قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


ان الذي صرح به السيد المالكي مؤخرا ً حول الربيع العربي غريب جدا ً ولايعرف المراقب بأي إتجاه يصب ولمصلحة من. فقد صرح السيد المالكي بأن مايحدث من تظاهرات وإحتجاجات بما يسمى بالربيع العربي يساهم بتفكيك وإضعاف الدول العربية ويصب في مصلحة الصهيونية بالرغم من أنه يتضمن حقوق مشروعة للمتظاهرين.

هناك نوعان من التصريحات السياسية، الأول يكون أقرب للموضوعية من خلال إعتماده على المعطيات الموجودة على أرض الواقع فيقوم السياسي بإستخلاص نتيجة ما على ضوء تلك المعطيات، ويصدر هذا التصريح غالبا ً من سياسي مستقل أو منظمة مستقلة أو باحث أكاديمي همه الوصول إلى الحقيقة. أما النوع الثاني فهو التصريح السياسي الذي غالبا ً مايصدر من السياسيين من أصحاب المناصب، فيقومون بإستخدام المعطيات الموجودة على الأرض لتمرير رسالة سياسية من خلال المبالغة بالحدث أو التقليل من أهميته للإستفادة منه. ويمكن للسياسي أن يعتمد على معطيات مزيفة لتمرير رسالته السياسية، ولكن، أن يخرج تصريح مثل الذي خرج به السيد المالكي فإنه لايمت للسياسة بصلة بأي حال من الأحوال وذلك لأنه يفتقد للمعطيات الواقعية أصلاً والتي يعتمدها السياسي في تصريحاته. فلايعرف أحد إلى الآن، كيف أن تغيير الأنظمة العربية، وإن كان بالقوة، يصب في مصلحة إسرائيل والصهيونية؟ ولايبدو هنا إلا أن السيد المالكي قد وقع ضحية بعض مستشاريه الذين ربما تلتقي مصالحهم مع أجندة دول أخرى أو أجندة طائفية.

أن الذي يدعو للغرابة شيئين أساسيين، الأول يتعلق بالمرجعية الفكرية للعقل السياسي الذي يحكم العراق الآن، والثاني، وهو الأهم، الرؤية السياسية الإستراتيجية لمستقبل العراق وطبيعة العلاقات الخارجية مع المحيط الخارجي. فبالنسبة للشيئ الأول، فلا توجد هناك رواية تربط مايحدث من تغيير في العالم العربي بأجندة خارجية وعلى إنها مؤامرة غربية تستهدف الدول العربية لصالح إسرائيل عدا الرواية السلفية ورواية الحكومات الدكتاتورية التي تقاوم ذلك التغيير، فكلا الروايتين تنسجمان مع مصالح مدعيهما وذلك يمكن أن يكون مبررا ً لهما. وهنا أستثني سوريا التي تلقى المتظاهرين فيها الدعم من التيارات السلفية والحكومات المستبدة لأغراض طائفية وسياسية. ولكن العجيب أن تلتقي رواية السيد المالكي مع تلك الرواية السلفية ورواية الحكومات المستبدة بأن مايسمى بالربيع العربي هو في خدمة إسرائيل والصهيونية.

فمرجعية السيد المالكي الحزبية والدينية تدعو إلى التغيير والثورة على الظالم، والتي هي من صلب العقيدة الدينية للشيعة بل من أصولها. أما المرجعية الحزبية فمعروف بأن حزب الدعوة الذي ينتمي إليه السيد المالكي يؤمن بنظرية التغيير من خلال الثورة أو إستخدام القوة وقد إستخدمها في فترة من الفترات بعمليات نوعية ضد النظام السابق. فلماذا تغير موقف السيد المالكي، هل تغيرت مرجعيته الفكرية أم أن هناك أسباب سياسية أخرى، كـأن تكون طائفية أو خوف من أن تهب رياح الربيع العربي على بغداد فيثور الصامتون الذين أحرق قيض الصيف جلودهم من غياب الكهرباء وباقي الخدمات على حكومته!

أما الشيئ العجيب الثاني وهو أن مع من يستقيم رأي السيد المالكي في وصفه الربيع العربي بأنه في خدمة الصهيونية؟ فالكل يعرف بأن رياح التغيير قادمة لامحالة وأن بقاء الدكتاتوريات في المنطقة ماهو إلا مسئلة وقت، فلماذا يراهن السيد المالكي على الماضي ويتنكر للمستقبل مع هذا الشباب الصاعد في كل الدول العربية. لماذا يستنكر السيد المالكي خروج الشباب على الإستبداد وهو خرج على الإستبداد من قبل، وهل يريد من الأنظمة الفاسدة أن تتغير من وحدها أم بسحر ساحر. هل تنكر لماضيه الجهادي عندما كان في المعارضة في مقارعة الدكتاتورية واستنكر حق الشعوب بالتظاهر بعد أن أصبح هو من في السلطة. ومن جهة أخرى، الكل يعرف أيضا ً بأن إسرائيل هي المستفيد الأول من بقاء الأنظمة العربية على حالها وبقاء الحكومات المستبدة في مكانها وهي تعيق التنمية وعملية التطور التي يمكن أن تشكل خطرا ً محتملا ً على إسرائل، بل أن أمن وإزدهار الدولة العبرية جزء لايتجزء من أمن المنطقة بحكامها المستبدين. أضف إلى ذلك بأن رياح التغيير بدأت تهب على إسرائيل نفسها طلبا ً للعدالة الاجتماعية. لماذا يعتبر التغيير في العالم العربي في خدمة إسرائيل والصهيونهية إذا ما فهمنا بأن كل الدول العربية تقع في الدرك الأسفل من الحضارة. فهل دولنا العربية متطورة وأكتمل بها الرقي في جميع مرافقها لنأتي ونقول بأن التغيير هو مؤامرة لتعطيل التطور في بلداننا العربية وذلك يصب في مصلحة إسرائيل. إن دولنا العربية وبلا شك تعيش أسوء مراحلها التاريخية وهل هناك أسوء من مئة مليون أمي وفقر وجهل مدقعين في خضم فشل سياسي واقتصادي واجتماعي، بل أن بلداننا العربية تعيش أزمة أخلاقية أيضا ً مع صعود التيارات المتشددة التي ترهب المجتمعات بفكرها المتصلب كنتيجة للقمع وغياب الحريات.

السؤال المهم هو، لماذا يريد أن يرهن البعض مستقبل العراق بالماضي وأمامه مستقبل مفتوح على مصرعيه؟ هل هناك دوافع شخصية أو حزبية أو طائفية؟ على السيد المالكي وكل السياسيين أن يعوا بأن العراق في طريقه نحو الديمقراطية والديمقراطية تعني الشعوب وطموحاتها وتطلعاتها، وأن أي رهان يتجاهل طموحات وتطلعات تلك الشعوب هو رهان خاسر لامحالة. بل على من يدعى بالديمقراطية أن يدعمها في المنطقة بكل ما أوتي من قوة ولاينسجم مع الإستبداد بمواقفه بأي شكل من الأشكال. فالأولى بالحكومة العراقية دعم المجلس الإنتقالي في ليبيا والإعتراف به وبناء علاقات جديدة وجيدة مع مصر وتونس ودعم الشعب السوري واليمني والبحريني في مطالبه الشعبية وذلك لأن المستقبل مع هؤلاء فقط أما الحكومات المستبدة فإلى زوال.

عماد رسن
[email protected]