قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

المرأة الجزائرية ليست بدعا من نساء العالم ولكنها من أنشط نساء العالم العربي تاريخيا، ليس هذا مدحا لتلطيف الانتقاد ولا قدحا في حيوية المرأة في البلدان الشقيقة، ولكنها وقائع تاريخية تشهد بأن المرأة في الجزائر بحكم الاستعمار الفرنسي الذي خضعت له الجزائر لأكثر من قرن من الزمان وهو الاستعمار المتميز بحقده، ودمويته، وإمعانه في محو الثقافة والهوية وتجهيل الإنسان، وربما الموقع الجغرافي الذي ضل عرضة لأطماع الأسبان حينا من الزمن هو الآخر ساهم في تنشيط هذا الواقع الاجتماعي الذي يمتلك عقيدة إسلامية تأبى الذوبان.

ولست في هذا المقال بصدد المسح لمسار النشاط النسوي أو تتبع حركة المرأة الجزائرية عبر التاريخ، ولكن أشير بدءا إلى أنه منذ قرنين من الزمن شهدت الجزائر نساء بطلات قاومن الاستعمار بكل شراسة، لدرجة أن السيدة لالة فاطمة نسومر الشابة البدوية الصوفية، قادت جيشا بنفسها لمقاومة فرنسا، وعافت حياة الأثافي والإيوان، وما ألفته بنات عصرها من حياة الحريم وتربية الصبيان، لأن دينها أقر أولوية الدفاع عن الوطن والدين، وحماية بيضة المسلمين.

لفت انتباهي بعض الخلل الذي لا يكاد يخطئه متتبع لواقع الحركة الإسلامية في الجزائر، وهو غياب النساء الإسلاميات عن ساحة النشاط الميداني فكريا وإعلاميا وسياسيا بل حتى اجتماعيا وتربويا، وأقصد هنا ما كان يتوقع من مستقبل واعد لهذه الشريحة التي ما إن فتح باب التعددية السياسية وشيء من حرية التنظم الجمعوي، والنقابي، والحزبي، مع نهاية الثمانينيات حتى تعالت صيحات العديد من النشطات، وظهرت فعاليات واعدة بحراك غير عادي، ولعل المسيرة المليونية التي نظمت بالجزائر العاصمة في إطار رابطة الدعوة الإسلامية أعطت انطباعا بأن للمبادرة ما ورائها، فقد أحدثت تلك الصورة صدمة في الوعي الراكد، وبشرت بنات حواء بحلول ربيعهن المبدع، غير أن تلك الحركة الكبيرة في شكلها، لم تكد تتجلى سوى في نزر قليل من النساء الإسلاميات اللائي حاولن تسجيل حضور ما، في المشاركة السياسية أو العمل الاجتماعي ليطغى على الواقع صورته النمطية مرة أخرى، ويكاد يصبح ما يطلق على المرأة الجزائرية في مختلف التيارات هو نفسه ما توصف به المرأة في كيانات الحركة الإسلامية.

1-الإسلاميات ورد الفعل تجاه اليساريات:
مع بداية التسعينيات بدأ يظهر صوت النساء الإسلاميات في الجامعة وعبر بعض وسائل الإعلام، لكنه إذا ما صنف بمنهجية، فإنه لا يكاد يخرج عن رد الفعل تجاه نساء الأقلية اليسارية، سواء التي كانت مختفية تحت جلباب الحزب الواحد الحاكم، أو اللائي بحن بانتمائهن لحزب الطليعة الاشتراكية quot;الباكسquot; بزعامة الراحل الهاشمي الشريف، أو المجموعة المتمترسة آنذاك بمعاهد الآداب والعلوم الاجتماعية واللائي لهن نفوذ في المؤسسات الإعلامية الرسمية أو المؤسسات الثقافية المحتكرة إيديولوجيا آنذاك.

