قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من أهم الأخطار التي يمكن أن تحدق بتجربة ديمقراطية وليدة، كالتجربة التونسية الحالية، أن تدفع الأحداث باتجاه إضعاف قوى الوسط، لصالح القوى السياسية المتطرفة أو المتشددة، يمينية كانت أو يسارية، فقوى الوسط في تجارب الحكم الديمقراطي في الغرب، أي المسيحية الديمقراطية والاشتراكية الديمقراطية، هي البانية والمحصنة والضامنة للنظام الديمقراطي، و يعد ميل الشارع إلى انتخاب المتشددين يمنة ويسرة مؤشرا على حالة مرضية.
و تعتبر quot;العقلية الوفاقيةquot; هي أهم مميزات القوى الوسطية، التي عادة ما تتمثل في أحزاب برغماتية، تركز على برامج التنمية والتشغيل والرفاه الاجتماعي و التقدم الاقتصادي، أكثر من تركيزها على المشاريع الايديولوجية و الشعارات والرؤى العقائدية.
و في تونس أضعفت سياسات نظام الرئيس بن علي المنغلقة والخائفة باستمرار من أي محاولات انفتاح سياسي أو إعلامي، القوى الوسطية بما في ذلك حزبه، أي حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، الذي تحول طيلة ما يقارب العقدين، إلى جهاز إسناد للأجهزة الأمنية والإدارية، أكثر من ممارسته وظيفة الحزب الحقيقي، وهو ما يعني أنه كان حزبا متضررا و مظلوما مثلما كانت سائر الأحزاب والهيئات السياسية والمدنية.
و بخلاف زمن الزعيم الرئيس الحبيب بورقيبة، وخصوصا في عقدي حكمه الأولين، حيث كان الحزب باستمرار وعاء لنقاش سياسي وفكري فعال و مقرر في القضايا الرئيسية التي يواجهها المجتمع والدولة، فإن الحزب في زمن الرئيس بن علي فقد أي نوع من أنواع الحركية الداخلية، وتحول إلى مطية لتسلق المتزلفين والمتملقين، و أداة لتحقيق الوصوليين والانتهازيين لمآربهم الشخصية، بعيدا عن أي قناعات سياسية أو فكرية أو ارتباط بالمرجعية التاريخية و الوطنية العميقة للحزب، والتي تعود إلى العشرينيات من القرن العشرين.
و لا شك أن الحزب الدستوري التونسي، الذي تأسس على يد الشيخ الثعالبي و رفاقه أوائل العشرينيات، ثم تجدد على يد الزعيم الرئيس الحبيب بورقيبة سنة 1934، وقاد معركة الاستقلال حتى سنة 1956، ثم معركة بناء الدولة المستقلة ابتداء من ذلك التاريخ، قد خسر الكثير من رصيده الشعبي و مصداقيته السياسية عبر ممارسة السلطة و الحكم، بل إنه اليوم يقف على أعتاب أكبر تحد يواجهه في مسيرته، ويهدده بالاندثار إن لم يبادر الإصلاحيون والشرفاء داخله بخطوات جريئة سريعة لإعادة بناء هياكله ومؤسساته على أسس جديدة مخلصة في ارتباطها بالمشروع الديمقراطي الجديد، و إجراء عملية مراجعة جذرية تحقق انفصاله عن الدولة واعتماده على امكانياته الذاتية و قدرات مناضليه الصادقين.
و ليست إعادة بناء الحزب الدستوري ضرورة حزبية ذاتية فقط في رأيي، إنما ضرورة وطنية أيضا، مردها أن هذا الحزب هو الذي بلور من خلال الزعامة البورقيبية على وجه التحديد، ما يمكن تسميته بquot; أسس الوطنية التونسيةquot;، العروبة العقلانية و الإسلام الحداثي و خصوصية الذاتية التونسية، و قد شكلت وسطيته السياسية والايديولوجية و نزعته التحديثية و الليبرالية و رؤيته الاجتماعية الإصلاحية قاعدة للدولة التونسية المستقلة و موجها لسياساتها العامة و عاملا فاعلا في رص صفوف القوى الوسطية.
و لهذا فإن منح هذا الحزب فرصة تحقيق quot; برسترويكاquot;، وخصوصا تحقيق المزاوجة بين ايديولوجيته البورقيبية و الالتزام الديمقراطي المطلوب منه، سيساعد التجربة التغييرية التونسية على مراكمة انجازات الدولة المستقلة وتجاوز سلبيات المرحلة القادمة، وتحديدا عدم النكوص على مكتسبات الحداثة مثل مجلة الأحوال الشخصية و مكانة المرأة التقدمية وحيوية الحياة الثقافية و طبيعة الانفتاح والتسامح التي جبلت عليها الشخصية التونسية، و التصدي لأي مشاريع فكرية أو سياسية متخلفة ومنغلقة و سلفية.
إن غضب و عتب، بل كراهية، كثير من التونسيين لحزب الدستور، محتاج إلى صبر وأناة قادة الحزب، و محتاج على وجه السرعة إلى أن يتحقق هؤلاء من صدقية المراجعات، و إلى الوقت أيضا، فالتحديات المطروحة على حزب بهذا الحجم لا ريب في أنها ستتطلب الكثير من الجرأة والإقدام والتصميم على تحمل الهجومات و آلام الجراحات، كما ستتطلب زمنا لتكون فاعلة على الأرض و تكسب ود الجماهير وثقتها من جديد.
إن حزب الدستور في صيغته الجديدة، البورقيبية والديمقراطية، سيتعاون بلا شك مع كافة القوى الوسطية و الحداثية حتى لا تسقط تونس في براثن التطرف والأصولية..و إن حزب الدستور سيكفر عن خطايا كل من تسلط على مصيره سنوات الحكم، بالعمل على رفد ودعم وإسناد التجربة الديمقراطية الوليدة، وسيلعب دورا مطمئنا للجوار العربي والأقليمي المرتاب في تونس الجديدة.
فلينهض البورقيبيون و الدستوريون الديمقراطيون الشرفاء إلى العمل الصادق و إلى وظيفتهم في حماية تراث الحركة الوطنية، وليحذروا من هنا فصاعدا من السلطة على حزبهم..كم مرة مر فيها حزب الدستور البورقيبي بتحد موت أو حياة واستطاع ربح الرهان والنهوض أقوى وأقدر على العطاء لتونس الخضراء..
زمن الاستعمار الفرنسي قال شاعر تونس الشعبي محمد الصغير ساسي مخاطبا كل تونسي quot;إذا كنت مسلم غيور.. أدخل في حزب الدستورquot;.. رحم الله الزعيم الحبيب بورقيبة، ورحم الله شهداء تونس على مر العصور..