قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

من مفكرة سفير عربي في اليابان

حكم اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وخلال العقود الخمسة الماضية، الحزب اللبرالي الديمقراطي المحافظ. وقد نجح هذا الحزب، ببرغماتية متزنة، أن يطور البلاد لثاني اقتصاد عالمي، بتفاعله بحكمة مع حاجيات قطاعات المجتمع المختلفة، وتحالفه بذكاء مع الغرب لتطوير تكنولوجية بلاده وتحقيق أمنها وسلامتها. وقد أنهزم هذا الحزب في انتخابات مجلس النواب في الصيف الماضي، ليشكل الحكومة الجديدة الحزب الديمقراطي الياباني، الذي تحالف مع الاشتراكيين ليحقق أغلبية في مجلس المستشارين، فيستطيع تمرير تشريعات يعالج بها تحديات بلاده الداخلية والخارجية. والسؤال لعزيزي القارئ: ما هي تحديات السياسة الخارجية للحكومة اليابانية الجديدة؟ وكيف ستتبلور دبلوماسيتها في القرن الواحد والعشرين؟nbsp;nbsp;
ناقشت مجلة العلوم السياسية اليابانية، الأيكوجابان، في عددها الصادر في شهر ديسمبر الماضي، التحديات الدولية التي ستواجهها اليابان. وقد طرح البروفيسور تيراشيما جيتسورو، رئيس جامعة تاما اليابانية، وجهات نظر تحتاج للدراسة والتأمل، والتي قد تفيد الشرق الأوسط في التعامل مع تحديات دبلوماسية القرن الواحد والعشرين، وبنظامه العالمي الجديد. ويعتقد الكاتب بأن هناك صعوبة عامه في فهم الأجانب للدبلوماسية اليابانية، والتي تتضح من خلال تجربة فرق قوة الدفاع اليابانية في العراق، وذلك بإصرار الحكومة بعدم مشاركتهم في العمليات الأمنية، وضرورة حمايتهم من قبل الدول الصديقة، بالرغم من امتلاك اليابان لقوة عسكرية متكاملة حسب القانون الدولي. فالمعضلة الكبيرة التي عانت منها الدبلوماسية اليابانية في إدارة الحكومة السابقة، هي استمرارية إستراتيجية سياسة خارجية مرتبطة بمفاهيم الحرب الباردة، بعد عقدين من انهيار جدار برلين. وقد أدى ذلك لصعوبة تعامل دول العالم معها بفعالية، وخاصة بعد أن تراكمت تحديات العولمة الجديدة مع دبلوماسية، عبر عنها الكاتب quot;بدبلوماسية تعالج تحديات اليوم بفرضيات الحرب الباردة.quot; وتساءل الكاتب: هل ستغير الحكومة الجديدة مسار الدبلوماسية اليابانية بوضع مبادئ أساسية لسياسة خارجية متزنة؟
ويعتقد الكاتب بأن هناك حاجة لتفهم الحكومة اليابانية لتغيرات النظام العالمي الجديد، قبل التفكير في التعامل مع تحديات دبلوماسيتها. فقد انعكست سياسات الحرب الباردة خلال العقود الخمسة الماضية على الساحة السياسية اليابانية وسياستها الخارجية، ليبرز الصراع الرأسمالي الأمريكي والاشتراكي السوفيتي، في الخلافات اليابانية بين المحافظين والاشتراكيين. ولم تستطع الدبلوماسية اليابانية التخلص من أفكار الحرب الباردة، بعد انهيار جدار برلين في عام 1989. فبعد أن تغيرت خارطة العالم في عام 1990، توقع الكثيرون، في عام 1993، تغير الخارطة السياسية اليابانية، بعد أن فقد الحزب اللبرالي الديمقراطي المحافظ احتكاره للسلطة. وقد تبددت هذه التوقعات حينما رجع هذا الحزب للحكم بعد عدة شهور، بعد أن تحالف مع الاشتراكيين، وقوى المعاهدة الأمنية الأمريكية اليابانية من جديد. كما استمرت حكومة هايشموتو رايوتارو، في عام 1997، مضاعفة مسئولياتها العسكرية في دعم المجابهات الأمريكية، لاعتقادها باستمرارية الحرب الباردة في آسيا، وضرورة الأخذ بالمثل الأمريكي للرأسمالية، للمحافظة على التنمية الاقتصادية في البلاد. وقد قامت واشنطن منذ عام 1994 بالتقدم بقائمة سنوية من الطلبات لإصلاحات اقتصادية في اليابان، لعولمة السوق الحرة، لتلغي اليابان قوانينها المنظمة للخدمات المالية والصناعية، فيؤدي ذلك لانفجار فقاعة الأسهم في التسعينات وضياع عقد من النمو الاقتصادي.
وعلق البروفيسور على حوادث الحادي عشر من سبتمبر فقال: quot;لقد واجهت الدبلوماسية العالمية بعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 قرن جديد من التحديات. وبدل أن تراجع اليابان سياساتها الخارجية، أعلن رئيس الوزراء، جونيشيرو كويزومي (2001-2006)، بأنه ليس هناك خيار غير الطريق الأمريكي. وحينما غزت الولايات المتحدة العراق وأفغانستان، طالبت بالدعم الياباني، فتركت الحكومة سياستها الخارجية للطيار الآلي الذي رسمه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن.quot; وقد أدت هاتين الحربين لخسائر مذهلة، وعانت فيها الشرعية الأمريكية، وانهارت معها مؤسساتها المالية، فضعفت الثقة بالدولار، واختفى عصر هيمنتها على الاقتصاد العالمي.