فكان خطاب الإسلاميات بنبرته الحادة يركز على الأسرة المسلمة والمشروع الإسلامي، ولم يكتب لواحدة من هؤلاء الإسلاميات أن يكن لها ما يعتبر في ساحة التنظير أو ما يدرس في الميدان المؤسسي، على الرغم مما سجل آنذاك من بعض المقالات لبعض المنتسبات للأسرة الإعلامية أو الأستاذات الجامعيات وفي أغلب الأحيان كن متعاطفات مع التيار لا مؤسسات ولا فاعلات فيه.

خاصة بعد تلاشي موجة الصراخ التغريبي للجمعيات النسوية اليسارية، بفعل احتواء بعضهن بالمناصب الرسمية، وتشتت بعضهن بفعل السلوكات الحزبية التي لم يكن طوقها يتسع لما جمعته الفضاءات الأيديولوجية، والبعض الآخر بسبب تغير الواقع الاجتماعي، وفقد الطعم الذي كان مبررا لخطاب ضرورة تحديد النسل، ومحاربة التقاليد...الخ، لأن المجتمع الجزائري تكيف مع التحولات بطريقة أفسدت الكثير من البرامج المستعارة أو المتبناة، ولعل الكثير من الإسلاميات فقدن عنصر الاستفزاز الذي يدفع إلى التضحية وبنات حواء بطبعهن عاطفيات.

2-هل هن مجرد ظاهرة انتخابية؟!
أدرك ّأن الكثير يشاطرون هذه الرؤية الآنفة الذكر، ولكن ثمة استثناء يقف عنده كثير من السياسيين وأغلبهم من غير الإسلاميين، مفاده أن النساء الإسلاميات يعتبرن ماكنة معتبرة في عملية الانتخابات من خلال حضورهن الفعاليات، وتوزيعهن للبرامج على البيوت والمؤسسات، وترشيح ذوات المستويات، فهل هذه الظاهرة المستثناة تنبئ عن وعي سياسي بأهمية الانتخاب، رغم موسمية ومحدودية الطموحات التي يحققها في ظل اليأس من وصول المشروع البديل إلى إدارة شؤون الدولة والمجتمع؟ أم أن الظاهرة تؤكد سلبية أخرى تكمن في أن الحركات الإسلامية تحسن استخدام المرأة لا تحريكها، وبالتالي فقد صار الفكر النسوي مقولبا حتى ولو كانت بعض المفاهيم التربوية تحاول تبريره بالانضباط والتزام المنهاج، والتحرك بقدر الاحتياج، لكن تبريرا مثل هذا لا أظنه يصمد أمام نموذج فاطمة نسومر في الجزائر أو بنت الشاطئ أو زينب الغزالي، فمسار التطور في الحركة والوعي الثقافي والتربوي لا يعترف بالعبقرية الموسمية، ترى هل المرأة في الحركة الإسلامية صارت مقتنعة بهذا الدور غير الطبيعي؟ أم أن محاولة تجاوز الأزمة لا تزال لم تجد خيوطها، ولست مقتنعا كثيرا بما يحلو للمتتبعين من منظومات فكرية أخرى إيعاز ذلك إلى مشكلة التنظيم الذي تتبناه الحركات الإسلامية، والذي قد يكون شبيها بخطط المدرب الوطني لفريق كرة القدم الجزائرية، حيث أخذ فترة أربعة وعشرين سنة من متابعة الفريق، وشارك مرتين في كأس العالم، استطاع أن ينجز فريقا يدافع ولم ينجح ولو في لاعب واحد يستطيع أن يهاجم، ولا أستسيغ أن تصبح خاصية ردود الفعل صناعة جزائرية وخاصة لدى الحركة الإسلامية.

