العارف بالشأن السوري يعلم تماما أن نظام بشار الأسد الوفي لنظام أبيه من قبله لم يلتفت يوما إلى مستقبل بلاده إلا بوصفه مستقبلا لنظامه و تسلطه، و أن هذا النظام عمل على بناء مؤسسات الجيش و الأمن و غالبية مؤسسات الدولة طبقا لما يقتضيه استمراره في مواقعه متربعا على سدة السلطة متحكما بمقدرات البلاد و العباد، تماما كما أشرف على السير بالمجتمع السوري نحو تكريس الوعي الطائفي فيه و تعميق التناقضات بين مختلف مكوناته حؤولا دون تحقيق التناغم الاجتماعي و الانسجام الوطني بينها. الثورة السورية و تعاطي بشار الأسد معها منذ اندلاعها أثبت بما لا يقبل الشك أن عائلة الأسد لا تلوي على شيء إلا على بقائها في السلطة، حتى لو تطلب منها ذلك تهديد وجود سورية برمته، تهديد وجودها دولة ومجتمعا، لذلك كان تأزيمه الوضع المجتمعي في بلاده، وصولا إلى تركه عرضة للتمزق والتناحر بل وخطر الحرب الأهلية عبر استمراره في الحل الأمني وتوسله كل ما يتوفر لديه من خبرات قمعية من أجل أن يبعد الثورة السورية ما أمكن عن سلميتها، أمرا مفهوما.

لكن برغم كل هذا التعقيد الذي أفرزته سياسات النظام السوري في واقع سورية و مجتمعها، وعلى الرغم من تحالفات ذلك النظام الإقليمية مع إيران و حزب الله، ومن استغلاله لأحداث الربيع العربي، في ليبيا خصوصا، لجهة انشغال المجتمعين العربي والدولي بها، وما خلفته سياسة التدخل الدولي لحماية المدنيين فيها من تداعيات على الموقفين الروسي والصيني من الثورة السورية، ومن سيناريو تدخل دولي لحماية المدنيين في سورية، على الرغم من ذلك يبدو النظام السوري وكأنه ذاهب نحو فشل عام وشامل وكارثي، فالثورة السورية مستمرة رغم كل القمع والقتل الذي يتعرض له الشعب السوري وليس ثمة مؤشر يفيد بأنها تتراجع أو تنحسر، وموقف الجامعة العربية الآخذ في الحزم إلى حد القطع معه نهائيا، مرشح لكي يذهب إلى أبعد من إدخال مراقبين دوليين و عرب إلى سورية من أجل حماية المدنيين، سيما ورد الجامعة على انتهاك نظام بشار الأسد للمبادرة العربية و عدم الالتزام بها لم يقض بتعليق عضويته فيها فقط بل ترك جميع الخيارات مفتوحة بما فيها اللجوء إلى المنظمات الدولية و مجلس الأمن. رهان النظام السوري على الموقف الروسي على نحو الخصوص هو رهان اليائس الذي فقد كل أسلحته و لم يبق لديه إلا سلاح هو أصلا بيد غيره، لا يعرف إلى أي حد سيبقى يدافع عنه و متى يفقد فاعليته و نجاعته، و كم هو واهم حين يتصور أن روسيا ستظل وفية طويلا لموقفها الرافض لإدانته دوليا أو للجم التصعيد الدولي ضده، الموقف الروسي الآن لا يعدو كونه ورقة مساومة يستخدمها الروس مع الغرب والقوى النافذة في مجلس الأمن الدولي من أجل ضمان مصالح روسيا القومية و الأمنية و الاقتصادية في ظل إعادة الهيكلة الاستراتيجية التي تعيشها المنطقة العربية نتيجة للربيع الثوري الذي عاشته مجتمعاتها، و ما يخلفه ذلك على المصالح والتوازنات الدولية، وسيكون واهما أكثر لو صدق نفسه وصدق تهديداته عن الزلزال الذي سيحدثه التدخل الدولي في سورية، فتعويله على إيران و تدخلها العسكري المباشر لمصلحته أمر فيه من السذاجة السياسية ما فيه، إيران لن تربط قدرها مع الطرف الذي يتجه نحو الهاوية، و لن تدخل في نزاع تعرف مآلاته عليها جيدا، إيران لم تتدخل لمصلحة من هو أهم و أقرب بكثير من النظام السوري بالنسبة إليها، حزب الله،لقد بقيت ساكنة و لم تدافع عنه عسكريا حين تعرض لحروب إسرائيلية عديدة عليه كاد بعضها أن يودي به، ولم تنخرط في نزاع مباشر مع إسرائيل من أجله. أما رهانه على دعم حزب الله اللبناني المباشر و العسكري في حال حصول سيناريو التدخل الدولي فلا يقل سذاجة ووهما من رهانه على إيران، فتسليح حزب الله دفاعي و ردعي يصلح في مواجهة إسرائيل من زوايا عسكرية ضيقة للغاية، حرب عصابات و ترسانة سلاح صواريخ ذات أغراض محددة، لا يسمح له هذا النوع من التسليح الدخول في حرب معقدة يكون طرفا فيها المجتمع الدولي أو حلف الناتو، ناهيك أن حزب الله بات يعرف تماما أنه في استمراره الوقوف حتى النهاية ضد السوريين لمصلحة نظام متسلط بات قريبا من نهايته هو موقف لن يترك له مجالا للعودة و سيقطع كل الخيوط مع سورية المستقبل، وهو ما بدا أمرا مفهوما من قبل قادة الحزب الذين بدؤوا يعدون لفترة ما بعد الأسد بفتحهم لقنوات اتصال مع بعض المعارضين السوريين.

لقد صار من شبه الحتمي أن نظام بشار الأسد العائلي الذي بناه بإحكام الديكتاتور الراحل حافظ الأسد أصبح آيل للسقوط أكثر من أي وقت مضى، و أن جميع الصادات و المتاريس المحلية، الاجتماعية منها والاقتصادية والسياسية التي يختبئ خلفها، وكذلك المحاور الإقليمية التي انخرط في تشكيلها لن تحميه من مواجهة مصيره المحتوم والنهاية التي تنتظره، و مقاومته المتزايدة لمواجهة حركة التاريخ في سورية، الحركة الحاكمة على الاستبداد السياسي بالانقراض فيها، لن تفيده إلا زيادة في مأساوية سقوطه و سوداوية مصيره. فهل يرحل بشار الأسد و يستفيق قبل أن يشاهده العالم بطلا لمشهد مثير و مأساوي مثل مشهد القبض على القذافي الذي أصاب الأسد نفسه بالذعر و الاكتئاب كما تسرب عن مصادر دبلوماسية غربية.


ناشط سياسي و كاتب