قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

1-
جاءت سرقة لوحة:quot; زهرة الخشخاشquot; للفنان العالمي فان جوخ من متحف محمد محمود خليل وحرمه الماثل على كورنيش النيل بحي الدقي بالجيزة في شهر النوم والبركات، في وضح النهار في شهر رمضان، أي أنها سرقة مباركة بامتياز، ولأن القائمين على المتحف من إدارة وأمن وحراسة أنهكهم الصيام في عز الحر ndash; كما يقول أحبابنا المصريون- فقد استسلموا لدعة الروتين، ولدعة الغفوة البسيطة التي تسكن التعب قليلا، فلا بأس من غفوة صغيرة أو هفوة بريئة، والله غفور رحيم.
فهؤلاء يعملون في متحف، والمتحف يضم بعض الرسومات التي لا يهتم بها أحد من أبناء البلد، حيث لا ثقافة فنية أو تشكيلية عند غالبية الناس، وإنما يهتم بها بعض الزوار الأجانب، أو الجروبات السياحية الأوروبية التي قد تقع في يد مرشد سياحي ذي حظ من الثقافة فيأخذهم لزيارة المتحف، ثم إلى رحلة نيلية من وسط القاهرة حتى تخوم حلوان.
هذه اللوحات والتماثيل البرونزية والرخامية مجرد رسومات وتصاوير لبعض الكفرة الفجرة، فالمد الأصولي علم الناس وألقى في روعهم أن الرسم حرام، وأن الفن التشكيلي نوع من العبث غير المفهوم، مجرد شخابيط لونية، وأصنام فلا ضير أن تتلف هذه الرسومات واللوحات والأصنام، ولا ضير أن تمزق أو تحرق أو تسرق، خاصة حين تزيد البركة في هذا الشهر الفضيل بركة الرزق وبركة الحسنات.

2-
من بركات المرحلة الإرهابية في مصر التي شهدها على الأخص العقد الأخير من القرن العشرين، القيام بتوظيف عدد كبير من خريجي الجامعات وحملة الدبلومات الفنية بشكل يسميه المصريون بquot; البطالة المقنعةquot; أي العمل بلا عمل والحصول على راتب شهري، ومن بين الوزارات التي استوعبت نفرا غير قليل من الموظفين: وزارة الثقافة، بمجالسها وهيئاتها وقصورها الثقافية، وهيئة كتابها، ومتاحفها، ومعظم هؤلاء الموظفين لا يعرفون عن الثقافة شيئا، مجرد موظفين جرى تعيينهم حتى لا يقعوا أسرى التطرف والتشدد والإرهاب، وبعضهم يعيش كالتاجر المنتفع على ما تضمه وزارة الثقافة من مقتنيات أو آثار أو لوحات أو مخطوطات أو وثائق نادرة أو كتب، وبعضهم لا يبالي أو يكترث بمهمة وزارة الثقافة أو بأهمية العمل الثقافي أو المكان الثقافي الذي يعمل به، لأنه غير مهموم لا بثقافة ولا بمثقفين، ومن هنا تشهد الوزارة بين وقت وآخر حالات سرقة لمخطوطات ونفائس، وحالات حريق لمقتنيات فنية أو قصور للتراث أو متاحف، كما حدث ndash; على سبيل المثال- في دار الكتب المصرية، وهيئة الكتاب، وحريق مسرح بني سويف بمن فيه من ضيوف ومثقفين، وحريق لمركز التراث بمنطقة الغوري الإسلامية الأثرية، وحريق المسرح القومي بالعتبة وسط القاهرة، وسرقة المتحف المصري الفرعوني بميدان التحرير وسط القاهرة، وأخيرا سرقة لوحة: زهرة الخشخاش. كل ذلك وما يزال الوزير وزيرا للثقافة!!

