجمات غير المبررةquot; على حد وصفها.

وتحظى خطوة الإمارات المتمثلة في إغلاق هذه المراكز بتأييد داخلي على مستوى النخب السياسية والثقافية في دوائر القرار وخارجها، إثر تفنيد حقيقة نشاطات تلك المؤسسات ومراميها التي اعتبروها تستهدف استقرار البلاد.