3-صدمة التسعينيات:
قد يحلو لبعضهن تبرير الأمر بسنوات التسعينيات، وما حملته من صدمة في الواقع والوجدان، والتصادم الذي وقع مع الجبهة الإسلامية والنظام، حيث خلف أكثر من مائة ألف من الضحايا، قد جعل المرأة بطبعها الحساس تركن إلى المراجعة أو تقتنع بالتراجع، أو ترى في الظهور السياسي والمبارزة الفكرية تهديدا للنسيج الاجتماعي الذي هو المادة الخام لساحة الدعوة، بمعنى آخر أن النساء الإسلاميات كن أكثر حرصا على الرصيد الشعبي المحافظ، لأن المجتمع الجزائري ليس به واقع أقليات أو مذهبيات، يمكن أن يتمظهر الصراع وفقها بطريقة أو بأخرى، أو لربما بروز الخطاب الجامع واختفاء الحدة الأيديولوجية في الصراع الثقافي والسياسي بين التيارات الجزائرية بعد الأحداث الدموية خفف الشحنة فانعكس ذلك على المرأة كمكون فاعل؟!

لكن مهما يكن من هذا ndash;ولو كان في بعضه صواب- فإن الحقيقة الواقعية تفيد أن مختلف فعاليات الحراك الوطني، وفئات المجتمع الحيوية أصابها شيء من التكيف أو المرونة، لكنها لم تختف بهذه الصورة!! صحيح أن فيه ساحة سياسية دجنت إلى حد كبير، ومجتمع مدني يعاني المضايقة بوما بعد يوم، وواقع اجتماعي يتأثر بثقافة الاستهلاك الشامل، لكن توسع مساحة الأخطار والآفات (مخدرات، أزمات اجتماعية، عنوسة، توسع الأمراض المزمنة، الهجرة القاتلة، الانتحار، التفكك الأسري، الظلم الاجتماعي، الفساد الاقتصادي والأخلاقي... وغيرها) وكلها حالات مرعبة تستدعي استجابة قوية للمرأة في محيط حركة إسلامية موسومة بالحساسية تجاه قضايا المجتمع والأمة والقيم.

4-الجامعات في معركة الكماليات:
تشير بعض الإحصائيات إلى ارتفاع نسبة الطالبات في الجامعات، وترتفع كذلك نسبة الإسلاميات في الوسط الجامعي أكثر من الأوساط الشعبية، ويذكر أن مساحة الاستقطاب الإسلامي صارت مختصرة في الجامعيات، وهو معطى يعزز نظرية ما ينبغي أن يكون على واقع ما هو كائن، تؤكد معلوماتنا أيضا أنه في العديد من المعاهد تتفوق الإسلاميات في المعدلات خاصة في معاهد العلوم الإنسانية والشرعية والتربوية.

لكن نصيب الواقع من هؤلاء الخريجات لا يعرف مخرجاته إلا في إتقان الوظيفة ّأو إتمام نصف الدين، والسعادة بقانون quot;إلغاء شرط موافقة الوالدينquot; وواقع هذه معطياته، وكيانات تربوية وتنظيمية تتابعه وتحفزه، كيف لا يتيح طفرة في إبداع المرأة في واقع يدفع على الأقل إلى محاكاة فعالية المرأة في العالم الآخر الذي لا تفصلنا عنه إلا شطآن البحار، ولكنه يمتد في أعماقنا يوميا ثقافيا وإعلاميا واقتصاديا.

أحسب أن المشكلة باتت تكمن في بعض العوامل التي حنطت الواقع ولغمت الميدان، ومن ثمة وقعت الأخت في معظلة من أين نبدأ!! فموجة الكماليات التي تجتاح واقعنا الجزائري خصوصا والعربي عموما، أوقعت شيئا من الإرباك والذهول، كما الحركات الإسلامية التي التفت بأثواب حزبية لم تعد قادرة على إنتاج برامج الأشواق للتنافس نحو الآفاق، مثل ما كان يصنعها كتاب الظلال للشهيد سيد قطب في السبعينيات، أو مذكرات الحاجة زينب، وأشرطة عبد الحميد كشك في الثمانينيات، ولا رحلات الاستفتاء للمشايخ الدعاة في الفضاء الحر للدعاة في الجامعات، فاكتفت الأخت أن تسعد حركتها الإسلامية بأن تكمل نصف الدين، وإن أنجبت طفلا سمته صلاح الدين، أو طفلة تسميها مارية أم المؤمنين، وسلام على المرسلين.