3-
المثير في الأمر أن وزير الثقافة فنان تشكيلي، والمسؤول عن المتاحف هو الفنان التشكيلي محسن شعلان وكيل الوزارة، أي أنهما يدركان القيمة المادية والمعنوية والثقافية لما يكنزه متحف محمد محمود خليل (باشا) (الذي كان رئيسا لجمعية محبي الفنون الجميلة حيث اشترك في تأسيسها عام 1924 وحصل على أرفع الأوسمة والنياشين الفرنسية ولد عام 1877 وتوفى بباريس 31/12/1953، بعد أن كان قد اقتنى لوحات متحفه بعناية) ما يكنزه من لوحات تشكيلية لفنانين عالميين، ويدركان ماذا يعني وجود نحو (208) لوحة تشكيلية لكبار الفنانين العالميين تعبر عن مختلف الاتجاهات الفنية التشكيلية ومن أبرزها لوحات وأعمال لفان جوخ، وبول جوجان، ومونيه،ورينوار ورودان وأنطوان لويس بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من التماثيل البرونزية والرخامية لكبار مثالي القرن التاسع عشر في متحف قاهري؟ ومع هذا الإدراك لم يقوما بمهمة وطنية لحماية هذه الكنوز الفنية لا في هذا المتحف ولا في المتاحف الأخرى، بل إنك إذا قمت بزيارة أي متحف من متاحف وزارة الثقافة لا ستطعت أن تحمل حمل بعير مما تضمه هذه المتاحف من مقتنيات دون أن يقول لك أحدهم: ماذا تفعل يا عم؟
فالحراسة مخففة، وتنظيم الدخول والخروج عشوائي، أما عن طرق عرض المقتنيات، والنظام، والنظافة، وشكل المبنى المتحفي داخليا وخارجيا، ووسائل الإبهار البصري والضوئي، وطرق الإرشاد والشرح، والكتابة فحدث ولا حرج..كأنك تدخل مقبرة متربة لا متحفا فنيا!!

4-
ثروات مصر الأثرية معرضة للنهب دائما، منذ قديم الزمان، ويبدو أن هذه عادة تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، حتى إن تجارة الآثار والقطع الأثرية الفرعونية والقبطية والإسلامية باتت تجارة رابحة اليوم ودخلها بعض العوام، وبعض الموظفين الذين ينقبون عن الآثار بأنفسهم، بعيدا عن عيون وزارة الثقافة والمجلس الأعلى للآثار ووزارة السياحة، خاصة في محافظات أسوان، وقنا، والوادي الجديد، وسيناء، والمنيا، والقاهرة والجيزة.
يقال أن مصر كان بها ثلاثون هرما، ولم يتبق منها سوى الأهرامات الثلاثة، وهرم سقارة بالجيزة، وكان أجدادنا الفراعنة يكنزون أدواتهم الذهبية وغير الذهبية في هذه الأهرامات (المقابر) لليوم الآخر يوم البعث والحساب، لكنهم لم يدركوا أن هذا اليوم الآخر جاء في أيام متعددة من القرن الأول الميلادي حتى القرن الحادي والعشرين، لكنهم لم يبعثوا بل نهب جميع ما ادخروه لليوم الآخر، وبيعت مقتنياتهم وأدواتهم ومسلاتهم وتماثيلهم في أسواق الشرق والغرب، ووجدت آثار أعمالهم شاهدة لهم بالتحضر والرقي في إيطاليا واليونان وفرنسا وأمريكا وبريطانيا، أما أعمالهم في مصر فهي منهوبة بالقوة في انتظار من يقوم بسرقتها ونهبها بالفعل، خاصة وأن مسألة بيع الآثار المصرية أو النسخ المكررة منها تعد فكرة أساسية في ذهن بعض المصريين خاصة لدى التجار ورجال الأعمال والمهربين.

5-
في حادث سرقة اللوحة الأصلية لـ laquo;أزهار الخشخاشraquo; التى أبدعها الفنان الهولندى فان جوخ عام 1886 ما يدل على العصر الذي تعيشه مصر اليوم من الوجهة الثقافية، فلا مبالاة ولا اكتراث، ولا اهتمام بالكنوز التي تضمها البلاد والتي لو وجدت في بلد آخر في أوروبا لكان من أغنى البلدان في العالم، كنوز مهدرة في المتاحف وفي الأماكن الأثرية تفتقر إلى كوادر طنية مثقفة تعتني بها، وتزيح التراب منها لتعيد لها وجهها الناصع، لقد أصبح الأمر خطيرا جدا، ومن كثرة سرقات القطع الأثرية والاتجار بها في الأسواق الأوروبية والأمريكية أخشى أن نصحو ذات يوم فنكتشف سرقة الهرم الأكبر.