وأستطرد الكاتب في عرض سياسات الحرب الباردة في قرارات الحكومة السابقة بعد عام 2006، حينما دعا وزير الخارجية، تارو أسو، quot;لقوس الحرية والازدهار،quot; لضمان الأمن الأوروبي الأسيوي بين الدول الديمقراطية التي تمتد من البلطيق وحتى شرق أسيا، وهو تعبير آخر لفكرة المحافظين الجدد لاحتواء الصين وروسيا. وطالب تقرير الأمن والدفاع بحق اليابان في الدفاع عن نفسها، وذلك برفع القيود عن تصديرها للأسلحة، ومشاركتها الولايات المتحدة في مجابهة الخطر الكوري الصيني، والمحافظة على المظلة النووية الأمريكية.
وقد تغيرت المعادلة الدولية حينما بدأ الرئيس الصيني السابق دنج إصلاحاته الاقتصادية في القرن الماضي، والتي أدت لتغيرات كبيرة في تجارة سوق العولمة، لتتحول الصين لمصنع عالمي للمنتجات الصينية المنافسة والرخيصة. واستمر الصعود الصيني في العقد الماضي، ونشطت تجارتها مع اليابان، بل نافست التجارة الأمريكية اليابانية. ففي عام 1990، ارتفع نصيب الولايات المتحدة من التجارة اليابانية الخارجية إلى 27.4%، بينما لم يتجاوز نصيب الصين 3.5%. وتغيرت هده النسب في النصف الأول من عام 2009، لترتفع نسبة التجارة الصينية إلى 20.4%، والتجارة الأسيوية إلى 50%، بينما انخفض نصيب التجارة الأمريكية إلى 13.7%. فيبدو بأن المصالح اليابانية الصينية قد بدأت تأخذ منحى جديد، وعلى حساب المصالح الأمريكية اليابانية، والذي سيؤثر على دبلوماسية الحرب الباردة، لتتغير لدبلوماسية تتماشى مفاهيمها مع النظام العالمي للقرن الواحد والعشرين.
ويطالب الكاتب الحكومة اليابانية الجديدة، التحرك بفاعلية quot;لوضع سياسة خارجية لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، تتفهم عالم العولمة الجديد بمصالحه الجديدة وأقطابه المتعددة، وتفصل العلاقات الأمريكية اليابانية عن العلاقات الشرق آسيوية، والذي يعني مراجعة التحالف الأمريكي الياباني بأكمله.quot; كما حذر البروفيسور من خلط هذه المفاهيم الجديدة بمواقف اليسار الياباني المضادة للولايات المتحدة والمعارضة للترتيبات الأمنية اليابانية الأمريكية، بقوله: quot;فمن الضروري محافظة اليابان على التحالف الأمريكي الياباني، ولكن عليها مناقشة اتفاقيات عسكرية، تعالج تحديات النظام العالمي الجديد، وخاصة بعد أن قلت الحاجة لقواعد عسكرية بقرب كوريا الشمالية، وتطورت تكنولوجياتها العسكرية. فيمكن الاتفاق على قوة عسكرية طارئة، تكون قاعدتها في هاواي وجوام، وتغطي تكلفتها اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة. وتتحدد المعضلة في تغير مفهوم الأمن العسكري للحرب الباردة في هذا القرن، وتطوير تحالف يتماشى مع تحديات المرحلة، ونابع من ثقافة الشعب الياباني وحكمته.quot;
ويطالب البروفيسور جيتسورو بتجنب عزل الولايات المتحدة عن شرق آسيا، والعمل على وقف الميل الأمريكي الطبيعي للعزلة، ودفعها للمشاركة البناءة في شرق آسيا. ولتحقيق ذلك تحتاج اليابان لكسب ثقة جيرانها الأسيويين، لتكون جسر التعاون الأمريكي الأسيوي، كالجسر البريطاني الذي يربط القارة الأوروبية بالولايات المتحدة. كما ستحتاج لمساعدة الصين لكي تصبح عضو فاعل في دنيا العولمة الجديد، وعليها quot;مقاومة تحويلها لقطعة شطرنج في لعبة أمريكية صينية، بل تحتاج للإبحار بحكمة بين المحيط الأمريكي الذي يعتبر نفسه قوة عظمى، والبحر الصيني الذي يعتبر بلده مركز الحضارة منذ القدم.quot; ولنجاح هذه العلاقة الثلاثية، على اليابان وضع دبلوماسية بروية تبقي أضلاع هذا المثلث متساوية، quot;وستكون واشنطون مغتبطة لبداية علاقة ناضجة مع طوكيو.quot;
والسؤال لعزيزي القارئ: هل ستستفيد منطقة الشرق الأوسط من هذه التجربة لتتجنب سياسات الحرب الباردة، وتضع إستراتيجية دبلوماسية للقرن الواحد والعشرين تتماشى مع النظام العالمي؟ ولنا لقاء.
سفير مملكة البحرين في اليابان